فيما جاء من كتب عشر في تعريف السلماوية:

أحببت ترند العشرة كتب (عرف نفسك بعشرة كتب)، وككثيرين مثلي قد شعروا بالحيرة، إذ لا يبقى المرء على حاله وما أدهشني قبل سنوات بعيدة ربما بت أراه بليدا، ومع تقدم السنين وتراكم الكتب وكثرة النسيان مع شهود المرء للحظات فارقة في حياته جعلته يكاد ينسى اسمه… لذلك حاولت أن أحصر الكتب التي ما زالت أحبها في فئات، واخترت أهم ما في فئتها…

1.تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور: معلمي… هو خير تفسير جعلني أنتبه لدقيق المعاني في قوله تعالى وبديع نظمه وتذوق حلاوته ومعجزه في اللغة، وشعرت مع استمرار القراءة فيه تغير مفهومي للغة بحد ذاتها وبت أرى المنطق فيها، وكأني بالجملة العربية كالأحجية عديدة التشكلات ومع كل إمكانية هناك معنى دقيق مضاف إلى المعنى المتحد الأساسي الواضح للجملة… حتى انتبهت أن التوسع في اللغة يزيد في العقل فعلا… ومزيد في العقل يعني مزيدا في محاولة الاقتراب من فهم مراد الله في خلقه و استشعار حكمته وعظمته، جل في علاه… وكنت اخترت هذا الكتاب ليرافقني في تلك الجزيرة المهجورة التي دائما يهددونا بإلقائنا فيها مع كتاب واحد، وذكرت هذا في موضوع طويل ظريف كنت كتبته سابقا (في السعي نحو اللغة تعزيا)…
وللأمانة قليلا ما أنعت ما أكتبه بهذا النعت، أعني الظرف، إذ سرعان ما أغير رأيي، لذلك حاولوا الاطلاع عليه قبل أن أغير رأيي، فلست مسؤولة حينها إن لم تجدوه ظريفا… ثم ألحقوا به تتمته (إنما خدش الخدوش أنوش)

2.العقائدية وتفسير النص القرآني لياسر المطرفي، الكاتب يتطرق إلى الأنساق الفكرية للمفسرين واختياراتهم العقدية وكيف أثرت على فهمهم للنص. الكتاب أبهرني حين قرأته وحينها وددت لو أملك جائزة لأقدمها له… لبديع تقسيمه وحسن عرضه… وأنا عشقي من الكتب الأبحاث التي يحسن الباحث فيها الترتيب فيساعدني على ترتيب أفكاري الفوضوية كإياي…

3.أنساق التأويل؛ البحث عن الذات الإلهية وراء حجاب اللغة لنارت قاخون، وهذا الكتاب يندرج في نفس فئة كتاب المطرفي، وإن كانت طريقة المعالجة مختلفة، فبحث المطرفي يميل للتحقيب التاريخي، بينما كتاب قاخون منصب على تشريح المنهج الذي اتبعه العالم الفلاني في تأويله للنص القرآني، وقد اختار خمسة من علماء مسلمين من تيارات مختلفة…

4. بدايات الفقه الإسلامي وتطوره في مكة، لهرلد موتسكي. هذا الكتاب يعبر عن شطر كبير من اهتماماتي ومكتبتي، وهي الدراسات الإسلامية الغربية، وتحديدا العالية منها التي تنم عن تعب وجهد صاحبها ودقة في النظر بمنهج منضبط مع اعتدال في أحكامه التي يستنتجها بعد البحث حتى لو لم أتفق معه. ولست معنية بتلك الأبحاث السطحية المؤدلجة منها التي تروم إثبات مسلمة لديها سابقة على البحث، وهنا أذكر رسما كاريكاتوريا عن هذه النوعية من الدراسات؛ صورة لأستاذين أحدهما أستاذ علوم يطلب من طالبه أن ينظر في المواد التي بين يديه ويحللها ويحاول أن يستنتج منها، وصورة أستاذ الدراسات الإستشراقية هذا يقول لطالبه: لدي النتيجة التالية حاول أن تخرجها لي من بين الكتب!
لذلك ما أكثر الهزال في هذه الفئة من الكتب، ولكن السمينة منها جميلة ومختلفة وفيها سحر خاص. وكتاب موتسكي من هذا النوع، وقد اتبع منهجا تاريخيا نقديا في استنتاج ما هو معروف للمسلمين لتوه من بدايات الفقه الإسلامي، رادا على أترابه الذين شككوا بالرواية الإسلامية من دون دليل، وفي ملاحظاته ومقارناته الكثير من الذكاء الملفت… وقد أسعدني أن هناك من التفت من الباحثين المسلمين لمثل هذا المنهج وبنى على مثيله… على أية حال، لدي ملاحظة عامة أن كتابات الغربيين في هذا السياق بمعظمها تأريخية تأويلية وفق نظرتها الخاصة (والتي ليست بالضرورة صحيحة)، وهي تحاول أن تؤرخ للموضوع الذي تتطرق له ولكنها لا تسهم فيه ولا تقدم ما هو جديد فيه، ولكن لشمولها (وهي ميزة وسيئة بنفس الآن، لأن الاتساع عادة يكون على حساب الدقة) يظن قارئها أنه اكتسب العلم بموضوع ما تؤرخ له، وهذا وهم العلم…

5.تحرير المرأة في عصر الرسالة لعبد الحليم أبو شقة، حيث جمع فيه نصوص الكتاب والسنة والآثار عن تلك الفترة والمتعلقة بحضور المرأة فيها… وأرى من الضروري لكل مسلمة الاطلاع على تفاعلات المرأة في المجتمع ونشاطها وتلقائيتها تلك الفترة تحديدا أي فترة عصر التشريع، لتكون لها عونا في المقارنة مع ما التصق وما زال يلتصق بأوضاعها والتنظيرات باسم الدين في العصور اللاحقة…

6.دستور الأخلاق في القرآن لعبد الله دراز، من الكتب العالية العالية، هو فعليا يصلح أن يكون مرجعا للأخلاق بمعناها المطلق، فقد استطاع أن ينظم الأخلاق الإسلامية بنسق منهجي يشبه الدستور، يتحدث فيه عن مفهوم الأخلاق في الإسلام وموضوعها ومصدرها وما وجه إلزامها ومعنى الخير والشر ومفهوم الثواب والعقاب الأخلاقيين، والربط بين ما هو نظري وما هو عملي، ويقارن بينها وبين بعض النظريات الأخلاقية الأخرى، ووددت لو أني من ألفه، وقد كانت له المكان الأولى في كتبي لفترة من الزمن، حتى أتى ابن عاشور بتفسيره وزاحمه، وفي كل خير…

7. علم التخاطب الإسلامي: دراسة لسانية لمناهج علماء الأصول في فهم النص لمحمد محمد يونس علي، كان من بدايات القراءات المنهجية التي أفدت منها أيما إفادة في تصور معنى النص والمناهج التي اتُبعت في فهمه، وعونا لي في ما أتى من القراءات بعد. وهو الوحيد في هذه القائمة من الكتب التي قرأته قديما، في تلك الحقبة السلماوية العتيقة ما قبل التاريخ أعني تاريخ سفري من الشام بل حتى قبل الثورة… ولا أجد في نفسي رغبة في الحديث عن كتب تلك الفترة سواه…

8.البحث عن يسوع التاريخي لشام جبر، مع أني ما زلت أقرأ في الكتاب لم أنهه بعد، ولكن قررت وضعه في القائمة لأنه بات على قمة تلة من الكتب قرأتها عن سيدنا عيسى عليه السلام في التراث الإسلامي وفي التاريخ كما هو من دون التصورات المسيحية اللابشرية عنه، وذلك لمحاولة رسم صورة تقريبية له في ذهني، لغاية في نفسي لم تقض بعد… فعنوان الكتاب يتحدث عني فعليا، وموضوعه ينصب في صلب ما كنت أبحث عنه في تلك الكتب… وسيدنا عيسى هو النبي الوحيد الذي ما زال هناك أمل لرؤيته في الدنيا حين ينزل في آخر الزمان، مهما بدت فرصتنا ضئيلة… ومنذا الذي لا يود لو يلتقي بالأنبياء ويشهد أفعالهم، ويرى كيف يتصرف الشكل الأكمل للبشر بيننا… صلى الله عليهم جميعا…

9.Women and Gender in Quran (النساء والجندر في القرآن) لسيلين إبراهيم، حاولت فيه الباحثة أن تقرأ كيف تحدث القرآن عن المرأة وعن النماذج النسائية التي اختارها ليذكرها والكيفية التي ذكرها بها وما احتفى به منها؛ وكيف أبرز نماذج تجسد الحكمة والتقوى والعزيمة وبعد النظر في الأزمات… الكتاب جميل جدا الحقيقة، وإنك لن تجد إلا باحثة امرأة تستطيع الانتباه لمثل هذه الدقائق فيما يتعلق بقدرات المرأة الفكرية والروحية وتسليط الضوء عليها، وللأسف أنه لم يترجم بعد، مع أني كنت أتوقع مركز دلائل أن يفعل هذا، فهو من عرفنا على المؤلفة من خلال ترجمته لبحثها (المرأة في القرآن تقدير إيمان الأنثى، وحكمتها، وعلمها).

10.التفكير اللساني في الحضارة العربية لعبد السلام المسدي، الكتاب عبارة عن استقصاء لأنظار علماء المسلمين في ماهية اللغة، فالتفكير اللساني هو التفكير في اللغة من حيث كونها لغة، فما اللغة، وما كان قبل اللغة، وما الذي تعلمه سيدنا آدم، وما علاقة الكلمات بالمعاني، وعلاقة اللغة بالفكر، وكيف يصير الحديث عن الكلام حديث موضوع عن ذاته، وكل هذه المواضيع اللذيذة… وهذا الموضوع من المواضيع التي أعشقها، شريطة أن يكون مكتوبا بأسلوب بديع يليق بكونه كتابا يتحدث عن اللغة. وللطرافة أني في ذلك اليوم شاهدت في منامي اسم كتاب (جينالوجيا اللغة) وحين استيقظت أخذت أبحث عنه، فتبين أن لا وجود لمثل هذا الكتاب! علما أني لا أذكر أني استخدمت في حياتي سواء كتابة أو حديثا مصطلح جينالوجيا! الآن أفكر أنه ربما عقلي يذكرني أنه حان الوقت لأقرأ كتابا جديدا في هذا السياق… أليس كذلك! أقول ربما، فليست هي المرة الأولى التي أبحث عن كتب شاهدت موضوعها في المنام! (والجينالوجيا تعني سلسلة النسب أو الأصل لشيء ما، وهي تستخدم للدلالة على تتبع تطور فكرة أو ظاهرة عبر الزمن).

هذه كانت عشرة كاملة، بقي أن أذكر ملاحظة فيما يتعلق بالتعريف والتعارف، أني وقبل فترة ليست ببعيدة، كنت أتفكر في تعارف الناس بعضهم ببعض، وكيف يذكر الناس حين يلتقون ما يحبون وما لا يحبون ويقدمون أنفسهم لبعضهم البعض، وكنت كثيرا ما أتردد وغالبا ما أحجم وأبقى صامتة، وإن فعلت فأبقى فترة أؤنب نفسي أن لماذا فعلتها، فهل أنا أكترث حقيقة بأن أعرف أو أعرف (بضم الألف وفتحها)؟ متسائلة عن المعنى من هذا، ولماذا الناس تفعل هذا ابتداء أصلا؟ ثم انتبهت إلى قول الله تعالى: “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”. إذن هذا غرض مقصود بذاته وهو جزء من الفطرة البشرية، ولذلك صرت أفتعل الأمر أحيانا وأحيانا أخرى يغلبني الطبع فأصمت… ربما أحد الجوانب المزعجة في شخصيتي _وما أكثرها_، أني فجأة أتساءل عن بعض البديهيات، فأتوقف وأرتبك وربما أتعثر، ثم رحمة الله تطالني فتبصرني وتعيدني للمسير…
وها قد تعرفتم بالسلماوية من خلال كتب عشرة تسفر عن اهتماماتي الحالية، إذ ربما أراد أحد أن يقترح علي كتابا في نفس هذه السياقات… شريطة أن يكون اقتراحا ظريفا وحلوا ككتبي هذه… إذ أني لا أحب إلا الكتب الظريفة والحلوة…

سلمى الهلالي
17 تشرين الأول 2025