
كنت أبحث عن كتاب يستطيع أن ينتشل دماغي مما أجهده في هذا الرمضان، من الأفكار المتلاطمة والتوجسات والأحلام والمشاعر المختلطة برحلة العودة وأخيرا إلى دمشق بعد غياب ما يقارب العقد والنصف، أزيارة أم استقرار وماذا عن مكتبتي حبيبتي لا فرقني الله عنها؟ ثم ما أفعله بعد هذا العمر، ألي فرصة في سوريا الجديدة؟ وكيف سترى تغير شكلي صديقتي العزيزة وأهلي بعد هذا العمر الخ… ثم قدر الله _لحكمة هو أعلم بها_ أن التغت الرحلة وأغلق المطار إلى إشعار آخر… كتاب يشغلني عن الحرب التي اندلعت وأخبار المرجفين والمشفقين على السواء، واستيقاظ ذكريات القصف القديمة التي عايشتها قبل عقد ونصف لا أعادها الله ولا أراني بأسا وأهلي وكل بلاد المسلمين… فتذكرت أني أكتنز كتابا خمنت أنه يستطيع أن يشد انتباهي بغرائبيته عن واقع الحال، _إذ لدي صنف من هذا النوعية الفاخرة من الكتب التي لا أستعملها إلا في أوقات تعب الدماغ_ من بينها كان كتاب للمؤرخ الفلسطيني نبيل مطر (الأتراك والانكليز والمغاربة في عصر الاستشكاف). وقد صدق حدسي في الكتاب.
فنبيل مطر مؤرخ فريد، يبحث في زاوية من التاريخ مهملة، في علاقات المسلمين مع بريطانيا في القرن السادس عشر والسابع عشر، من خلال المراجع الثانوية التي لا يكاد ينظر فيها أحد؛ ينقب في الأرشيف البريطاني قارئا في الرسائل وتدوينات الأسرى ووثائق المحاكم والسجلات الكنسية والالتماسات والاحصاءات وقصاصات المنشورات في تلك الفترة بعيدا عن التأريخ الرسمي… وأذكر أني حين قرأت كتابه الأول قبل سنوات (الإسلام في بريطانيا 1558-1685) أصابني الذهول ونوع من الصدمة التاريخية اللذيذة… فقد كانت العلاقات والنظرة المتبادلة للحضارتين مختلفة كليا عما هي عليه الآن، فقد كان الخوف الممزوج بالإعجاب هو الطاغي على الجانب البريطاني تجاه المسلمين… بل إن النظرة للمثقفين حينها من شعراء ومسرحيين وفيها جهل على الإسلام والمسلمين كانت جزءا من دعاية مضادة للوقائع على الأرض كنوع من التعويض النفسي عن الواقع، فقد كان المسرح هو المكان الوحيد الذي انتصر فيه البريطانيون أمام المسلمين حينها، أو تحولوا عن دينهم إلى المسيحية، على عكس ما هو حاصل من هزيمة البريطانيين أمام الأساطيل العثمانية والمغربية، أو انتقال الكثيرين منهم إلى الإسلام والعمل في الديار الإسلامية وأساطيلها، حيث ضمنوا مكانة وعيشا كريما… وكان أسلوب نبيل مطر في كتابه الأول مسل للغاية، يجمع فيه بين الأكاديمية الموثقة والتحليلات الذكية مع عرض الفرائد التاريخية الطريفة التي تود لو أنه يترجمها كلها ولا يكتفي بالاقتباسات… ولذلك علمت أنه ليس أفضل من كتاب آخر له يستطيع أن يشد دماغي المسكين… وقد كان… ففي أي كتاب آخر كنت ستجد ذكرا لرسالة من الحاكم المراكشي أحمد المنصور الذي حكم من عام 1578 إلى 1603 يقترح على الملكة البريطانية تعاونا مشتركا لغزو الهند الغربية _أي أمريكا_ وطرد الاسبان منها، والاستيلاء عليها وضمها لمملكتيهما، مقترحا أن يتحمل جيشه سكناها (بسبب حرارة الجو هناك حيث لا يحتمل أهالي بلادكِ شدة الحرارة هناك بسبب برودة الجو عندكم، بينما يتحملها رجالنا دون عناء لأن الحرارة لا تؤذيهم). والله أعلم كيف كان سيكون مجرى التاريخ لولا أن الموت لف كليهما في تلك السنة ذاتها، الملكة والحاكم…
أو تجد أول صورة رسمت لسفير عربي، السفير المراكشي إلى بريطانيا سنة 1600 بنظراته الصارمة الحاذقة التي تشع قوة معبرة عن ماهية العلاقات بينهما، وهي صورة غلاف الكتاب، وهي خير إعلان عن مضمونه كذلك…
أو مثلا تقرأ عن تقرير عن وجود أربعين تركيا يعيشون في بريطانيا ويعملون بها وهذا أمر عجيب في تلك الفترة: من بينهم ثلاثة من الخياطين وإسكافيان ورفاءان وصانعا أزرار ومحام… ويتساءل مطر هل كان هناك بينة تحتية تخص هذه الجماعة الإسلامية وقدرة على أداء شعائرهم أو كيف كان حالهم…
وتحليلات مطر فيها فرادة وذكاء، مثلا تحليلات مدهشة يكشف فيها عن تشابكات عميقة تظهر علاقة مثلثية عجيبة بين البريطانيين وهنود أمريكا ومسلمي شمال إفريقيا في تلك الفترة، سواء على مستوى الوقائع التاريخية المجهولة من كر وفر ومناوشات بل حتى تعاون _ويا للغرابة_ في السفن لكل من المسلمين والانكليز في هذا المثلث، أو على مستوى الأفكار حينها والتمثلات، كإسقاطات أحوال الهنود على المسلمين تخيلا… والتي كان لها أثر بعد قرنين من الزمن… فالأحلام التي كتبت نتيجة توجس وخوف، تحققت بعد في حقبة الاستشراق الامبريالية…
وهكذا انتهى هذا الكتاب الجميل، والحمد لله الذي جعل في الكتب لنا عزاءا ومتنفسا… وللأسف أن هذا كان آخر عمل عندي لنبيل مطر، وربما لم يترجم للعربية سوى هذين الكتابين له، ولحسن الحظ أن كلا الترجمتين متقنتان… ويبدو الرجل خامل الذكر في الوطن العربي، إذ لم أجد له أي لقاء أو محاضرة بالعربية، وهذا أمر مؤسف… أتمنى الالتفات له أكثر وكسب لقاء معه والرجل ما زال موجودا بيننا، أمده الله بالعافية ومزيد من الأبحاث… وأن تلتفت دور النشر لترجمة بقية أعماله، والقراء للحديث عن كتبه والاقتباس منها، إذ فيها الكثير مما يستحق هذا… وفي مراجعه المذكورة ما يستحق النبش والحديث عنه…
أنهي بهذه الديباجة العربية الطريفة لرسالة من ملك مراكش إلى ملك الإنكليز تشارلز في القرن السابع عشر: (إلى الملك الذي له بين ملوك النصرانية والملل المسيحية القدر السامي والمنزلة الرفيعة الثابتة الأركان والمكانة المكينة المؤسسة البنيان سلطان الإنجليز برطاني وانكلتير وسكوسي _أي اسكتلندا_ وفرانص ورلانط _أي إيرلندة_ وجميع جهاتها وأقطارها وأكنافها وأمصارها السلطان كلوس بن السلاطين الكبار الذي لهم على ملوك قومهم الدرجة العالية البعيدة الصيت).
—
سلمى الهلالي
21 آذار 2026
وهذه مراجعتي القديمة لكتابه الأول الإسلام في بريطانيا التي كانت مفعمة بالحماسة
