
في معرض الشارقة لهذا العام، كان هناك فكرة طريفة، وهي (صيدلية الشعر)؛ تعطي كبسولة شعر تناسب حالة السائل…
جعلني الأمر أفكر ببعض الأبيات الشعرية التي تناولتها مثل كبسولات أثناء سني حياتي… إذ حتى كائن سلماوي غير شعري مثلي، لم يخل من أبيات يتمثل بها في فترات حياته حسب المحطة التي مر بها:
1- في بداية الوعي الشبابي، انتبهت لمعنى كوني إنسان عبد لله، وكان هناك بيت شعري يملآني سموا وهو يدندن في رأسي، وأشعر به ككبسولة منشطة كلما رددته:
ومما زادني شرفا وتيها
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
وأن صيرت أحمد لي نبيا
2- حين تخرجت من الجامعة، شعرت بالحيرة ما الخطوة التالية، إذ الخيارات شبه منعدمة لفتاة ملتزمة محبة للفكر في بلد مثل سوريا في تلك الفترة، فلا نشاطات فكرية حقيقية متاحة تعالج ما يروق لي ولا مجتمع مثقفين يشبهوني وأشبههم… فكان أن وضعت حينها في غرفتي فوق رأسي أبياتا لهرمان هسه مواساة لنفسي، وقد كان كاتبي المفضل ذات يوم قبل أن أتعافى منه:
ما أعجب السير في الضباب!
ويا أيتها الحياة التي نحن فيها ضائعون
حيث ما من أحد يعرف الآخر
وحيث كل شيء حولك عزلة!
وكنت أحفظ أبياتا أخرى لإيميلي ديكسنون، ربما هي الأبيات الشعرية الوحيدة التي أحفظها بالانكليزية، إذ أنك إن كنت بالكاد تتذوق الشعر بلسانك فأنت أعجز عنه بلسان الآخر، ولكني لم أقرأ شيئا بسيطا وجميلا ويقرأني حينها كقصيدتها، وهي مناسبة لعصر الأنوات المتضخمة والألقاب الخلبية هذه الأيام كذلك:
أنا لا أحد!
وأنتَ من؟
ألا أحد أيضا؟
فثمة اثنان منا إذن!
فلا تخبر أحدا؛
وإلا طردونا كما تعلم!
ما أوحش أن تكون أحد ما!
وما أجهره! كضفدع؛
تنقنق باسمك طوال النهار،
لمستنقع معجب!
3- واحدة من الأمور التي افتقدتها في دمشق _غير نسمات الصباح المنعشة والمشي مع وفاء وزيارة خالاتي والمئذنة العمرية (وتسمى كذلك بالمنارة البيضاء)_ هو التراحيم، وهي الابتهالات التي يتفنن بها المؤذنون في وقت السحر قبل أذان الفجر… وكان مؤذن جامع الشويكة الذي قربنا جميل الصوت، وكثير الترديد لهذه الأبيات:
طرقت باب الرجا والناس قد رقدوا
وجئت أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت يا أملي في كل نائبة
يا من عليه لكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أمورا أنت تعلمها
ما لي على حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالذل مفتقرا
إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنّها يا رب خائبة
فبحر جودك يروي كل من يرد
كانت أقوى من أي كبسولة مهدئ، ومؤنس حقيقي في كثير من الوحشات التي مررت بها…

4- قبل سنوات بعيدة حين مرض السيد ممدوح بمرضه الذي توفي به _رحمه الله_، أخذ يتصبر بقراءة القاموس، فعلقت عليه زوجته الست فاتنة: وهل يقرأ أحد القاموس؟ فأجابها: القاموس هو أم العلوم.
حين سمعت بقصته حينها، رغبت بأن أمتلك أم العلوم أنا أيضا وقررت أن أختار أكبر قاموس فكان هو تاج العروس للزبيدي، وعموما أنا أحب القراءة في القواميس لأنك تتذوق الكلمات فيها بطريقة مختلفة مع الكثير الكثير من الفوائد والطرائف التراثية التي لن تعثر عليها في أي كتاب آخر… المهم أني حين ابتدأت به شعرت بصعوبة الأمر وحتى تعذره، إذ أنه لا يحوي تلك اللطائف المشتهاة فقط بل فيه الكثير من أمور النحو الثقيلة على النفس كالأوزان والصيغ والاشتقاقات ومذاهب العلماء في كل هذا، وهذا حمل لا يناسب مطلوبي… فصرفت النظر عن الأمر…
حتى مرت السنوات وسمعت بأن كتابا صدر جمع فيه مؤلفه سالم القحطاني كل ما هو طريف ولذيذ _على حد تعبيره_ من القاموس وسماه (ريش الطاووس على تاج العروس) وقدمه للقارئ كموسوعة عربية إسلامية متنوعة… ولأني أعلم ما تحوي القواميس من طرائف، فإنك لن تجد كتابا على وجه الأرض يخبرك بأشياء عجيبة _ما بتعرف شو بدها_ مثل أن الشحمة المستطيلة التي تمتد من عنق الضب إلى فخذه اسمها (كشى)، وبأن راجزا يعربيا مدح طعمها، معرّضا بمسكين لم يحظ بهذه الأكلة الشهية: 😅
وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد
لما تركت الضب يعدو بالواد
فعلمت أن هذا الكتاب هو حلمي القديم الذي هجرته… وحصل أن جاء معرض الكتاب وكنت مريضة حينها ذاك المرض الذي قلبني رأسا على عقب، فذهب أخي _رضي الله عنه_ بدلا عني واشتراه لي، ووضعه أمامي بأجزائه الضخمة وكنت أحسبه كتابا صغيرا… فكأن نسمة صغيرة منعشة هبت علي بهذا البلاء الذي كنت غارقة به!
وحين ابتدأت به مررت بهذه المعلومة:
(جشأت إلى نفسي أي خبثت من الوجع مما تكره وتجشأ، قال عمرو بن الإطنابة:
وقولي كلما جشأت وجاشت
مكانكِ تُحمدي أو تستريحي
قال أبو محمد _أي مؤلف الكتاب_: والمعنى: أقول لنفسي إذا خافت من الموت عند المعركة: يا نفس! الزمي مكانك واثبتي فإن فعلت ذلك فزت بحمد الناس وثنائهم عليك بالشجاعة، أو تموتي وتستريحي من عناء الدنيا.)
وكأني ظفرت بكنز والله، فبيت الشعر هذا وقع في نفسي موقعا عظيما في مرضي ذاك واستخدمته ككبسولة مسكن سريع المفعول كلما شعرت بالاضطراب، مع تحويري لكلمة تحمدي، إذ ما يعنيني أن يحمدني أحد وأنا مريضة قد عفت الدنيا بما ومن فيها، لكن احتساب الأجر هو ما يعين على الاصطبار، فقلت:
وقولي كلما جشأت وجاشت
مكانك “تؤجري” أو تستريحي
ثم تمهلت في سيري بهذا الكتاب الجميل خشية النفاد، فلا أستخدمه إلا في حالات الملل الشديدة…
5- ثم مرت شهور لم أعد أحسبها لكثرتها، وتغير الحال بفضل الله ولكني خرجت منهكة والزهد في الحياة بلغ مداه، وفيما كنت أقرأ في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، مرت معي القصة التالية:
(قال بعضهم كنت في سفينة ومعنا شاب من العلوية _أي من نسل علي رضي الله عنه_ فمكث معنا سبعاً لا نسمع له كلاما، فقلنا له: يا هذا قد جمعنا الله وإياك منذ سبع ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا، فأنشأ يقول:
قليل الهمّ لا ولد يموت
ولا أمر يحاذره يفوت
قضى وطر الصبا وأفاد علما
فغايته التفرد والسكوت)
فكان كمرهم مبرد وضع على حرقة الصمت، فاستطاب داخلي وأنا أتمثله طوال الوقت…
6- ثم تحررت الشام وانقلب حالها بتسارع عجيب وإعجازي، وبات الأمل بأن يطيّبها الله ويردها خيرا مما كانت… وصارت تأتيني أفكار إيجابية بين فينة وأخرى، وأحلام عريضة باتت تتجرأ على المرور بخاطري، حتى سمعت صوتا خافتا في نفسي يسائلني أيمكن أن تطالني الطوبى الموعودة به هي، وأحصل على كبسولة السعادة أنا أيضا ويصير بيتي الشعري في قادم حياتي:
كم “أسعد” الله أقواما فأدهشهم
قالوا محال ولكن ربنا جبرا…
—
سلمى الهلالي
14 تشرين الثاني 2025

