
لتوها صديقتي أرسلت لي خبر وفاة الأستاذ أبو بكر غاييغو (خوسيه خافيير) في دمشق…
لا إله إلا الله، غفر الله له وتجاوز عنه، وجزاه عني أحسن الجزاء…
كان أستاذا مختلفا وأسلوبه يستفز العقل بوعورته وسعة قدرته على الاستعارات والربط بين الأفكار الغريبة لتوصيل المعنى الذي يريد بأسلوب عجيب، مع لمسة غموض تحتاج لمزيد نظر لتفتح لك بابها… كان يعتبر نفسه مدرب أسود حتى لو أن في تدريبهم مكابدة ونوع خطر في أذيتهم له، وليس مجرد أستاذ يشرح لطلاب… وكان يرى أنه نظريا فالأستاذ هو الذي ينبغي أن يدفع للطالب، لأن الطالب الذكي هو الذي يجعل الأستاذ أستاذا…
حقيقة كان له كبير فضل في بدايات عشرينياتي حين التقيت فيه في المعهد الشرعي الذي كنت أدرس فيه في دمشق… كنت حائرة بكيفية التعامل مع كثير أفكاري المتشابكة وتأملاتي المتعبة وباستدراكاتي اللانهائية، فكل فكرة عندي اجتمعت مع تفنيدي لها والاحتمالات لامنتهية فلا أستطيع أن أقطع بشيء، فبت داخل دوامة رأسي غارقة فيها لا أملك أن أمسك بطرف خيط… لكنه في درسه كان كثير الاستطراد يتحدث عن فلسفته في الحياة حتى تنسى ما المادة التي يدرّسها، بأسلوبه المميز والعجيب الذي استفزني لتعليقات ساخرة بل وتوجيه الأسئلة له، بعيدا عن المنهج الذي ما كان يكترث به حقيقة… وأنا ما اعتدت كثرة الكلام أو السؤال أو حتى التعليق… وما زلت أذكر أنه انتبه أني أملك كلاما في رأسي بتعليقاتي وسألني (ماذا تخفين؟)… لم أكن أخفي بقدر ما كنت لا أدري كيف أعبر عن هذا الذي يتشابك في رأسي… فتشجعت وسألته… فكانت أجوبته مثل أسلوبه، حكيمة بغموض مستفز يدفع للنظر… وما زلت أذكر تشبيها له _وتقريبا معظم نصائحه وتشبيهاته ما زلت أذكرها_ أن الفيل في الهند يعطونه عصا ليمسكها في خرطومه، فيتدرب على جعل خرطومه متوازنا لا يضرب يمنى ويسرى فيصير مؤذيا… وهكذا الدماغ إن ترك على عواهنه سيصير مؤذيا يضرب يمنى ويسرى فيدمر صاحبه، لذلك يحتاج لعصاه… وهي في حالتي هنا الإمساك بفكرة من هذه الأفكار ثم التعبير عنها كتابة والنظر فيها عيانا… لذلك كان يرى أن أهم جواب لي أن أبدأ بالكتابة فأرى أفكاري أمامي… وأن هذه الاحتمالية التي أراها في كل شيء التي تسبب هذه الاستدراكات هي جزء من الحياة الدنيا، ولكني أملك القدرة على بناء قرار أيها أختار وأرجح، ولو بدأت بالكتابة فسأنتبه! وما كنت أعلم أني أحسن الكتابة أو أكترث لها أصلا، إذ لم أكن يوما مميزة في التعبير لا لفظا ولا كتابة ولا كنت أحب الأدب عموما… ولكن أسلوبه الحر العصي على التصنيف وأجوبته التي تتعمد استفزازي وربما غضبي أحيانا مع توجيهي لقراءة بعض الكتب المختلفة بأسلوبها عن معتاد المحيط، هي ما جعلني أنتبه للتعبير بطريقتي ولما أريد أن أبحث فيه وأتعلم كيف أتحكم بأفكاري وأرجح المحسن فيها، وأخرس الشوهاء منها فلا تشغب على ما حسن فتفسده وتفسد علي حياتي… وقبل كل هذا وبعده ومعيته في كل آن ترك الأمر لله بالتوكل عليه…
وهو ما أفضى لما أنا فيه الآن…
صحيح أني لم أكن أتفق مع رؤاه في كثير من الأحيان واختلفت معه بحدة أحيانا… إلا أنه كان بالنسبة لي معلما حقيقيا كما ينبغي للمعلم أن يكون… لم يكن معلما بمعنى كونه عالما في الدين أو باحثا أكاديميا ولا حتى مؤدبا صوفيا… وإنما كان معلما فيلسوفا ملهما بأسلوبه الغرائبي المستفز الفريد لأصيغ نظرتي للحياة بأسلوبي… ولذلك بقيت أحمل امتنانا كبيرا له… فعسى الله أن يكتب أجره عني…
مات في دمشق لم يغادرها رغم كل الظروف، وقد كان قدم إليها مهاجرا بزوجته وأولاده ليتعلم دينه والعربية فيها من بدايات الألفية… انقطعت أخباره عني مذ سافرت… لكني كنت أعلم أنه لم يكن يشعر بالغربة…. فقد كان يحب دمشق، وكان رجلا اجتماعيا محبا لصحبة الناس حسن الاستماع وحكّاء بارعا كثير الأضياف في منزله العربي الذي زينه على الطراز الأندلسي… فصار أهل دمشق أهله…
رحمك الله يا أستاذ أبو بكر غاييغو رحمة واسعة…
سلمى الهلالي
21 كانون الأول 2025

