حكاية فقاعة مستنيرة!

يدفع حاليا مثقفو حقبة القمع البائدة ثمن عقود من استسهال الأبحاث والتأويلات الرغائبية والمقالات المشوهة والسرديات الملفقة وهم يقرؤون الإسلام والتراث والتاريخ والمتدينين والمجتمع وبني جلدتهم، ويعيدون رسمهم وتشكيلهم كما شاءوا، جاعلين جوهرهم الانغلاق والجهل واللاعقلانية والعنف والتخلف والحيوانية، جوهرا ثابتا غير قابل للتغيير ولا يتأثر بالزمان والمكان، على النقيض منهم هم المنفتحون المتنورون… تماهوا مع السرديات الغربية العنصرية عن مجتمعهم، ظانين تمايزهم بهذا وتغير جلدهم وأنهم صاروا الآخر “الأكثر تحضرا”… كانوا بنتاجهم طوال تلك العقود يحدثون أنفسهم ويحاورونها وينتصرون على خصومهم كما رسموهم ثم يصفقون لأنفسهم… يتبادلون الألقاب والجوائز فيما بينهم… فلا صوت إلا أصواتهم… وما تُرك صوتهم ولم يُخرس كغيرهم إلا لأنهم يشاطرون السلطة حينها بغضهم لمجتمعهم واحتقارهم له.
أنشأوا فقاعة من كلمات حتى صدقوها واقعا وحبسوا أنفسهم بها… حتى انفقعت في وجههم…
أنت تستطيع أن تنشئ بالكلمات ما تشاء، وتأول الواقع كما تحب، فحتى القوانين العقلية الضرورية ممكن مخالفتها في عالم الكلمات… تخلق السردية التي تشتهي… تعيد صنع كوكتيل البرابرة والحوريات والمتخلفين والسبايا والقرون الوسطى المظلمة وابن تيمية المتشدد وابن رشد المستنير والمعتزلة العقلانيين والأشاعرة (الذين مؤخرا صاروا “كيوت” بعد أن كانوا سببا للتخلف المشرقي) والسلفية المنغلقة وهذه التشكيلة المعتادة لتفسر المشهد… لكن هذا يبقى عالما مصطنعا… وفي لحظة المواجهة سينهار على رأسك… وتكتشف أنك لم تملك إلا سرابا لا يؤثر بواقع ولا يتنبأ بمستقبل حقيقة… ونتائج أبحاثك في الأكاديميا الغربية (التي معاييرها في هذه النوعية من الأبحاث شبه معدومة فدراسات الإسلام وشعوبها كلأ مباح كما هو معلوم)، قد ظهر أنها بغير ذات معنى حين تحتاجها لتفسر ما يحدث أو تكون فاعلا فيه. ولذلك فمشروعك لم يجاوز كرسي البودكاست الذي تطل به متغيظا من الشرع، وتحرج محاورك بتناقضاتك وفذلكتك بالكلمات هروبا من الأجوبة، بينما الشرع على كرسي الحكم، يدبر وحكومته أمر البلاد واقعا…
مشكلة التعجرف أنه يحرم صاحبه من التعلم والتطور، لأنه يجعله أعمى عاجزا عن مراجعة ذاته وإصلاح أخطائه وتقويم مساره… كما أنه يقلل من قيمة خصمه، فلا ينتبه له… بينما الذي يراجع ويصحح ويحاول أن يقرأ الواقع ويستثمره ولا يقلل من شأن خصومه هو الذي يصل…

وإن كان هناك حكمة من كل هذا لنتعلمها من مثقفي الحقبة البائدة، فهو أن الاستسهال في البحث وتفسير الواقع برغائبية والنفخة الكذابة والتشبع بما لم يعط لا يأتي بخير ولا يحل إشكالية بل يزيدها حتى تفرقع في الوجه… وهذا ممكن أن يقع فيه أي فئة إن لم تراجع نفسها باستمرار وتتناصح فيما بينها… (وهنا في فمي ماء فيما يتعلق بسطحية الخطابات عن النساء او الموجهة لهن، لكن ادع الكلام لوقت أنسب)

سلمى الهلالي
18 أيلول 2025