
أزعم أن لكل فتاة محجبة في سوريا درست بالمدارس في الثمانينات والتسعينات قصتها مع الحجاب، حيث كان ممنوعا في المدارس وخاصة في دمشق مدينتي، ومع ذلك يطل علينا دجالون كذابون يحاولون أن يزوروا التاريخ وما زلنا موجودين على قيد الحياة ولم نهرم بعد حتى. بالنسبة لي كانتا قصتين مباشرتين أذكرهما تماما وساهمتا في تشكيل وعيي:
ما زلت أذكر بالمدرسة الابتدائية وكانت مدرسة خاصة، وكنت ما زلت بالصفوف الصغيرة، تجرأت فتاتان من الصف السادس وارتدتا الحجاب، المهم أن المديرة التي تمثل الحكومة في المدرسة والمنتدبة من وزارة التربية لتشرف على تعليمات الحكومة فيها، والتي كانت سميتي بكنية متوحشة يوافق مسماها اسمها (سلمى الجلاد)، جمعت المدرسة كلها، بما فيها كل المعلمات واللواتي كن كلهن محجبات، بل بنت مالك المدرسة والتي كانت تعمل بالهيئة الإدارية كانت محجبة أيضا، المهم بعد أن جمعت المديرة جميع الطلبة ذكورا وإناثا وجميع المعلمات والموظفين والجميع، أتت بهاتين الفتاتين المحجبتين ونزعت حجابهما أمام الجميع ومزقتهما، وقالت: بدنا نخلص من هذا التخلف… ولم يجرأ أحد على التفوه بكلمة…
مرة ثانية كان هو معسكر الصف العاشر الصيفي الإجباري المختلط، حيث كان جميع طلاب سوريا بذكوره وإناثه مجبورون على الحضور فيه والانحشار بالمدارس معا لمدة أسابيع سويا ليتلقوا محاضرات بعثية معنوية ويتدربوا تدريبات عسكرية ونشاطات تختارها الحكومة لهم، كنت حينها طالبة في الثانوية الشرعية الوحيدة بدمشق في تلك الفترة، وكانت هي المدرسة الوحيدة في دمشق التي يسمح لطالباتها بارتداء الحجاب في المدرسة وحتى في معسكر العاشر لأنها تتبع لوزارة الأوقاف مباشرة، ولذلك لم يكن القبول فيها سهلا ومتاحا للجميع، المهم لأجل هذه الميزة الخاصة، فقد كانت سببا للإذلال الزائد والمستمر والعقوبات الإضافية لنا في معسكر العاشر هذا، الزحف في الباحات أمام بقية الطلاب الذكور والإناث وإبقاءنا في شمس الصيف الحارقة في عز الظهيرة واقفات، حتى أذكر صديقة لنا كانت من اللواتي كن يرتدين خمارا تغطي وجهها، لكن طبعا هذا ممنوع بالمعسكر، فاحترق وجهها وتفقع فقاقيع بسبب تسمرنا تحت الشمس عقوبة لنا لمجرد كوننا “شرعية”، بينما باقي المدارس كانوا يأخذونهم لأماكن أخرى في وقت الظهيرة، لكن لحسن حظها قد أعطوها إعفاء طبيا من الاستمرار بالمعسكر بسبب حروقها ووددنا حينها كلنا لو تفأفل وجهنا مثلها فنأخذ إعفاء أيضا من ذاك المعسكر البغيض، وهذه العقوبات والزحف المستمر على أرضية المدرسة الملتهبة في حر الصيف، وما زلت أذكر أني من التعب من مشية البطة (وهو أحد العقابات المشهورة حينها) كنت أضطر لأضع يديّ وركبتيّ على الأرض فتحترقان من الأرضية الملتهبة، كل هذا كان مع شتيمتنا نحن بالذات طوال الوقت بين جميع المدارس الأخرى وجعلنا مصدرا للسخرية (ما زلت أذكر للآن الشتيمة التي اخترعها مدرب الفتوة حينها ويتمسخر بها تناسبا مع كوننا “شرعية”، متباهيا بتفتق ذهنه لها) وهذه الإهانة والسخرية والرعب وجعلنا عبرة للآخرين هو أكثر ما حملته في داخلي، أكثر من الإنهاك الجسدي… ولذلك سبحان الله بسبب هذا كله خلق في نفسي عنادا، فصار التمسك بالدين والحجاب أشد في نفسي في فترة المراهقة…
والحمد لله الذي فرج عنا من تلك الأيام.
—
سلمى الهلالي
27 آب 2025
