
فكرة الكتاب هي المقارنة بين كل من سيدنا عيسى وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام، في سيرتهما، في سياقهما، في رسالتهما، وفي أثر ما جاءا به على الناس… والمؤلف فرانسيس إدوارد بيترز ت 2020م، هو أكاديمي أميركي متخصص بالدراسات المقارنة بين الأديان. فكيف أتت المعالجة؟
– الكتاب عموما لطيف وفيه الكثير من الإنصاف ولكن فيه ضعف بيّن حين الحديث عن جانب تاريخ القرآن والإسلام وكثير من التناقضات والحيرة، في مقابل المتانة حين الحديث عن تاريخ المسيحية والإنجيل، ولذلك بدا لي كتابا مائل الكفة…
– الحقيقة أن هذا الضعف ليس حكرا على هذا الكتاب، فالملاحظ أن كثيرا من دراسات الغربيين “المنصفين” تعاني من هذا الجانب، أي محاولة قراءة تاريخ القرآن والإسلام من خلال تاريخ المسيحية واليهودية والكتاب المقدس… وهذا ليس ملاحظ فقط في القراءات الدينية منها وإنما العلمانية كهذا الكتاب، لأنها في نهاية المطاف علمانية ذات خلفية مسيحية، وفي هذا تضييق للنظر وإجحاف في حق التاريخ الإسلامي… فالمؤلف يقرأ الوقائع وكأنه يبحث عن ما يشبه تلك التجربة في هذه، وإن لم يجد كثيرا من العناصر فسيفترضها، أو يقع في حيرة شديدة… واللطيف في هذا الكتاب والمميز فيه والذي راق لي هو كثرة حيرة المؤلف، وأرى في هذا نوع إنصاف منه، بدل الموثوقية غير المبررة عند غيره، وأذكر في هذا السياق موثوقية أنجيليكا نويفريت في كتابها (كيف سحر القرآن العالم) _والذي سبق وكتبت عنه_، حيث كانت تتحدث عن رسول الله الرجل الأمي ببيئة مكة المنعزلة وكأنها تتحدث عن دائرة معارف كتابية شاملة عابرة للأزمنة والقارات واللغات والطوائف المشهورة منها والسرية، مع أنها وبيترز كلاهما يعلمان أنه حتى ترجمة بالعربية للكتاب المقدس لم تكن وجدت بعدُ حينها! فتجد أن الباحث من هؤلاء لا بد أن يبحث عن أصل ما، حتى التيار البحثي الذي قرر أن لا يبحث عن أصل _كنويفرت_ بل الاهتمام بما تقوله الرسالة فقط، تجده يحاول أن يربط عناصر الرسالة بأي سياق حتى لو بافتعاله؛ كأفكار جماعة هرطوقية غنوصية سرية وجدت في بقعة ما، أو لفافة يمكن تقدير تاريخها بعد ظهور الإسلام بقرون، أو فكرة بعيدة يمكن جعلها تتشابه بكثير من التأويل والخيال، أو حتى بافتراض وجود جماعة كهذه من دون دلائل تاريخية، المهم أنه لا بد أن هناك دائما أصل سابق ما أو سياق تأثرت به! من دون حتى سؤال من أين هذا الأصل، فطالما أنه غير إسلامي فهو كاف ليكون أصلا، وطبعا ليس هناك عنده إمكانية لاحتمال تشابه الرسائل لتشابه المرسل، فمعظم هؤلاء المؤلفين قراءتهم علمانية بطبيعة الحال. على كل الأحوال فمؤلفنا بيترز لم يكن يملك هذه التقريرات الواثقة في كثير من الأحيان، فنراه منتبها أن البيئة لا تساعد على مثلها، فبعد أن يفرض هذا الافتراض أو ذاك، يعود ويشكك فيه، ثم في الفصل الذي بعده يفترض افتراضا آخر… ويعترف بأنه ليس في البيئة شيء يبرر ظهور مثل القرآن في سياق أدنى منه في كل شيء، في بيئة لم يعهد أو يعرف أو يشتهر وجود مبرزين من علماء الكتاب المقدس، ولا أي من العلوم حتى… ولكن مع ذلك لم يستطع ككثير من زملائه أن يخرج من محورية التاريخ الكتابي وجعله مقياسا، ومعاملة التاريخ الإسلامي كتابع يقاس على آخر، بدل أن يجعل التاريخ الإسلامي أصلا آخر مستقلا يحاول أن يقرأه كما هو ويستمع لمصادره كهي… مما جعل كثيرا من العشوائية العجائبية في تقريراته…
– مثلا، لم ترق له فكرة مبعث رسول الله في سن الأربعين، فقد افترض أنه في سن أصغر، ولكن بناء على ماذا هذا الرفض للرواية الإسلامية ولافتراضه؟ لا شيء، سوى أن عيسى حين بشر كان في سن أصغر!! مثلا أيضا استبعاده أن يكون في المدينة كاتب وحي “استحالة وجود كاتب محترف بين مزارعي التمور في المدينة.” لماذا يا سيد بيترز؟ لا يوجد سبب سوى أنه قرر هذا حتى يفترض افتراضا يقسم فيه تاريخ كتابة القرآن المكي والمدني، كما حصل في تقسيم كتابة العهد القديم قبل السبي وبعده، فيفترض للقرآن المدني كتبة أتوا بعدُ، كمثل كتبة العهد القديم (السفريم) الذين اشتغلوا عليه بعد السبي! ثم لم يستقم معه ما افترضه… فتراه في مواقع أخرى من الكتاب يفترض افتراضات ثانية يشبّه فيها هذه المرة كتابة القرآن بالعهد الجديد، فدارسو العهد الجديد توصلوا إلى أن هناك نسخة من الأناجيل هي الأصل التي نقلت منه الأناجيل الباقية المقاطع المتشابهة وهي أقوال السيد المسيح من دون سيرته، وسموها الإنجيل Q… وبيترز حين أراد أن يتحدث عن القرآن، ابتدأ بذكر أن النسخة Q الإسلامية إنما هي القرآن بحد ذاته، ولذلك دعنا نبحث عما يشبه الإنجيل الذي يحوي Q مع سيرة رسول الله، فوجدها في كتب السيرة، وخاصة أن ابن هشام قد اختصر ونقح سيرة ابن اسحق!!! وأنا لم أفهم هذه المقاربة، وماذا أفادت، لكنها أقرب لتكون فكرة للمقارنة لأجل المقارنة فقط… على كل من الممكن أن تتفهم اعتماد بعض المقارنات لتبسيط الفكرة لقارئ ليس له أي خلفية عن أحد الجانبين، لكن هذا الربط يصير خللا منهجيا إن كان المراد هو البحث عن التشابه ويؤدي إلى تعقيد الفكرة أكثر… ولذلك لم يستقم له كثير من هذا، ولإنصافه تجده يذكر الفكرة ويشكك فيها ثم يترك الأمر مفتوحا ويقفز لغيرها…
– بعض العبارات من الحيرة: “ومع ذلك، لا دليل على وجود مثل هذه الطائفة [طائفة مسيحية يهودية مفترضة] في مكة، أو أن محمدا كان فردا من أفراد أي جماعة أو أي مجتمع من هذا القبيل […] لا نعرف كيف أو من أين جاءت هذه القناعات المسيحية اليهودية المزعومة إلى مكة. لم يتركوا أي أثر لمؤسسات ولكن وجودهم كان عميقا وقويا لدرجة أنه أثر تأثيرا دائما على محمد وصحابته المكيين”.
“نشعر بالقلق والحيرة من محمد والقرآن، مثلما شعر بذلك المكيون في القرن السابع الذين سمعوا القرآن لأول مرة مباشرة من محمد. لا نعرف من أين تعلم هذا التاجر المكي الصغير قول الشعر.[!!]”.
“كان محمد مبتكرا [!!] جيدا: كانت رسالته هي رسالة الله، وليست رسالته، ولا من استنباطه، وفي واقع الأمر، نحن لا نعرف أي شخص آخر في ذلك المكان أو تلك الفترة _شاعرا كان أو كاهنا أو غير ذلك_ كان يفعل ما فعله.”.
“أنكر محمد ذاك الاتهام [بكونه شاعر]، وينبغي علينا أن نسلم بذلك: إن مواضيع ما كان يتلوه لا علاقة لها بتلك المواضيع النمطية التي تظهر عند الشعراء المعاصرين، واحد من أهم أطر مواضيع القرآن الرئيسة هو في الحقيقة الإطار البيبلي للنبوة والأنبياء.”
– هذه أمثلة من فيض كثير من محاولة إسقاط نموذج الكتاب المقدس بتاريخه بأسلوب تدوينه بسياقه بكل حمولته على القرآن وتاريخه ورسوله والانطلاق من المقارنة كتبع… وعدم القدرة على معاملة التاريخ الإسلامي كأصل مستقل حين الانطلاق للمقارنة… أجد أحيانا أنه يعز على الباحث من هؤلاء ترك تلك التجربة الطويلة لأجداده في القراءة التاريخية النقدية بكل نظرياتها للكتاب المقدس، ليقف على أرضية مختلفة تماما وينشئ لها أدواتها بما تفرضه عليه! فإنما هي زاوية النظر التي اعتاد على النظر من خلالها… لكن من يستطيع التحرر من هذا من الباحثين نجده يأت بنتائج مختلفة طيبة، وبت أنتبه أنه منذ صار المسلمون ينتجون أبحاثا ضمن الأكاديميا الغربية في تخصص الدراسات الإسلامية وصاروا جزءا من الكادر التدريسي فيها، حصل تطور في الدراسات بشكل كبير ولفت النظر لخطأ هذا المنظور، وصار هناك محاولات جيدة للاستماع لما تقوله النصوص كهي، ولفهم بيئتها التي نشأت فيها والأدوات التي استخدمت لتدوينها أكثر… لكن ما زال الطريق طويلا بعد…
– عموما فكرة الكتاب لطيفة وأعجبتني كثيرا للأمانة، ولذلك وددت لو أن مؤرخا مسلما قد شارك بالتأليف، أو حتى كتبه كله، لكان الطرح سيكون أقوى وأفضل، سيما وأن الفكرة جميلة عموما… “لماذا مسلم؟” كما سألتني صديقتي، لأن المقاربة حينها ستكون مختلفة من أساسها: فالباحث المسلم غالبًا ما يمتلك أدوات لفهم النص مستمدة من داخل السياق الإسلامي نفسه، لا من خارجه، مما يساعده على استيعاب خصائص النص وبيئته وتكوينه بطريقة أقرب إلى مقاصده. كما أن البعد الغيبي، وهو عنصر جوهري في الحديث عن كل من الرسولين، يحضر بخجل عند بيترز ويغيب غالبًا، مع أنه كان سببًا مركزيًا في حيرته حين الحديث عن الجانب الإسلامي؛ ولعل باحثًا أقرب لهذا السياق كان سيضعه في موضعه الصحيح، دون إفراط أو تفريط.”
-وصدق الله حين قال: [ تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا]. بالمناسبة جزء من هذه الآية (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك) هو ما اختاره سامي عامري عنوانا لكتابه الذي صدر حديثا يشتبك فيه مع أحدث القراءات الاستشراقية التي تبحث بتعمق من أين أتى هذا الجدل الرفيع للقرآن لأهل الكتاب، عسى الله أن ييسر لي قراءته.
– وسبحان الله على توارد الأفكار! بعد أن كتبت هذه الأفكار لصديقة، وفيما كنت أقرأ في كتاب (مرجع أكسفورد في الدراسات القرآنية)، مرت معي فقرتان متشابهتان لفكرتين كتبتهما في الأعلى، فالحمد لله على توفيقه… وشعرت ربما أنها إشارة لأضع الكسل عني وأكتب عن الكتاب قليلا…:
1- الفقرة الأولى هي لمستنصر مير يتحدث عن أنجيليكا نويفريت، وهو عين ما قصدته في كلامي، وهي وإن كانت تدرس المواضيع التي ذكرها القرآن محاولة ربطها بنقاشات كتابية سابقة، إلا أنه لا يختلف كثيرا عن كلامي فيما يتعلق بتاريخ القرآن والإسلام عموما:
“كذلك فإن نويفرت في مقاربتها العامة تقف على ما يبدو عاجزة عن التحرر من القبضة الحديدية للمناهج الكتابية في دراستها للقرآن (وليست بالطبع وحدها في هذا الشأن). وبالنظر إلى المنهجين اللذين تجملهما ثم تحيد عنهما، فالأول يسترشد بدراسات الكتاب المقدس التقليدية الموغلة في القدم، والثاني باتجاه عصري حديث في تلك الدراسات الكتابية، لكنها تسير وفق طريقة أخرى تتضمن تحويل التركيز من منهج “التقنين من أعلى” إلى “التقنين من أسفل”، معتمدة بذلك على المناهج الجديدة التي ظهرت في حقل الدراسات الكتابية الحديثة ومستحضرة لعمل بريفارد تشايلدز. لكن تطبيق المناهج الأدبية المسترشدة بدراسات الكتاب المقدس على القرآن لا يخلو من قيود وحدود. ولنا أن نتساءل: أليس من الأنسب النظر إلى القرآن بوصفه نصا فريدا من نوعه يستوجب دراسة خاصة وفق شروطه الخاصة؟ لعل هناك حاجة ماسة إلى تحول في التركيز في مجال الدراسات القرآنية، وهو تحول من الشكل إلى الفكر؛ لأنه عند التحليل الأخير تظل قيمة الشكل الأدبية محصورة في نطاق الوسيلة والأداة. لقد أحدث القرآن تحولا جذريا في المجتمع العربي والثقافة العربية بشكل أساسي عبر فكره، ورؤيته العالمية الديناميكية بكليتها وتمامها لا بفعل خصائص أدبية منفصلة أو عناصر تجزيئية منفردة. ومن الجلي في الواقع العملي أن دراسة الفكر لا تتم بمعزل عن دراسة الشكل؛ لكن لا بد من وضع كل عنصر في موضعه الصحيح.”
2- أما الفقرة الثانية وهي لمحمد عبد الحليم وهي وإن كانت تتحدث عن تطور البلاغة القرآنية في الدراسات الغربية، والتي كانت شبه مغيبة فيها حتى أتى الباحث العربي والمسلم، إلا أنه يمكن قياس هذا على الدراسات الإسلامية الغربية بكافة مواضيعها: “وظهرت دراسات بلاغية مفصلة بصورة أكبر على يد الباحثين العرب والمسلمين من المعنيين بالقرآن في عدد من الجامعات الغربية، ممن بنوا تكوينهم العلمي في ضوء التراث العربي والإسلامي. وعدد هؤلاء الباحثين في ازدياد نتيجة التحركات العالمية في الأوساط الأكاديمية.”
—
سلمى الهلالي
4 آب 2025
—
هنا مراجعتي لكتاب أنجيليكا نويفيرت (كيف سحر القرآن العالم)
https://www.helali.net/wp/archives/406
