
في مقطع قصير يعلن عن تجمع ناقش الهوية الثقافية ودورها في مستقبل سوريا، لفت نظري استشهاد الوزيرة د.هند قبوات بكندا وتنوعها وثقافاتها كنموذج للتمثل به…
وانطلاقا من كلمتها، فإن أفضل ما ينظر إليه في كل أمة ويفتش عنه هو فلاسفتها ومفكروها الراشدون منها، لأنهم أبعد نظرا من الواقع، ويرون مآلات الأمور… ولذلك حضرني واحد من أشهر فلاسفة كندا المعاصرين، تشارلز تايلر الذي كنت قرأت له كتابه الضخم قبل سنوات، بترجمته العربية (منابع الذات وتكون الهوية الحديثة) وإن كانت الترجمة سيئة للأسف…
من أهم أفكار تشارلز تايلر أن الهوية تتشكل وتتطور ضمن سياقات تنطلق منها ثقافية وتاريخية، وأن الإنسان لا يمكن إلا أن يحاكم الأمور ويقسمها إلى خير وشر، فلا يمكن لبشر الادعاء أنه أعلى من هذا التقسيم وأنه حيادي فوق إنساني يمكن أن يتقبل كل شيء… فهناك دائما ما يعتبره خيرات كبرى يحددها ويقيس عليها ويحاكم على وفقها ويعتبر ضدها شرا، حتى لو عدّل التسميات وسماها إنسانية أو سماها ذاتية أو سماها حرية أو بأي اسم…
ولذلك كثيرا ما نستخدم نفس الكلمات خير، شر، حرية… ولكن لا نعني بها نفس الشيء، فالأمر يعتمد على المصدر الأخلاقي الذي تنطلق منه لتعريفها…
ويذكر تايلر أن مصادر الأخلاق الغربية الحديثة أصيبت بخلل مهددة الإنسان بفقدان المعنى والاضطراب الروحي، فبعد أن كان معيار الخير والشر يستند إلى نظام خارجي ملزم (أي خارج ذاته) ابتداء من النظام الإلهي الديني الكتابي ثم الطبيعي على ما فيه من علل، بات ذاتيا، والذاتية تطرح تحديا خطيرا قد يؤدي للفوضى والتشرذم بالهوية والنسبية المفرطة التي تؤدي للتفكك الأخلاقي وغياب الشعور بالواجب والإلزام، وهذا يهدد بانهيار البناء المشترك في المجتمع البشري…
تايلر وبعد سرد مسهب في كتابه لكيف تشكلت الهوية الغربية عبر مراحل التاريخ المرتبط بها ابتداء من المسيحية والكنيسة ثم العلمنة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من العدمية وفقدان المعنى، ينتهي إلى أن الدين (ويقصد الدين الذين انطلقت منه الحضارة الغربية؛ اليهودي – مسيحي) ورغم تراجع دوره الظاهري إلا أنه ما يزال يملك القدرة على منح الإنسان المعنى ويكون مصدرا للهوية والمنبع الأخلاقي وما زال يملك الغاية والسردية الكبرى للكون، التي تعجز عنها الفلسفات الحديثة… ولذلك هو مؤمن بإمكانية استرداد هذا المنبع العميق للهوية الغربية ونفخه الروح فيها من جديد، وينهي كتابه بما يلي:
“معظم النظرات، التي وعدتنا بأنها سوف توفر علينا وتغنينا عن تلك الخيارات، كانت مشادةً على عمىً انتقائي، […] والقصد من هذا الكتاب هو الاسترداد، أي محاولة الكشف عن الخيرات الدفينة عبر إعادة الصياغة وبذلك، جعل تلك المنابع تقوم بدور التقوية، من جديد، وتدخل الهواء، من جديد، في رئتي الروح نصف المنهارتين. […] فهناك عنصر كبير من الأمل. وهو أمل أراه متضمنا في المذهب التوحيدي اليهودي – المسيحي (مهما كان مروعا سجل أنصاره في التاريخ)، وفي وعده المركزي بالتأكيد الإلهي على البشر، وهو كلي وأكثر مما يستطيع البشر أن يصلوا الله، من دون عون”
هذا التاريخ المروع للكنيسة الغربية الذي ذكره تايلر والذي هو جزء من سياقها التاريخي الذي كان سببا لتشكل هويتها الحديثة هربا من الدين حتى آلت إلى ما آلت إليه، ليس هو تاريخا كونيا عالميا، وقد أدرك هذا وانتبه له مفكر كندي آخر من أصل فلسطيني مسيحي مشرقي، وهو وائل حلاق، فحين هاجر لكندا للدراسة، أدرك أنه كمسيحي من المشرق لم يكن تاريخ المسيحية وصراعاتها متصلا بتاريخه كمسيحي يعيش في أرض إسلامية، فلا ظاهرة محاكم التفتيش نشأت في الشرق ولا الحروب الدامية بين طوائفهم قد حصلت وبالتالي ولا آلية ظهور العلمانية عندهم وما تبعها بعد ذلك من فلسفات، وأن الإسلام بشريعته كان هو الحامل الحضاري للبيئة التي نشأ بها وتشكل فيها تاريخه وبالتالي هويته، هذا الاختلاف في التجربة التاريخية بين الغرب والشرق هو ما ساهم في تشكيل فهمه للعلاقة بين الدين والمجتمع وتوجهاته الفكرية، ولذلك كرس أبحاثه لدراسة الشريعة الإسلامية وتدريسها وتصحيح النظرة الاستشراقية المشوهة عنها _وجعل صورتها في نظرهم أقرب خطوة لحقيقتها_، بل عمل على الاستمداد من الشريعة الإسلامية لنقد الحداثة ومحاولة تصحيح أخطاء الحضارة الغربية الذي صار هو جزءا منه لكونه يعيش فيه ويدرس… وأنت حتى لو لم تتفق معه في طريقة عرضه للشريعة التي لا تخلو من انتقائية إلا أنك لا تستطيع إلا أن تعجب بهذا الجهد… شأنه بذلك شأن زميله الكندي الآخر تايلر الذي اختار ثقافته الدينية الكتابية بشكلها الغربي ليصحح مسار أمته، بينما حلاق سلك طريقا مختلفا بعودته لثقافة البلاد الإسلامية التي قدم منها ليساهم في التصحيح…
فنعم هويتنا في هذه البلاد، إنما نظمها وشكّلها الإسلام بمنظومته الحضارية والتشريعية والتاريخية، وتاريخه فيها هو تاريخ تشكل هويتنا جميعا ومنبع أخلاقنا… فهو الحامل الحضاري لها، وكان ولا زال الأرض الصلبة التي تقف عليها كل الثقافات المتنوعة وهو الضامن أن تعود الكفة متوازنة كلما حاول أحد التلاعب بها وجعلها تطيش على أحد… وقد جربوا في العقود الماضية استجلاب هويات أجنبية نشأت في سياقات أخرى وحاولوا إلزامها الناس جبرا وطمس هذه الهوية بالحديد والنار، وكلنا رأينا أين أفضى كل هذا… أظن أن النظام البائد قد ربانا لجيلين على الأقل بأن لا ننسى… وعسى أن لا تنسى الأجيال التالية هذا…
فعودة إلى كلام الدكتورة الوزيرة عن التمثل بكندا، فإن ها هنا نموذجان لمفكرين كنديين ناقدين يستحقان التوقف عندهما، للتفكر بأن الأولى أن ننطلق من حاملنا الحضاري والبحث فيه والبناء عليه، فهل نحن حقا بحاجة إلى التطلع إلى ما فرغ منه الآخرون وصار عبئا عليهم، يحاولون البحث عن حلول لاستغلاقاته و التخفيف من إشكالاته؟
—
سلمى
2 حزيران 2025
