أفكار أيار: 2 (البشير اليقظان)

وكأني بهذا اللقاء الرائع مع الدكتور أحمد صنوبر ينبه لتأسيس فرع معرفي جديد: علم اجتماع المحدثين أو علم تأريخ الحديث… وقد ذكرني ببعض الأمور:
1-حين قرأت قبل سنوات كتاب المستشرق الألماني هارالد موتسكي (بدايات الفقه الإسلامي وتطوره في مكة) والذي ذكره صنوبر في معرض لقاءه هذا، أعجبني حينها الكتاب كثيرا وأحببت ملاحظات موتسكي الذكية والأدوات التاريخية النقدية التي استخدمها في إثبات ما هو ثابت لتوه عند المسلم من صحة الروايات الإسلامية بكون الفقه الإسلامي موجود منذ القرن الأول الهجري وفي الرد على أترابه المشككين باستقراءه الأشمل من جزئياتهم التي اكتفوا بها. وودت لو أن الدارسين عندنا يلتفتون لمثل هذا الأسلوب من التحليل التاريخي والاستقراء، لأن فيه ثراء وفائدة زائدة. وإذ بهذا الدكتور الفاضل يتبنى هذه الفكرة ويطور من الأدوات النقدية التاريخية ويوضح كيفية التطور الطبيعي التاريخي الخالي من الفجوات المضطربة لنشأة علم الحديث ضمن سياق المجتمع حينها. وهو أمر يحتاجه بشدة من نشأ في زماننا، لأن بعد الزمن وتغير أدوات الحياة برمتها، جعل هناك فهما خاطئا وعجيبا لمجريات الزمن حينها، مما أدى ببعض المعاصرين لاجتراءهم الفج المليء بالثغرات نتيجة للجهل بالزمن وأدواته وإسقاط أسلوب الحياة المعاصرة على الماضي…
2-حين ذكر صنوبر عن تراجع المرأة في ظهورها بسلسلة السند بسبب التطور في علم الحديث وصيرورته أكثر تقنية وصيرورة الرحلة مطلوبا وشرطا وهو ما لا تستطيعه المرأة حينها لظروفها، تذكرت أني تنبهت لهذه الفكرة من أسماء السيد في دراستها النفيسة (المرأة ونقل المعرفة الدينية في الإسلام)، وهذا أمر أيضا ينبغي التنبه له حين دراسة وضع النساء في المجتمعات ضمن سياق الظروف حينها وما الذي حصل حتى تراجعن عما كن عليه في زمن النبوة والراشدين، أما التفسير بالمؤامرة الذكورية الشاملة والتواطؤ العام كما بعض الكتابات ففيه تعسف لا يستقيم مع تطور المجتمعات الطبيعي وتدافعها ولا يساعد في فهم ما الذي حدث حقيقة.
3-ثم تذكرت وأنا أسمع هذا اللقاء مقولة رضوان السيد بأسلوبه المحبب وهو متحفز يقول لمحاوره عن المستشرقين: “شغلونا أكثر من مئة عام” في معرض ذكر أثرهم “الساحق الماحق” على حد تعبيره على الدارسين العرب في العصر الحديث في قراءتهم للتراث الإسلامي وجعل عيون المستشرقين وسيطة بينهم وبينه… ففي هذا اللقاء مع صنوبر شعرت بأننا فعلا بدأنا ننعتق من كثير من المقولات وأساليب النظر التي أورثونا إياها فالتصقت بنا وبطريقة تفكيرنا منذ أكثر من قرن، وهذا الانعتاق جاء مع مزيد علم نتيجة للشد والجذب التي حصل بيننا وبينهم على مدى العقود. بَلْه (وأنا أحب استخدام هذا المصطلح مذ تعلمته من الأستاذ عبد النبي اصطيف أستاذ الاستشراق زمانا أطال الله في عمره وهو بمعنى “دع عنك هذا فما بالك بكذا، أو بما هو أعظم”) أقول: بَلْه كثير من المستشرقين المعاصرين (والذين لم يعودوا يسمون بهذا الاسم، فتفرقوا بين التسميات)، أقول أن كثيرا منهم قد انعتقوا هم أيضا من كثير من مقولات ومناهج أجدادهم وباتوا ينقدونها هم أنفسهم وينقدون أترابهم. لكني هنا أتحدث عنا، و”النا” نحن كأمة.
4- و”نا” الأمة هذه تعيدني للفكرة التي قلتها في حديثي السابق عن كتاب مارشال هودجسون (مغامرة الإسلام) من أن سهمنا الحضاري بات فعليا في ارتفاع، بغض النظر عن تفصيلات المشهد المؤلمة والتصاعد المكلف، فشلالات الدماء التي سالت على مدى أكثر من قرن وما زالت تسيل، ليست مجانية كما يوحي لنا البعض، فكما كان الهبوط موجعا ومؤلما فكذلك هو الصعود… لكن المشهد العام بمجموعه في تغير نحو الأعلى لأول مرة منذ قرون… لا أدري مدى تسارعه في الصعود، لكنه بات واضحا… وأنا بت أحب تكرار هذه الفكرة، وسأظل أكررها، وأعتبر التغير في سوريا علامة فارقة على ما سيحصل في الأمة عموما في القادم إن شاء الله، ولست أقول هذا لأن الإيجابية والسعادة تفيض مني وتقطر من كوعيّ، نهائيا، فحياتي الشخصية لم تتغير عساها تفرج علي وعليكم، وإن كان تحدثا بالنعمة أن الله خلصني من الكوابيس الدمشقية التشبيحية كل ليلة، والشكر لله ثم لمن حررونا فردا فردا المعلوم منهم والمجهول… إلا أن ما أقوله هو قراءة عامة للمشهد بكليته، ومثلما هو ضرورة “النذير العريان” في كل زمان، فنتيجة للمشهد الجديد أجدني مدفوعة لأصير “البشير اليقظان” في آخر الأزمان…
وعسى هذه البشرى تكون حقا، وأن تطال حيواتنا الشخصية كذلك فترتفع هي الأخرى برفعة الأمة، ولا يكون حظنا منها مجرد النظر…
5-رحلة البحث عن كتب أحمد صنوبر ومحاولة قراءتها باتت ضرورة، عندي على الأقل، وعند صديقتي وفاء التي سبقتني إليها بعد أن أوصت عليها، وهي مطمئنة أني حاليا لا أستطيع وضع يدي على كتبها لبعد الشقة بيننا 😏…
—-
سلمى
19 أيار 2025