الرئيسية >> مواضيع و مقالات >> غواية الشرق

 

 

 


 

 غواية الشرق


 

ما سيأتي هو بحث كتبته عام 2002 بعنوان و قد قمت ببعض التعديلات عليه:
صورة الشرق الأوسط في فن الرسم (التصويري) الفرنسي في القرن التاسع عشر: مجموعة ريك فنك Rick Fink

لذلك أتمنى أن ترافقكم طوال قراءتكم للبحث الملاحظات التالية:

- أن الدراسة تتناول جانبا واحدا فقط من جوانب الاستشراق، و هو صورة الشرق في القرن التاسع عشر في فن الرسم... بمعنى أن الاستشراق فرع معرفي أعم و اشمل من ذلك... فهو ليس فقط أدب الرحلات و الرسوم و الروايات، بل هناك أبحاث لغوية و تاريخية و اجتماعية و آثارية الخ، لعلوم الشرق... كما أن أمورا كثيرة طرأت منذ القرن التاسع عشر و حتى الآن على العلاقة بين الشرق و الغرب... و بالتالي على الاستشراق نفسه... لا أقلها أن كلمة الاستشراق نفسها صارت مهجورة و غير مستخدمة من قبل أصحابها... بيد أن هذه النظرة الرومانسية الكلاسيكية التي يتناولها البحث ما زالت موجودة بشكل أو بآخر في الذاكرة الجمعية الغربية... و ما زالت توظف بذكاء من قبل التجار و وزارات السياحة و الكتاب الخ... لجلب المتلقين و سحرهم... و ما زالت فتانة و مغوية كما كانت دائما...

- بعد أن خرج الاستشراق من رداء اللاهوتيين و المبشرين في بداياته، ثم خرج من مرحلة الخوف من الوحش العثماني بعد أن مالت الكفة للغرب، صار بإمكانه امتلاك موضوع بحثه و الاستمتاع به من دون وجل... و ساهم في ذلك الصرامة العلمية و الأخلاقية التي كانت مسيطرة في أوروبا تلك الفترة، حتى اجتاح القرن التاسع عشر لوثة الحلم بالشرق و التوق إلى مباهجه روحانية كانت أو حسية بحيث لم يسلم منها كاتب و لا شاعر و لا رسام و لا حتى الملابس و الصالونات و الكازينوهات الغربية... الخ
- اقتطعت من البحث الأمور الشكلية التي نلزم بكتابتها في البحوث، و لم أجد من داع لذكرها... و وضعت حين الاقتطاع هذه العلامة [...]
- أتمنى من أحب أن ينقل شيئا منه أن يعزوه لصاحبته >> يلي هي أنا
- و أخيرا هذه الأغنية لتدخلكم الجو الشرقي:


Harem _ Sarah Brightman
حريم
سارة برايتمان
 

استمع (حريم)


رمال ملتهبة و عواصف من الرغبة
و واحة كالمرآة تعكس نيراناً مضطرمة
في قلبي العطش لتؤجج اللهيب
مرحبة بك في حريمي

غني لي أغنية عن سيما الحياة
ترنم لي بنغمة عن سراب الحب

رغبات دفينة ترقد طي الكتمان
تهمس بصدى صحراء روحي
لكني أحتفظ بوعدك الشرقي في حنايا قلبي
مرحبة بك في حريمي

غني لي أغنية عن سيما الحياة
ترنم لي بنغمة عن سراب الحب

الزمن دائم التغير
و المخدوع به أبداً هو الإنسان
و لن يستطيع أحد الفرار من مرور حبات رمل الوقت
لكني أحتفظ بوعدك الشرقي في حنايا قلبي
مرحبة بك في حريمي
---------

 

 

صورة الشرق الأوسط في فن الرسم التصويري الفرنسي في القرن التاسع عشر: مجموعة ريك فنك Rick Fink


بسم الله الرحمن الرحيم
 

المقدمة
 

لقد كان للوحات التي أبدعها المصورون عن الشرق أبلغ و أعمق الأثر في نفوس الغربيين، فقد كانت النافذة التي فُتحت على عالم سحري غريب غير العالم الذي ألفوه حتى ملوه. و قد احتلت مكانة خاصة ميزتها عن غيرها من الآداب الاستشراقية الأخرى: فهي تضع المشاهد أمام منظر حي و كأنه نابض بالحياة و تجعله يضيع في حناياه ناسيا الواقع الذي حوله، و محلقا في عالم آخر، عالم الألوان و الأجواء الخيالية و ألف ليلة و ليلة، عالم الشرق البعيد.
و فيما يلي بحث يرصد صورة الشرق الأوسط في فن الرسم (التصويري) الفرنسي في القرن التاسع عشر: مجموعة ريك فينك

و قد اخترت هذا البحث للأسباب التالية:(1)
1- أن الفن الاستشراقي لم يصبح شعبيا إلا في القرن التاسع عشر لازدهار التجارة مع بلدان الشرق و تطور المواصلات الذي جعل الوصول إلى الشرق سريعا و سهلا، ترافق ذلك مع توالي الأحداث السياسية في القرن نفسه، بالإضافة إلى تنامي الرومانسية في أوروبا و ما تحمله في طياتها من دعوة إلى التغرب و إحياء لهالة الشرق السحرية.
2- أن الفنانين الفرنسيين كانوا أكثر الفنانين المستشرقين، لأن باريس حينها كانت عاصمة الاستشراق بل و عاصمة القرن التاسع عشر نفسه، و لأن العلاقات كانت على أشدها بين الفرنسيين بصورة خاصة و العالم العربي في ذلك القرن.
[...]

هذا و قد سرت في بحثي هذا وفق خطة قامة على النسق الأتي:
- مقدمة: و تتضمن – أسباب اختيار البحث
------------- خطة البحث
------------- منهج البحث
- التمهيد
- صلب الموضوع و فيه: المبحث الأول: صورة الشرق في اللوحات و تتضمن:
1- الغرائبية و السحر الشرقي
2- الفخامة الشرقية و الغنى في التفاصيل
3- الإثارة و المتعة في الشرق
4- الطبيعة في الشرق
5- الفنون السائدة
6- الألوان و الظل و الضوء
7- الإنسان في الشرق:

أ- الرجل الشرقي
ب- العبيد و الإماء
ج- المرأة الشرقية
المبحث الثاني: علاقة الشرق في اللوحات بالشرق الحقيقي
- الخاتمة

- فهرس المراجع
- ملحق: تعريف بسيط بالرسامين و لوحاتهم


أما المنهج الذي اتبعته أثناء البحث فهو:
1- جعلت محور البحث صورة الشرق و ليس اللوحات الاستشراقية نفسها، بمعنى أني عملت على استخلاص صورته كما بدت من مجموع اللوحات دون أن ألجأ إلى تحليل كل لوحة على حدى و استخلاص صورة الشرق منها بمفردها.
2- لم أتطرق إلى النواحي الفنية و مدارس الرسم لأن هذا خارج عن اختصاصي و عن موضوع البحث، و إنما عنيت فقط بما يمكن للمرء أن ينطبع في ذهنه من صورة الشرق حين يرى هذه اللوحات.
[...]

و الحمد لله رب العالمين

سلمى الهلالي
بإشراف: د. عبد النبي اصطيف
معهد الفتح الإسلامي، قسم الدراسات التخصصية
دمشق 15/7/2002
 

----------

 

التمهيد


[..]
لقد أنشأ فينك موقعه تحت عنوان:
Orientalist Art of the Nineteenth Century
European Painters in the Middle East

(الفن الاستشراقي للقرن التاسع عشر؛ رسامون أوربيون في الشرق الأوسط)
و قد جمع فيه قرابة 53 لوحة استشراقية مع بعض الصور الفوتوغرافية، منها 27 لوحة لرسامين فرنسيين قد رسموا الشرق من عام (1834) إلى (1904). و هي مادة هذا البحث، و سأذكرها بالترتيب كما وردت في الموقع:
 

 

امرأة من البربر لـ إيميل فيرنت لوكومت
Berber Woman by Emile Vernet-Lecomte, French. Oil, 1870
امرأة من البربر لـ إيميل فيرنت لوكومت

 

ذهاب الحجاج إلى مكة لـ ليون بولي
Pilgrims going to Mecca by Leon Belly, French. Oil, 1861
ذهاب الحجاج إلى مكة لـ ليون بولي


عبد الغرام و نور عيني لـ إيتان دينيه
Slave of Love and Light of my Eyes by Etienne Dinet, French. Oil, 1904
عبد الغرام و نور عيني لـ إيتان دينيه


فتيات يرقصن و يغنين لـ إيتان دينيه
Girls dancing and Singing by Etienne Dinet, French. Oil, 1902
فتيات يرقصن و يغنين لـ إيتان دينيه


التواطؤ لـ جان ليون جيروم
Complicity by Jean-Leon Gerome, French. Oil, 1875
التواطؤ لـ جان ليون جيروم


تفصيل من القراب في لوحة التواطؤ لجيروم
Detail of holster
و هنا تفصيل من القراب

 

سالومي لـ هنري رينوا
Salome by Henri Regnault, French. Oil, 1870
سالومي لـ هنري رينوا


جواميس تستحم في النيل لـ ليون بولي
Buffaloes bathing in the Nile by Leon Belly, French. Oil, 1861
جواميس تستحم في النيل لـ ليون بولي


زعيم الباشبازوقات لـ جان ليون جيروم
Bashi-Bazouk Chieftain by Jean-Leon Gerome, French. Oil, 1881
زعيم الباشبازوقات لـ جان ليون جيروم


يهوديتان يافعتان قسنطينيتان تهزان طفلا لـ تيودور شاسريو
Two young Constantine Jewesses rocking a Child by Theodore Chasseriau, French. Oil, 1851
يهوديتان يافعتان قسنطينيتان تهزان طفلا لـ تيودور شاسريو


العرس اليهودي لـ أوجست رينوار
The Jewish Wedding (After Delacroix) by Auguste Renoir, French. Oil, 1875
العرس اليهودي لـ أوجست رينوار


تاجر الجلود لـ جان ليون جيروم
The Pelt Merchant by Jean-Leon Gerome, French. Oil, 1869
تاجر الجلود لـ جان ليون جيروم


رحلة المجوس لـ جيمس تيسو
The Journey of the Magi by James Tissot, French. Watercolor, 1894
رحلة المجوس لـ جيمس تيسو


الدراويش الدوارين لـ جان ليون جيروم
The Whirling Dervishes by Jean-Leon Gerome, French. Oil, 1899
الدراويش الدوارين لـ جان ليون جيروم


راقصون ألبان لـ ألكسندر غابرييل ديكان
Albanian Dancers by Alexandre-Gabriel Decamps, French. 1835
راقصون ألبان لـ ألكسندر غابرييل ديكان


امرأة شرقية و ابنتها لـ نرسيس دياز
Oriental Woman and her Daughter by Narcisse Diaz, French. Oil, 1865
امرأة شرقية و ابنتها لـ نرسيس دياز


غناء الباشبازوق لـ جان ليون جيروم
Bashi-Bazouks singing by Jean-Leon Gerome, French. Oil, 1868
غناء الباشبازوق لـ جان ليون جيروم


مقدم عروس في قرية بسكرة بالجزائر لـ فيليب بافي
Bride arriving in a village, Biskra, Algeria by Philippe Pavy, French. Oil, 1889.
مقدم عروس في قرية بسكرة بالجزائر لـ فيليب بافي


نساء جزائريات لـ يوجين ديلاكروا
Women of Algiers in their Room by Eugene Delacroix, French. Oil, 1834
نساء جزائريات لـ يوجين ديلاكروا


الشتاء في فارس لـ جويل لوران
Winter in Persia by Jules Laurens, French. Oil, 1848
الشتاء في فارس لـ جويل لوران


مئذنة في الجزائر لـ لوكونت دونوي
Minaret in Algiers by Lecomte de Nouy
مئذنة في الجزائر لـ لوكونت دونوي


باشبازوق لـ جان ليون جيروم
A Bashi-Bazouk by Jean-Leon Gerome, French. Oil, 1869
باشبازوق لـ جان ليون جيروم


ساحر الأفاعي لـ إيتان دينيه
The Snake Charmer by Etienne Dinet, French. Oil, 1889
ساحر الأفاعي لـ إيتان دينيه

 


بقيت عدة لوحات أخرى يشملها البحث أخجل من وضعها  


An Almeh by Jean-Leon Gerome, French. Oil, 1882
العالمة لـ جان ليون جيروم
(صورة راقصة تجلس واضعة يدا على يد و تلبس ثيابا رقاقا)

The Bath by Jean-Leon Gerome, French. Oil

الحمام لـ جان ليون جيروم
(صورة امرأة بيضاء عارية في الحمام، تقوم امرأة سوداء بتحميمها)

The Massage by Bernard Debat-Ponsan, French. Oil, 1883
المساج لـ برنار ديبا بونسون
(صورة امرأة بيضاء عارية ممدة في الحمام تقوم امرأة سوداء بتدليكها)

An Almeh with pipe by Jean-Leon Gerome, French. Oil, 1873
عالمة مع غليون لـ جان ليون جيروم
(صورة راقصة بثياب رقاق تقف مستندة إلى جدار في إحدى الحارات القديمة)

The White Slave by Jean-Jules-Antoine Lecomte de Nouy, French. Oil, 1888
الأمة البيضاء لـ لوكونت دونوي
(صورة امرأة بيضاء عارية تجلس بقصر مترف و أمامها وجبة من الطعام)


--------

 

المبحث الأول: صورة الشرق في اللوحات
 


1- الغرائبية و السحر الشرقي
 

[يا له من جمال، يا له من سحر آسر، يا لها من ملابس، خشيت أن يعتقد دليلي "الترجمان" أنه أصابني مس من الجنون. الحقيقة أني كنت مذهولا من كل ما هو مدهش و جديد أمامي، و مقتنعا أني وجدت نفسي على أرض بكر، و بأن هؤلاء الناس لم يسبق أن رسمهم أحد].(2) هذا قول لأحد المصورين الأوربيين حينما كان يسير في واحد من أسواق القاهرة.
لقد اتجه الغربيون إلى الشرق، إلى عالم يهربون فيه من قسوة و رتابة الحياة اليومية، إلى بقعة من الاخضرار و الأمل تتسع كلما ازداد اليأس و تراكمت الهموم. في هذا الشرق البعيد تتشوه الأسماء و تتشابك الأحداث و تختلط الأساطير و الوقائع و هذا ما يزيد الصورة جمالا و سحرا. فالاستشراق ما هو إلا مرحلة من مراحل نزوع الأوروبيين إلى الشرق، أو ما يسمى بالإكزوتيكية (Exoticism) أو الإغراب؛ و هي الشغف بكل غريب وافد من بلد ناء، و ذلك لما يحمله من كل عجيب مجهول تنجذب إليه النفوس، أو هو التعلق بكل ما يمت للخيال الرومانسي المستجلب.(3)

ففي لوحة (ساحر الأفاعي) لـ دينيه تظهر هذه الغرائبية بشكل واضح: فالرجل الذي يتقدم المشهد بثيابه الرثة و ملامحه القاسية يجسد الشرق القديم القاسي الذي هو موطن الغرائب أيضا، فالرجل يلاعب الأفاعي دون أن تؤذيه و كأنما سحرها، و الجمهور بملابسه الغريبة متجمهر حوله مستمتع بهذه التسلية الفريدة، و رأس جمل مطل ليكمل هذا المشهد الساحر. و بذلك يكون الشرق كله بقسوته و فطريته و غرائبيته قد اختزله الفنان دينيه في لوحته هذه، مضيفا عليها جوا صحراويا كدلالة على النقاء و الصفاء و الطهر و التصوف الذي كان يراه دينيه في الصحراء.(4)

و في لوحة (عبد الغرام و نور عيني) لـ دينيه أيضا يصور الشرق كله في مشهد فاتن رومانسي لعاشقين من الشرق يلتقيان و الليل الصامت بنجومه يلفهما و الأزاهير الرقيقة تحوطهما من كل جانب. هذا المشهد من شأنه أن يأخذ بلب مشاهده و يجعله يطير بعيدا إلى هناك حيث الحب و الجمال و الهدوء، إلى شرق العشاق و المحبين الحالمين، شرق بعيد عن تعقيدات الحياة في الغرب و رتابتها و كآبتها و قوانينها الأخلاقية المتزمتة، هناك حيث لا يوجد غير السحر و الشغف و الحلم، الشرق لـ دينيه هو نور عيني و عبد الغرام. و قلبه المأخوذ فاض على هذه اللوحة ليسحر مشاهده الغربي بالشرق كما سحر هو به.

مشهد ثالث يشد الناظر إلى هذا الاغتراب و السحر الذي يعبق بهما الشرق هو لوحة (الدراويش الدوارين) لـ جيروم. فكل ما في هذه اللوحة يصرخ غرابة و لا معقولية: فطقوس العبادة في الشرق غير مفهومة: أناس يجتمعون بملابسهم البالية الغريبة، يطوحون برؤوسهم و يتحلقون حول رجل يدور بثوبه العريض، مجذوبين، ممسوسين، لاهين، بعيدين عن الحياة المادية الدنيوية التي تثقل الغربي. و الملاحظ أن جيروم هنا قد أغنى التفاصيل حتى يؤكد على هذا التمايز بين طقوس العبادة في الشرق عنها في الغرب. و لعل ما يؤكد هذه الغرابة هو تزيينه لمكان العبادة بالحراب و الأسلحة، فالشرق مكان المتناقضات؛ السلاح مع العبادة في مكان واحد، و كأن الدين و العنف جزآن يكمل بعضهما بعضا في الشرق. و الأدوات الموسيقية من دفوف و ربابة و ناي تختلف تماما عن تلك المستخدمة في الكنائس الغربية. إن طريقة العبادة في الشرق _كما تقول اللوحة_ عصية على الفهم، لكن عدم فهمها هذا تحديدا هو سر فتنتها. شبوب عاطفي نحو الصوفية و الروحانية الشرقية، نحو الأسرار و اللامعقولية في زمن مادية العلم و صرامة المنطق في الغرب. و يعلق فنك في موقعه على اللوحة بكلمات لمولانا مؤسس الطريقة: [ليس الرقص أن تقوم في أي وقت و بخفة، كذرة غبار تطوح بها الريح. و لكن الرقص هو عندما تترفع عاليا فوق العالمين تمزق قلبك إلى مزق و تسلم روحك.]
 

--------

 

2 - الفخامة الشرقية و الغنى في التفاصيل


إن الشرق هو موطن المتناقضات، فهو مكان القذارة و البؤس، و في الوقت نفسه هو أرض الثراء الفاحش و الرفاهية و المتعة التي لا حد لها. و الصور المدروسة في هذا البحث إنما تعكس الجانب المترف. و الملاحظ الاهتمام الدقيق و الشديد بتفاصيل اللوحة لإظهار آثار النعم و الرفاهية المسرفة في الشرق.

فمثلا في لوحة (امرأة شرقية و ابنتها) لـ دياز ترتدي المرأة و ابنتها ثيابا فاحشة الثراء و الترف، قماشها فاخر مطرز على نحو يبعث على الإعجاب لشدة تعقيده و دقة صنعه و تمازج ألوانه.
و في لوحة (التواطؤ) لـ جيروم يبدو الغنى ظاهرا في ملابس الشرقي و باب بيته المزخرف حفرا بطريقة ملفتة و كلابه الرشيقة التي تبدو ثمينة، و أخيرا قراب سلاحه الذي يحمله و الذي يبدو فريدا في مهارة صنعه و غناه بالزخارف. و جيروم قد رسم تلك التزيينات و الزركشات بصورة متقنة جدا بدت و كأنها صورة فوتوغرافية حقيقية.

لقد كانت فكرة الثراء مرتبطة في ذهن المستشرقين بموضوع النزعة الجنسية كما أن رفاهية الغنى كانت تترافق باستمرار مع الفسق و الخمول. (5) لذلك كان المصور يملأ لوحاته بالزخارف و الأرابيسك و الأرائك و السجاد و الأثاث و القطع الثمينة التي يشتهي المشاهد اقتناءها،(6) و كما كان يزين امرأته الشرقية في لوحته بشكل مبالغ فيه:
ففي لوحة (نساء جزائريات) لـ ديلاكروا بدت الشرقية تضج شاعرية و رهافة مقترنة بالرخاء الشرقي الذي ارتبط بذهن الأوروبي بعالم ألف ليلة و ليلة، و مما زاد حسناواته تألقا أنواع الحلي و الزينة و الأقمشة المطرزة بخيوط الذهب التي كانت تزينهن.(7)
و كذلك في لوحة (عبد الغرام و نور عيني) لـ دينيه كانت الفتاة بكامل زينتها حينما التقت مع الحبيب.
و حتى ما هو يومي و روتيني يتسم بالترف و الزينة في الشرق، ففي لوحة (امرأة من البربر) لـ لوكومت تبدو المرأة و قد تزيت بكامل زينتها، حتى في أثناء قيامها بعمل عادي كملء الجرة التي بيدها.

و الملاحظ أن النرجيلة و الأدوات الموسيقية ملازمة للشرقي في كثير من لوحات المستشرقين. مثل (نساء جزائريات) لـ ديلاكروا و (غناء الباشبازوق) و (زعيم الباشبازوقات) و (باشبازوق) لـ جيروم و (العرس اليهودي) لـ رينوار و (مقدم عروس في قرية بسكرة بالجزائر) لـ بافي...، و ذلك لأن [الموسيقى الصادحة و دخان النرجيلة العطري يشيعان النشوة رويدا رويدا، إنها النشوة الشرقية التي تنسيك الماضي و تبعدك عن ساعات الحياة المظلمة](8)

إذن فإن هذا الغنى و التنوع في تفاصيل اللوحة من منمنمات و سجاد و خزف و أون و حلي و ثياب مزركشة مطرزة و أثاث و أدوات من شأنه أن يجعل أي مشاهد غربي يتطلع بشغف إلى هذه اللوحات المستعرِضة لمتع و كنوز و مباهج بعيدة عنه، تقبع هناك في بلاد ألف ليلة و ليلة، و تجعله يحلم بامتلاكها و الاستحواذ عليها، و خاصة أنها قد وجدت بين أيد لا تستحقها!!!
 

---------

 

3- الإثارة و المتعة في الشرق


لقد فتنت أوروبا بشرق يومي إليها من بعيد و يعدها بلذائذ و برحلة خارج الذات هربا من قيود البرجوازية، كان هذا الشرق مرتعا سهلا و غزيرا لإشباع الغرائز الحسية التي كان من الصعب إشباعها في أوروبا المتزمتة آنذاك. لذلك بالغ المصورون في إثارة مشاهديهم من خلال التفنن في الصور الحسية الشرقية لما في ذلك من دغدغة للمشاعر المكبوتة بقوانين العصر، و متنفسا لرغبات ممنوعة عنهم. و اشتطوا في صور العري بشكل وصل إلى الشذوذ، و ما ذاك إلا زيادة في إثارة خيال الأوروبي الذي اعتاد أن يرى الشرقية محجبة مغطاة مخبوءة خلف الأستار و الأبواب، و لكن المصور قد استطاع أن يرفع عنها الحجاب و يبرز السحر الذي وراءه، مخترقا الحريم _هذا السر المقدس_ الذي لم يخترقه أحد قبله.(9)

لذلك كثرت الرسومات التي تصف الحمامات و ما يجري فيها مثل لوحة (الحمام) لـ جيروم و (المساج) لـ بونسون، ففي الحمام تتعرى النساء و ينظفن و يلمعن و يعطرن... و يُهيأن للمتعة! و يعلق فينك على لوحة (المساج) بقوله: [إن جمال بشرة كل من المرأتين و الشهوات الحسية و الإروتيكية تخلق جوا واهنا من شأنه أن يجعل المشاهدين يتوهون في ثناياها].

كما كثرت أيضا صور الشرقيات اللواتي يظهرن بملابس شفافة لا تمت للاحتشام بصلة، مع التفنن في إبراز الجسد بصورة مفرطة، عاكسين بذلك تبرم المصورين من الاحتشام الذي كان يسود نساء أوروبا في ذلك الوقت، و الأمثلة على ذلك كثيرة كلوحة (العالمة) و (عالمة مع غليون) لـ جيروم و (سالومي) لـ رينوا، و (الأمة البيضاء) لـ دونوي، و الملاحظ أن في معظمهن القسم العلوي منهن عار أو لا يستره إلا غلالة شفافة و القسم السفلي محجوب و لكن بفضفاض الثياب يكاد يسقط أو قد سقط فعلا كما في (الأمة البيضاء) و لا يستر ما بقي إلا جلستها، و هكذا بين كشف يزيد الإثارة و حجب واه يزيد الرغبة بالهتك، يتراقص أمامهم الشرق مغويا!

و رغم كون النساء في لوحة (امرأة بربرية) لـ لوكومت، و (نساء جزائريات) لـ ديلاكروا أكثر احتشاما من سابقاتهن إلا إن عنصر إبراز الجسد و تزيينه و إعداده لم يغب عن اللوحات.
تبقى لوحة (عبد الغرام و نور عيني) لـ دينيه نموذجا يلوح للمشاهد الغربي بالعشق و الرومانسية و الغرام الذي يفتقده في بلده و التي هي متع سهلة و مباحة و متوفرة لأي شخص كان في الشرق، و همسات المحبين و لقاءاتهم و قصصهم لا تنقضي أبدا هناك، متجددة و كأنها أول مرة دائما
 

-----------


4- الطبيعة في الشرق


وصف الفنان ألبير بسنار الجزائر عام 1894 بقوله: [ما أجمل الجزائر بعد أن تغمر السيول أرضها فتغدو تربتها محمرة خمرة الدماء على حين يبدو نبتها أزرق و كذا بحرها في زرقة داكنة أشبه ما تكون ببؤبؤ عيني غادة شقراء، و أنى حللت تشهد الطبيعة و قد غمرت كل شيء، و حين يطالعك الفجر يبدو و قد طغى عليه اللون الوردي على حال لا نشهده في بلادنا. و حين يطالعك الغسق يبدو أكثر نزوعا إلى البنفسجية على حال لا نشهد مثلها في بلادنا، و أما عن جدران المباني فهي تومض بلونها الأبيض من خلال الزرقة المخيفة، و تبدو القباب من خلال أغصان أشجار الزيتون و كأنها أصبحت من لبن شفاف، و تتراءى لك أوراق الأشجار من بين هذا كله و كأنها نجوم قد علاها الشحوب. و هذا كله يبدو و كأنه تطريز في صفحة السماء يتراءى أحيانا ملونا في رقة لا تشبهها رقة و كأنها قطعة طويلة من قماش الساتان](10)
على حال لا نشاهده في بلادنا؛ هي العبارة التي تختصر تصوير المستشرقين للطبيعة الشرقية، فهم أرادوا أن يبرزوا للمشاهد الغربي عالما طبيعيا مختلفا تماما عما يعرفه أو اعتاده. فالصحراء و سكونها و تلألؤ رمالها لا وجود لهم في كل أوروبا إلا في لوحات الشرق، و أشجار النخيل و الجمال هي مخلوقات الشرق الأكثر غرابة، ناهيك عن الحيوانات و النباتات الأخرى كالجواميس و الصبار و ما إلى ذلك، و السماء الصافية و الشمس المشرقة أبدا و المبهجة أبدا، و كأنهم لا يعرفون غمة الغيوم التي تحجب النور و الدفء و تضفي الكآبة على النفس، كما في أوروبا. و قد بدت الطبيعة في هذه اللوحات مسالمة وديعة هانئة هي أقرب للشعر منها إلى الواقع، فهي لا تهيج و لا تعصف و لا تزبد، بل خاملة و هادئة تضفي على النفس شعورا بالسكينة و الصفاء. كما في لوحة (جواميس تستحم في النيل) لـ بولي و (ذهاب الحجيج إلى مكة) له أيضا، و (رحلة المجوس) لـ تيسو، و (مقدم عروس إلى قرية بسكرة بالجزائر) لـ بافي حيث اقتطع الفنان في كل من هذه اللوحات جزءا من الجمال الطبيعي الآسر في الشرق ليخلده و ليجعل المشاهد الذي يقف أمامه يشعر بالضياع في هذا المشهد الخلاب و بالتوق إلى أرض بعيدة و حنونة، ناسيا الواقع و صلافته و شقاءه.
و في لوحة (امرأة من البربر) لـ لوكومت نرى كيف أنه حتى الصبار قد فقد خاصيته الموحشة، و اكتسب جمالا أضفاه عليه حسن البربرية.

إن المستشرقين أسبغوا على لوحاتهم مشاعر الاشتياق للمكان، بحيث جعلوا المشاهد يشاركهم هذا الشعور بالحنين إلى سحر المكان كلما أشاح بنظره عن اللوحة، كما وصف أحد الكتاب الفرنسيين لوحات أحد المستشرقين: [في لوحاته أحسست بأني قد وجدت وطني الحقيقي، و حين أشحت بوجهي عن هذه اللوحات انتابني حنين شديد إلى الشرق](11)
حقا قد شكلت أشجار النخيل الباسقة و الظلال الوارفة و مياه النيل المتألقة و الرمال الذهبية و الإبل الباسمة و ألوان السماء الصافية و الشمس المتوهجة مادة أحلامهم المنشودة و حياتهم المثالية.(12) و الشرق بدا كحضن دافئ ينتظر ليضمهم فيه، وطن حقيقي لهم!
حتى الثلج الذي يعرفه الغربيون عز المعرفة كان له في الشرق نكهة خاصة كما في لوحة (الشتاء في فارس) لـ لوران. فبرغم كون الأرض مغطاة بالثلج إلا أن الناظر يشعر بدفء هذا الثلج و رقته، فهو ليس كئيب و بارد كما في أوروبا، بل على العكس فهو يشع حرارة و جمالا، أضفته عليه الصخور و الأبينة الحمراء و الجمال المنتشرة على طول المشهد هنا و هناك و الشمس المشرقة و السماء الصافية. و بذلك تتعادل برودة الثلج مع توهج المكان بالاحمرار و بالضوء و بالجو الحار الذي يضفيه شكل الجمل الموحي بالصحراء. إنه مشهد لا يمكن العثور عليه في أي مكان إلا هنا في الشرق.
 

-----------


5 - الفنون السائدة


إن الفنون الشعبية هي من أهم ما يميز ثقافة عن أخرى إذ أن لكل حضارة طابع تسم بها فنونها لتتمايز به عن غيرها من الثقافات و الحضارات الأخرى، لذلك فقد اعتنى المستشرقون بإبراز الفنون السائدة في الشرق لتبيان تمايزها عن تلك التي في الغرب سواء في أدوات الموسيقى أو الرقص أو في فن العمارة أو الديكور أو حتى الأزياء.

فآلات الشرق الموسيقية هي الناي و الدف و الطبل و البزق و الربابة و هي تعطي إيقاعات و نغمات مختلفة عن ما يعرفه الغربيون، لذلك بدت بشكل واضح في لوحات المستشرقين كإحدى رموز الغرائبية الشرقية، كما في كل من (الدراويش الدوارين) و (باشبازوق) لـ جيروم، و (العرس اليهودي) لـ رينوار، و (مقدم عروس إلى قرية بسكرة بالجزائر) لـ بافي.
كما أن اللوحات تكثر من إظهار الشرقيين و هم لاهين في عزفهم و رقصهم و ذلك لأن الوقت لا قيمة له في الشرق و العمل الجاد بعيدا عن التسلية و العبث لا مكان له، كما في لوحة (غناء الباشبازوق) لـ جيروم، و (راقصون ألبان) لـ ديكان، و (فتاتان ترقصان و تغنيان) لـ دينيه.
فالمستشرق حينما يرسم الشرقي مغنيا راقصا، فإن اللوحة حينها تتحول [بين يديه إلى مشهد استعراضي يتضمن كل ما هو شرقي تقليدي. فشخصياته الشرقية ليست (فاعلة) في سياق الحدث أو المشهد بقدر ما هي (استعراضية) تقوم بإبراز (الأنا) الشرقية كما لو أنها على خشبة المسرح الغريب في جماله و تمايز مسلماته الأخلاقية و نشاطه الحياتي]. (13)

كما اهتم المستشرقون أيضا بالرقص الشرقي، و عنوا به عناية كبيرة [فلوحات القرن التاسع عشر الاستشراقية جعلت هذا الرقص رمزا إلى الشرق المتهتك و أبرزت اختلافه الدرامي عن الرقص الغربي إذ أنه "لم يكن مثله مجرد تصوير نوع من النشاط الاجتماعي" بل كان يهدف بالدرجة الأولى إلى إرضاء المشاهد الذي لا يشارك في الرقص، بل يجلس ليملي النظر بالمرأة الراقصة](14) كما في لوحة (العرس اليهودي) لـ رينوار حيث تبدو المرأة هي الوحيدة التي ترقص و معظم من حولها يشاهدونها و يتأملون حركاتها.

أما فن العمارة في الشرق فقوامه الأقواس و القبب و المآذن العالية و القناطر و الحارات الضيقة كما في اللوحة الصغيرة (مئذنة في الجزائر) لـ دونوي و (الشتاء في فارس) لـ لوران، و خلفية لوحة (تاجر الجلود) لـ جيروم.
كما تبدو البيوت مبنية من الخشب و اللِبن كما بدا صحن الدار في (العرس اليهودي) لـ رينوار، و كما تبدو المنازل في (مقدمة عروس في قرية بسكرة بالجزائر) لـ بافي.

أما الديكور فقد تفنن المستشرقون في إبراز المنمنمات و الزخارف الإسلامية التي تعتمد الخطوط و الأشكال الهندسية و النباتية و الكتابات بالخط العربي التي تضفي غموضا ساحرا على اللوحة كالطلاسم لعدم فهم المكتوب على جمال انحناءات الأحرف كواجهة المنزل في (التواطؤ) لـ جيروم، و الكتابات على جدار المسجد في (الدراويش الدوارين) لـ جيروم، و على جدارغرفة النسوة في (نساء جزائريات) لـ ديلاكروا، و جدار الحمام في لوحة (الحمام) لـ جيروم.

أما عن الملابس فحدث و لا حرج، فملابس الشرقي تتسم بالبهرجة و التلون و كثرة الحلي و لا سيما ملابس المرأة، و ليس هناك من طراز معين بل هي متنوعة في أشكالها. لقد شكلت العباءات و العمائم و الجواهر و الأحذية الغريبة و القلادات و الأساور و الألوان و الأقمشة المطرزة بالقصب الفضي و الذهبي و الشفاف من الثياب و أوشحة الرأس عيدا حافلا بالألوان [و كأنها ما تزال تحتفظ بضوء الشمس بين طياتها يحجب أمامه الألوان الكامدة لأزياء الأوربيين القاتمة].(15) حتى أن بعض هذه الخطوط الشرقية و الاكسسوارات صار يدخلها الغربيون في ملابسهم كنوع من الموضة الغرائبية.
كأزياء (نساء جزائريات) لـ ديلاكروا و (مقدم عروس إلى قرية بسكرة بالجزائر) لـ بافي و (امرأة من البربر) لـ لوكومت، و (عبد الغرام و نور عيني) و (فتاتان ترقصان و تغنيان) لـ دينيه، و (العالمة) و (عالمة و غليون) لـ جيروم، و (سالومي ) لـ رينوار، و (امرأة شرقية و ابنتها) لـ دياز، و (يهوديتان يافعتان قسنطينيتان تهزان طفلا) لـ شاسريو.

كما بدت البهرجة كذلك ملابس الرجال في لوحات الباشبازوقات و كذلك لوحة (التواطؤ) لـ جيروم، و ايضا العمائم المستعرضة أمام المشاهد في (الدراويش الدوارين) لـ جيروم

إن إغناء الصور بهذه المشاهد الفنية الممتعة للعين و المدهشة و المزركشة و المتوهجة و المختلفة عن ما يعرفه المشاهد الأوربي، من شأنها جعل الشرق يبدو كعرض مسرحي، أو مهرجان فني، أو سيرك مبهرج لا تنقضي عروضه و تساليه أبدا!
 

--------


6 - الألوان و الظل و الضوء


[بدا الشرق عبر الرسوم الاستشراقية بلد الألوان الحادة، بلد الجمال الفريد، بلد الوحي للرسامين، فالألوان القاتمة للرسامين استبدلت إثر التعرف إلى الشرق بالألوان الزاهية و الفرحة] (16)
و الملاحظ هو إشراق معظم اللوحات المدروسة هنا و حدة الضوء فيها و ذلك لأنه [لما كانت المدن الأوربية الصناعية تظللها غشاوة قاتمة تبعث على الكآبة، فقد غدت كل لوحة تحفل بضوء الشمس انتصارا على تلك الكآبة] (17)
و قد استخدم اللون الأحمر القاني الذي يدل على الدفق العاطفي و الإثارة و التوحش الذي يتسم بهم الشرق، و كذلك اللون الأصفر نجده مستخدما بكثرة لأنه لون الرمال و الصحراء و لون الشمس المشرقة.
أما سماء الشرق فزرقتها مضيئة تشرح الصدر لا يشوه صفحتها غمة السحاب.
الشرق المتلون بدا البهجة، في مقابل الغرب الرمادي الحزين.
 

----------

 

7 - الإنسان في الشرق


إن جميع مظاهر الشرق التي تقدم الحديث عنها هي انعكاس للإنسان الذي أبدع هذه المظاهر و أنتجها، أي الشرقي، و الذي هو المحور الأساسي لدراسة الشرق.
و فيما سيأتي صورته مقسمة لثلاث أقسام
- الرجل الشرقي
- العبيد و الإماء
- المرأة الشرقية: و قد أرجأتها للنهاية نظرا للاهتمام الخاص الذي لقيته. و هي قد تتداخل قليلا مع الفقرة التي تسبقها العبيد و الإماء. لكن تلك دراستها هنا من حيث كونها امرأة.


-----
 


أ - الرجل الشرقي
 


انطبعت صورة الشرقي بثلاث صفات: التوحش و الخمول و الفسق

التوحش: لقد كان الشرقي و ما يزال بربريا عنيفا متوحشا قبيحا، فالشرق هو عالم العنف المتأصل و الذبح و الدماء و الهمجية، عالم الدمامة و القبح. إن اللوحات الاستشراقية قد دأبت باستمرار على إظهار الرجال الشرقيين كالضواري الكاسرة.(18)
ففي (لوحة تاجر الجلود) لـ جيروم يبدو التأكيد على عنف الذكر الشرقي واضحا، فالرجل يمسك بجلد نمر مدبوغ و خوذة محارب: فالنمر البري المتوحش العصي على الترويض قد أصبح جلدا ميتا بين يدي شرقي، قد تفوق عليه، و الخوذة الحربية بين يديه دلالة على هويته المتشهية للدماء والحروب.
فالشرقي ملازم لسلاحه دائما لأن جزءا من كينونته و ذاتيته أنه سفاك للدماء: ففي لوحة (رحلة المجوس) لـ تيسو يبدو الرجال الثلاثة الذين يتقدمون القافلة متسلحين بحرابهم، و في لوحة (غناء الباشبازوق) لـ جيروم تبدو البارودة منتصبة على يمين الباشبازوق و كذلك كزينة على الجدار و على خصره، و كذلك الأسلحة على خصر الباشبازوق في لوحة (زعيم الباشبازوقات) لـ جيروم و في لوحة (التواطؤ) لـ جيروم أيضا يقف الشاب الأنيق يزين خصره بقراب سلاحه.
و الأغرب من هذا كله هو وجود الحراب و الأسلحة تزين جدار المسجد في لوحة (الدراويش الدوارين) لـ جيروم.
كل هذه الأسلحة تمثل شرقا متفجرا و خطيرا حيث تتم الجريمة ببساطة و حيث القسوة و الترف يبدوان معا جنبا إلى جنب، و هذه الفكرة على جانب كبير من الأهمية، من أجل التمييز بين وحشية الذكر الشرقي و بين السلوك الحضاري للذكر الغربي. (19)

و الشرقيون غالبا ما يبدون بشعين كريهين دميمين (20)، و كأن القبح هو شرط لكون الشرقي شرقيا، و قد ترافق القبح مع البشرة الداكنة كما ذكر أحد الرحالة: [كان يمكن احتمال وجوههم السوداء لأنها مختلفة عن وجوهنا اختلافا بينا، أما الذي كان لا يطاق فهو أن لهم أجساما تشبه أجسامنا في كل التفاصيل](21). و سبب التأكيد على دمامة الشرقي هو حتى يبدو على النقيض من النساء الشرقيات اللواتي تظهرهن اللوحات جيملات و جذابات، مما يجعل الواحدة منهن تبدو لقمة سائغة للمشاهد طالما أنه لا رباط بينها و بين هذا الذكر القبيح الذي يبدو أدنى منها بكثير، و هذا يجعلها ترنو إلى من ينقذها من هذا القدر، و المنقذ هو الرجل الغربي طبعا.(22)
و هذا ما يظهر جليا في وجوه الرجال و ثيابهم في لوحة (ساحر الأفاعي) لـ دينيه، و (الدراويش الدوارين) لـ جيروم ففي كلا اللوحتين يظهر الرجال بملابسهم البالية لتتناسب مع قباحة وجوههم و قسوة ملامحهم، و جيروم في لوحته قد جعل المتنسكين الدراويش قد أطلقوا شعورهم بطريقة بشعة و كأن ديانة الشرق قد جاءت متناسبة تماما مع كون الشرقي متسخا رث المظهر قبيح المنظر، و بهذه الطريقة تُحمى عقول المسيحيين من الارتداد عن دينهم و تكسبهم شعورا بالاحترام لديانتهم و تشعرهم بتفوقهم حينما يتعاملون مع من أهم أدنى منهم.(23)

الخمول و الفسق: الشرقيون هم أناس فاترو الهمة، يتراخون في غرف الحريم و لا يشبهون الغربيين في شيء و الذين هم أصحاب الهمة و النشاط.(24) و هم _أي الشرقيون_ لاهون عابثون لا همّ لهم سوى الانغماس في تسليات و متع تافهة، و الوقت لا قيمة له عندهم و لا حدود زمنية للهوهم(25). و [كل شيء حولك خامل يسترخي فيه الذهن استراخاءه بين الحريم فيستكرش، أي يصبح ذا كرش شبيه بكروش الأتراك الخاملين].(26)
و جيروم قد صور هذا التكاسل في لوحاته: الرجل إما جالس مسترخ بثيابه المترفة و نرجيلته بقربه رمز عبثيته كما في لوحة (زعيم الباشبازوقات)، و في لوحة (غناء الباشبازوق) نجد الشرقيين الأربعة أحدهم متسل بالغناء و العزف و النرجيلة بقربه أو آخر مستلق بخدر أو اثنان جالسان لا يفعلان شيئا سوى مجرد الجلوس بلا معنى. أما في لوحة (التواطؤ) فيقف الشرقي المترف مستمتعا بالنظر إلى كلابه، مستندا على جداره مستعرضا ثيابه الفاخرة، يمسك غصنا أخضر برهافة يبدو خال البال لا قضية له.

إن الشرق الفاتر الذي لا يشغله سوى النرجيلة و الغناء و الحريم و الاسترخاء لا يمكن أبدا أن يحكم نفسه أو يخرج من تخلفه لوحده، بل لا بد من متحضر ليحكمه حتى ينهض به من عبثيته و جهله و توحشه!
 

-------

ب - العبيد و الإماء


إن [حرص الفنانين على الإثارة دفعهم في تصوير الجواري و الإماء، و كانت الرغبة في امتلاك المحظيات من الجواري و الإماء تثير الفرنسيين الذين لم يعودوا يبالون كثيرا بمبادئ الثورة و ما تنادي به من حرية و إخاء و مساواة، كما تلهب مشاعر الانكليز الذين ضاقوا ذرعا بما يحمله العهد الفيكتوري من تزمت](27)
لقد غصت لوحات المستشرقين بصور الإماء و الجواري و العبيد، و كانت اللوحات ترصد نوعين من العبيد و الإماء: البيض و السود، و بما أن الرسامين لم يستطيعوا [أن يتصوروا أن يتساوى الأبيض و الأسود، فلا بد دائما من أن يكون أحدهما تحت رحمة الآخر حتى و لو كان كلاهما يندرج في فئة الشرقيين](28)
فالإماء البيض كن دائما يصورن بصور و وضعيات مختلفة تبرز جمالهن و أجسادهن و توضح أنهن ما خلقن إلا للمتعة و الإثارة، أما السود فهم دائما خُدّام لتلك الحسناوات البيض كما في لوحة (الأمة البيضاء) لـ دونوي، حيث جلست الأمة البيضاء في وضعية استرخاء و قربها وجبة طعام معد بشكل جميل يتناسب مع جمالها، و قد زُين و ما حولها من أريكة و أطباق بزخارف ملونة، فبدت كقطعة نفيسة من مكملات القصر المترف التي تجلس فيه، و قد ازداد بروز جمالها و نعومة جسدها و ليونته مقارنتها بالخدم السود الموجودين في خلفية اللوحة الذين بدت أجسامهم قاسية جلفة تقوم بالعمل لأنها أصلا لم تخلق إلا للعمل.(29)
و كذلك الأمر في لوحة (المساج) لـ بونسون و (الحمام) لـ جيروم و (نساء جزائريات) لـ ديلاكروا: حيث بدت النسوة البيض لدنات جميلات مسترخيات بدعة و غنج بوضعيات مختلفة، بينما كانت السوداوات خادمات يلبين طلبات سيداتهن البيضاوات و يساعدنهن على إبراز جمالهن بتنظيفهن و تزينهن و إراحتهن.

و كل ذلك من أجل إرضاء المشاهد الأوروبي الذي كان يستمتع برؤية نساء شرقيات و لكن ذوات هيئات تتوافق مع مقاييس الجمال الغربي، فقد [كان النموذج الشركسي هو النموذج المرغوب فيه، فالشركسيات ذوات البشرة البيضاء هن أجنبيات دون أن يكن ذوات لون داكن منفر](30)
و رغم إدعاء(31) الغربيين بأن تجارة الرقيق كانت تثير اشمئزازهم، إلا أن اللوحات التي تصور هؤلاء الإماء و المحظيات الحسان و تجارتهن كانت موضع اشتهاء جمهورهم، لثلاث مرات:
المرة الأولى حينما عززت فكرة وحشية الذكر الشرقي الذي يتاجر بأجساد النساء، كما لو أنهن قطع من الأثاث أو سلعة تجارية و لسن كائنات بشرية، و بين الذكر الغربي بسلوكه الحضاري الذي يمنح المرأة كل احترام و تقدير.
و المرة الثانية حينما جُعل الشرق من خلال هذه اللوحات مرتعا سهلا و غزيرا لإشباع الغرائز الحسية التي كان من الصعب إشباعها تلك الفترة في أوروبا.
و أما المرة الثالثة فحينما كانت هذه الصورة استجابة للرغبة في الكشف عن الغموض و التوق إلى هتك السرار و هذا ما كانت لتكفله لا الكاثوليكية في فرنسا و لا البروتستانتية في انجلترا كما يكفله الشرق بجواريه و إمائه و عبيده.
 

------

 

ج - المرأة الشرقية


للشرق جاذبيته الخاصة بوصفه عالم السحر و الأسرار، بلاد شهرزاد، و الجزء المقدس و المحرم و السري من حياة الشرقي هو في ذاته تأويل للعلاقة الرومانسية بالمرأة، تلك العلاقة المضطربة و المتناقضة. فالمرأة بالنسبة للرومانسي هي قدس مملكة الروح و الجسد معا تتداخل فيها شتى المقولات الرومانسية: الجمال، المتعة، الإثارة، الحلم، الشغف، الضعف. و مما لا شك فيه أن فكرة الحريم الشرقي كانت تعابث خيال الأوروبي كلما تذكر الشرق، و تجعله أسير حلم يرى نفسه فيه سلطانا محاطا بعدد من الصبايا الجميلات اللاتي لا يحلو لهن شيء قدر السعي إلى إرضائه و المثول بين يديه في طاعة و خضوع.(32) (33)
لذلك امتلأت لوحات المستشرقين بصورة المرأة الشرقية بشتى الأشكال و الوضعيات و الحركات و بخاصة اليهوديات اللواتي كن أسخى بعرض أنفسهن و بذلك كان أيسر على المستشرقين رسمهن. (34)
و فيما سيأتي صورتها كما بدت في اللوحات في ثلاث محاور:
- المرأة الجسد (شيئية المرأة)
- المضطهدة الشرقية تستصرخ
- العوالم (الراقصات)


المرأة الجسد (شيئية المرأة):


لقد دأبت اللوحات الاستشراقية على تصوير النساء و هن لا يفعلن شيئا، أو يقمن بأي عمل _على عكس الغربيات في لوحات الفن الغربي_ فهؤلاء الشرقيات لا ينهمكن في تطريز أو طبخ أو حياكة أو صلاة أو أي شيء، بل كل ما يفعلنه هو التزين للذكر الغائب و الانتظار.(35)
ففي لوحة (نساء جزائريات) لـ ديلاكروا تبدو النسوة و قد أجدن إبراز جمالهن بلباس الحرير و الأقمشة المطرزة بالذهب و اختيار صباغ الشعر الممزوج بالحنة الذي يتلاءم مع لون بشرتهن. إن المرأة الشرقية تتألق و كأنها في عرس دائم و لا تتهاون في أية لحظة للعناية بمظهرها [و لا بد من القول بأن هؤلاء النسوة الثلاث لا يمثلن أية قضية على الإطلاق، و لا نلاحظ على وجوههن أي تعبير واضح عن الرضى أو الحزن أو الارتياح أو الثورة، فالنظرات شائحة إلى البعيد و لا نعرف بماذا تحدق. المرأة هنا حلية جميلة وضعها الرجل داخل منزله ليزين بها داره، إنها كائنات لا قضية لها، و هي تعيش كالأزهار تنشر عطرها بشكل مجاني بانتظار أن تذبل](36)
و في كل من لوحة (الحمام) لجيروم و (المساج) لـ بونسون: تبدو المرأة كشيء ينظف و يلمع و يزين من أجل الاستخدام، إنهن قطع نفيسة من الأثاث يُعتنى بها بشكل جيد لتكون جاهزة في أي وقت. إن في هاتين اللوحتين مع لوحة (الأمة البيضاء) لـ دونوي التي صورت امرأة تجلس في القصر عارضة جسدها كتمثال مكمل لديكور القصر المترف، إن هذه اللوحات لا تعطي انطباعا بأن هذه المرأة مخلوق إنساني يحمل روحا أو عقلا. هي مجرد دمية أو تمثال جميل.

إن المصورين المستشرقين قد نشأوا في مجتمع يعتبر النساء مجموعة هامشية تماما، بل إنهن بحسب النظريات العلمية التي سادت في ذلك العصر أدنى مرتبة من الناحية البيولوجية. و لكن المرأة الشرقية كانت أدنى بشكل مضاعف فهي امرأة أولا و أجنبية (شرقية) ثانيا.
إن المفهوم الجنسي ارتبط بهؤلاء الأجنبيات اللواتي اعتبرن حسب الرؤية الغربية مجرد أجساد خالية من أي وازع أخلاقي و مجرد متاع، و كانت هذه اللوحات عذرا لتبيان دونية المرأة بشكل عام دون حرج و كما يشتهي أن يراها الذكور الأوروبيون. (37) (38)

 

المضطهدة الشرقية تستصرخ:


لقد كانت المشاعر الأوروبية حيال المرأة الشرقية متذبذبة لا تستقر على حال، إذ كانت تنوس بين الرغبة و الشفقة ، و كانت تصور في كثير من الأحيان على أنها ضحية مقهورة معذبة مضطهدة.(39)
ففي لوحة (يهوديتان يافعتان قسنطينيتان تهزان طفلا) لـ شاسريو تبدو الفتاتان في اللوحة و قد علت وجهيهما مسحة وجوم جميلة تزينهما، و حالة من الاستكانة و الاذعان المقدر المحتم على المرأة الشرقية. و الملاحظ في اللوحة بساطة الخلفية و الأزياء و الديكور مما يساعد على تركيز الانتباه على الشخصية ذاتها أي على الإنسان و عالمه الداخلي. و نلاحظ أن شاسريو قد جعل نظرة الفتاة [مسكونة بحزن داخلي دفين، و تثبيت النظرة يوحي للمشاهد و كأنها متجهة إليه، غير أن وضع النظرة هذه يمثل نظرة إنسان متجه إلى داخله إلى أعماق روحه و قدره و خاصية (الأنا) لديه. إلا أن هذا الاختيار لوضع العين يخلق جسرا حميما بين المشاهد و شخصية اللوحة تعبر عليه الحالة النفسية و انتقال (العدوى الروحية) من البطل إلى المشاهد](40)
و نشاهد تلك النظرة أيضا في لوحة (امرأة بربرية) لـ لوكومت حيث نجد أنه قد علت وجه الحسناء البريئة نظرة مستكينة حزينة رقيقة مشيحة عن التحديق المباشر، و كأنها تهرب من التقاء عينيها الكسيرة بالمشاهد، فتشي بحزن عميق و خضوع و استسلام أبديين. و رغم أن الفتاة بربرية و رغم أن المرأة البربرية هي أعلى مكانة في الثقافة البربرية منها في العربية(41) إلا أنها في النهاية أنثى شرقية، و هذا يعني استكانة و ضعف لا نهاية لهما. و كأن النظرة صرخة استجداء و توسل للخلاص مما هي فيه. و لوحة كهذه و سابقتها من شأنها أن تجعل [الخيال يشطح بالأوروبي فيتوهم أن المرأة الشرقية ترى فيه منقذها و سندها العاطفي. و لا شك أن هذا الوهم كان يتماشى مع نظرة الأوروبي لنفسه بأنه بطل رومانسي].(42)

إن مثل هذه الإيحاءات تعطي الحجة التي يُقنع بها الأوروبي نفسه بأنه إنما خُلق ليحكم الشرق و يحرر المضطهدات و يمنحهن كل احترام و تبجيل كما ينبغي لأوروبي فارس محترم شهم جنتلمان.(43) (44)


العوالم (الراقصات)


لقد جسدت العوالم (الراقصات) صورة المرأة الشرقية في ذهن الغربي. فهن متهتكات لا يعرفن الاحتشام و لا العفة، و هن دمىً تلعب و ترقص إرضاء لمشاهدهن الذكر. لذلك أغنى المستشرقون لوحاتهم بصور الراقصات في كافة الأشكال و الملابس و ذلك انعكاسا لانبهارهم بهذا الابتذال الفاضح الذي يعبق به الشرق.

ففي (عالمة مع غليون) لـ جيروم: تعرض الراقصة _رمز المرأة الشرقية_ نفسها أمام مشاهد اللوحة الغربي، مستندة بثيابها الرقيقة باستسلام و غنج على جدار أمام مدخل حارة معتمة خلفها ضوء و ممسكة بيدها غليونا طويلا. تقف مسلطة نظرة خبيثة لمشاهدها، تدعوه بعينيها و طريقة وقوفها ليرافقها إلى الداخل، إلى عالمها إلى الشرق الذي يبدو غامضا كاعتام الحارة خلفها، و من خلف الاعتام نور، نور اللذة المنتظرة... واعدة إياه بمتع غريبة _كغرابة غليونها_ و مباهج حسية لم يعهدها قبلا و لن يجدها إلا عندها، هنا في الشرق.

و في لوحة (عالمة) لـ جيروم: تجلس الراقصة بثيابها الرقيقة بثقة مسلطة نظرة لا مبالية لمشاهدها الغربي، قد بدت من خلالها الشرقية خالعة العذار مستهترة.

إن علاقة الغربي مع الراقصة الشرقية قديمة قدم التوراة، فسالومي (أو سالومة) التي هي رمز الشر و رمز السحر في الأنثى الشرقية(45) رمز الغواية و الخطيئة و اللذة المحرمة، فقد ورد في الكتب المقدسة أنها رقصت في حفل مولد عمها الملك، فسُرَّ منها و أقسم أنه مهما طلبت ليعطينها، و بناء على مشورة أمها طلبت رأس يوحنا المعمدان (يحيى عليه السلام) لأنه كان يوبخ الملك قائلا له أنه لا يحل له أن تكون له زوجة أخيه.(46)
لقد أصبحت سالومي موضوعا هاما في لوحات القرن التاسع عشر و أدبه و موسيقاه، منها لوحة (سالومي) لـ رينوا حيث بدت سالومي امرأة حسناء مستهترة تكاد غلالاتها الشفافة تسقط من على جسد لدن، تعلو وجهها ابتسامة و نظرة عينين لا مبالية بطريقة فجة، هذه النظرة مع جلستها بدت مخيفة و خبيثة، فجلد النمر المتوحش قد صُيّر مداسا ميتا تحت قدميها العاريتين الناعمتين، و في حجرها وضعت الخنجر و الوعاء، الوعاء الذي سيسقط فيه رأس يحيى حين تقطعه بخنجرها بيديها البضتين. هذه هي سالومي، جمالها طاغ قرين للشر و التآمر و التوحش و الرغبة، و متى رقصت فإنها تهيّج و تسلب العقول ثم تطلق الشياطين من عُقلها...(47) و الشرقيات ما هن إلا سالومي بحسنها و شرها و خبثها و توحشها و تهتكها و غوايتها!
 

------


المبحث الثاني
علاقة الشرق في اللوحات بالشرق الحقيقي


تقدم فيما سبق صورة موجزة عن الشرق كما بدا في لوحات المستشرقين الفرنسيين في القرن التاسع عشر، و الملاحظ أن شرقهم هذا قد استمد من مصادر عدة رئيسية هي في الحقيقة أهم من واقع الشرق نفسه!
من هذه المصادر التي استندوا عليها في رسم شرقهم:

1- ألف ليلة و ليلة: منذ أن ترجم المستشرق أنطوان غالان الفرنسي ألف ليلة و ليلة عام 1704 انفتحت أبواب على عالم مثير و مبهج، هو عالم الشرق. و قد قوبلت ألف ليلة و ليلة بحماسة فائقة في عصر ساده تململ من الهيمنة الصارمة العقلانية، و بداية نشوء موجة لادينية تتوق للتعرف على الثقافات الأخرى غير المسيحية، و طبعا كان الشرق هو المكان الطبيعي لمثل هذه التطلعات. و قد جعل الإفتتان بهذه القصص العديد من الأوربيين يخلطون بين الشرق الحقيقي و الشرق الأسطورة، و لم يعد بإمكان الرحالة المستشرق أن يرى الشرق بصورة واقعية بعيدا عن هذه الأسطورة التي رسختها في ذهنه قصص ألف ليلة و ليلة، و هكذا أصبح يرسم مازجا بين ما قرأه و بين ما يراه على أرض الواقع.(48)

2- التوراة و رحلات الحج: [لقد عبرت جميع زيارات الحج إلى الشرق، أو فُرِض لها أن تعبر، بأرض الكتاب المقدس. إن معظمها، في الحقيقة، كان محاولات إما لعيش جزء من الواقع اليهو-سيحي، اليوناني، من جديد، أو لتحريره من الشرق الواسع، الفسيح إلى درجة لا تصدق](49) لذلك فإن الحجاج و خاصة الفرنسيين منهم قد [رسموا، و تخيلوا، و خططوا، و تأملوا في أمكنة كانت قائمة، أساسيا، في أذهانهم؛ و قد وضعوا تخطيطات لإيقاع فرنسي، بل ربما أوروبي، نمطي في الشرق، افترضوا طبعا أنهم من سيناغمون عزفه. و كان شرقهم شرق الذكريات، و الآثار الموحية، و الأسرار المنسية، و التراسلات الخفية، و أسلوب كينونة الطهر و الفضيلة تقريبا](50) و لعل أصدق مثال على هذا هو لوحة (ذهاب الحجاج إلى مكة) لـ بولي: حيث رسمها بعد حجه للأراضي المقدسة، و مثل فيها ثلاث شخصيات مسيحية مقدسة و هم السيدة مريم و عيسى و يوسف و ذلك للتأكيد على فكرة عالمية الدين(51) و رسوخه في أرض المشرق.

3- كتب الرحلات و الروايات و القصص: التي كتبها مؤلفون زاروا البلاد العربية مثل فلوبير و موباسان و شاتوبريان، و كلها كانت مصادر يستلهم منها الفنانون تصوراتهم عن الشرق. بل كانت أيضا لوحات مصورين آخرين قد زاروا الشرق مرجعا يُعتمد عليه من قبل أولئك المصورين الذين لم يغادروا أوطانهم و الذين كانوا يُسمون بـ (مصوري المقاعد الوثيرة)، و مثال على هؤلاء الذين لم تطأ قدمهم الشرق أبدا، المصور نركيز دياز الذي رسم (امرأة شرقية و ابنتها)(52)

4- مراسم المصورين: الذين استوردوا بعض المتاع الشرقي من ملابس و أثاث و زينة و منسوجات و أسلحة لتساعدهم في رسم شرق غني ساحر. بل كانت الملاهي الباريسية أحيانا مصدرا لإلهام بعض أؤلئك المصورين حينما تقدم مشاهد عن الحياة و الفن الشعبي الشرقي.(53)

5- الرحلات: التي قام بها المصورون أنفسهم إلى الشرق، فمعظمهم كانوا من الرحالة الذين زاروا الشرق، إلا أن الغريب أن رحلاتهم هذه لم يكن لها الأثر الأكبر على لوحاتهم. لأنهم حينما زاروا الشرق لم يروا إلا ما في أذهانهم من صورة عنه كانت قد خلفتها تجارب و مؤلفات من سبقوهم، [إلى درجة أن الكتاب (أو النص) يكتسب سلطة أعظم، و قدرة على النفع أكبر حتى مما يمتلكه الواقع الفعلي الذي يصفه](54)

6- الواقع الغربي: لعله قد يبدو من المضحك القول بأن صورة الشرق في لوحات المصورين مستمدة من الواقع الغربي نفسه، لكن الحقيقة أن الواقع الغربي الذي انبعث منه هؤلاء المصورون هو أهم مادة استُلهم منها الشرق، و ذلك لأن الرحال يبدأ رحلته و تكون وراءه أمة تدعمه. و لذلك فهو حينما يكتب أو يرسم يضع في حسبانه جمهور القراء و المشاهدين من أبناء وطنه، و لا شك أن وجودهم نصب عينيه يؤثر على رؤيته و يجعله انتقائيا فيختار من المعلومات و المشاهد نوعا معينا لمجرد أن لها رنين في ثقافة أمته(55)، و كذلك فإن الأفكار و نمط التفكير الذي اكتسبه من مجتمعه يساهم في تلوين رؤيته أيضا. و لهذا انتقى المصورون من الموضوعات الشرقية ما كانوا يعلمون تماما أنه مطلوب و مرغوب في مجتمعاتهم و بذلك أصبحت [هذه اللوحات، و قد كان غرضها تصوير الشرق، انتهت إلى أن تصور أوروبا نفسها بدقة بالغة. فلقد صورت قمعية تعاليمها الاجتماعية، و قسر أخلاقياتها البرجوازية. و هكذا عكس التحديق في الشرق، كما في مرآة محدبة، الغربَ الذي اخترع ذلك (الشرق)](56)


سؤال: فهل معنى كل الكلام الذي تقدم أن الشرق الموجود في اللوحات ليس له أي وجود على أرض الواقع و أن كل ما صوره المستشرقون كان من محض خيالهم؟

لقد أجاب عن هذا السؤال إدوارد سعيد حينما شرح قول أحد المستشرقين "بأن الشرق صنعة"، لقد [قصد إلى أن الاهتمام بالشرق سيجده اللامعون من الشباب في الغرب شبوبا عاطفيا يستغرق المرء بصورة كلية؛ و لا ينبغي أن يـُفسّر ما قاله بأنه يعني أن الشرق صنعة و حسب للغربيين. لقد كان ثمة، و ما يزال، ثقافات، و أمم مقامها الشرق، و لحياتها، و تواريخها، و عاداتها، حقيقة قاسية عارية هي، بوضوح، أعظم بكثير من كل ما يمكن أن يقال عنها في الغرب] و لكن [ينبغي على المرء ألا يفترض أبدا أن بنية الاستشراق ليست سوى بنية من الأكاذيب أو الأساطير التي ستذهب أدراج الرياح إذا كان للحقيقة المتعلقة بها أن تُجلى].(57)
ما قصدته من إيراد قول سعيد هو أنه ليس كل ما ورد عن صورة الشرق هو كذب محض، فليس المقصود أنه لا يوجد في الشرق صحراء أو جمال أو ثياب مزركشة أو حتى راقصات و نساء و رجال لا هم لهم سوى الاسترخاء و تمضية الوقت و العبث، اللهم إلا الجواري العاريات في الحريم فهذا ما أظنه محض خيال(58)، لكن ما فعله المستشرقون عمدا و من غير عمد، أنهم انتقوا من مظاهر الشرق ما يخدم أفكارهم و اختصروا الشرق كله فيها بعد أن أسبغوا عليها من خيالهم و أحلامهم، فبدا الشرق أنه فقط ما قدم من خلال اللوحات التي ما صورت يوما الحياة الفكرية أو الاجتماعية، مكتفية بالظواهر الغريبة التي أعادوا خلقها حتى غدت شيئا مختلفا عن الأصل الذي استُند عليه. و في المقابل انتقوا من واقعهم الغربي الصور الإيجابية المعاكسة، ليظهروا مدى التباين و ليبرزوا تفوقهم. كما أنهم عمدوا إلى كل تلك السلبيات و ألصقوها بالإسلام. و جعلوا الدين هو من طبع معتنقيه بهذا الطابع المتوحش و الفاسق و الخامل.

لقد عمد الاستشراق إلى إعادة خلق الشرق و تشكيله كما يشاء، و بنى له صورة نمطية من القوة بحيث ما عاد بالإمكان الخروج عنها، و صارت مرجعا يستند إليه أكثر من الواقع، بل صار الواقع الشرقي بحد ذاته متأثرا بها في نظرته لذاته. لقد قام الاستشراق بما سماه سعيد "شرقنة الشرق".
 

------

الخاتمة


إن الخيال المدعم بالأساطير و القصص و أخبار الرحلات و المحفوف بالرغبات، هو من القوة بحيث يتجسد أمام العيون فيجعلها تنتقي من الواقع ما تريد النفس أن تراه فقط، و هذه قصة المصورين المستشرقين مع الشرق قديما. و هذه الصورة التي خلقتها اللوحات لم تزل قوية طازجة و مغوية و كأنها رسمت بالأمس.

و لا ينكر المرء أن في اللوحات سحرا خاصا، نكهة فريدة، شيئا بالفعل مغويا. و هذه الصورة الشرقية ما زالت قوية و حاضرة. ربما لأنها من الفتنة بحيث أن المرء لا يريد أن يستيقظ منها. أشبه بحلم لذيذ. و ربما هي حاضرة في ذهن المثقفين أكثر من العامة.
فاطمة المرنيسي في كتابها شهرزاد ترحل إلى الغرب، تحدثت بظرف عن المثقفين الفرنسيين و الأوربيين بشكل عام و علاقتهم الحميمة و المهووسة أحيانا التي ما زالت تربطهم مع لوحات الحريم و المحظيات و الحمامات خاصة، و ما أكثرها، حتى الآن...  
و حين أعيش في مدينة تسوق نفسها سياحيا بتلك الصورة الشرقية لجلب السياح،  فإنني و لأني شرقية ضمن هذا السياق الشرقي لا أعدم حين الاحتكاك مع غربيين من النظر إلي بتلك الطريقة. أنا لم أبالغ برسم الصورة، لأنه حين يخبرني أوروبي: "أتعلمين أن الغربيات ما تعلمن الأنوثة إلا من الشرقيات في لوحات المستشرقين." حينها لا أملك إلا أن أفكر كم الغواية ما زالت طازجة في هذه اللوحات و كأنها رسمت بالأمس.
اللوحات جميلة فعلا و فتانة لأي شخص يشاهدها من شرق أو غرب، و حتى أنا تأسرني، أحيانا أجلس و أتأمل لأتوه فيها. بيد أني حين أتذكر أني أنا الموضوع، أنا المستعرَض، تخالط لذة النظر تلك شعور بعدم الراحة، لأني لست لوحة للاستعراض، و إنما أنا حياة.

أمر آخير أهمس به، أن الشعوب بشكل عام تمارس نفس هذا الانتقاء و رسم الصورة النمطية للشعوب الأخرى. فللشرق أيضا صورته النمطية التي خلقها للغرب و التي هي في كثير منها مبنية بنفس الطريقة التي بنيت فيها صورتهم لدى الغرب. بيد أن المسيطر هو الذي يفرض الصورة التي يشاء.

و لكن لحسن الحظ أن وسائل الاتصال الحديث قد قربت بين الشعوب، فجعلت تلك الفجوات تخف إلى حد ما، على ضآلته جدا جدا، إلا أنه قد يبشر بخير في المستقبل.

و الحمد لله رب العالمين
سلمى الهلالي
 

------


فهرس المراجع


- أساطير أوروبا عن الشرق: لفّق تسد
لـ رنا قباني
ترجمة صباح قباني، دار طلاس

- الاستشراق: المعرفة _ السلطة الإنشاء
إدوار سعيد
ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية بيروت ـ لبنان

- الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي
زينات بيطار
عالم المعرفة

- دائرة المعارف الكتابية
تحرير وليم وهبة بباوي
دار الثقافة

- الشرق في مرآة الرسم الفرنسي من القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين
لـ جان جبور
جروس برس

- الفن و الاستشراق
عفيف بهنسي
موسوعة تاريخ الفن و العمارة (المجلد الثالث)
دار الرائد العربي - دا رالرائد اللبناني

- الشرق بالفرشاة الأوروبية
عرفة عبدة علي

عدد 458

- الشرق في عيون غربية
ثروت عكاشة
العربي 400

و طبعا ذكرت في الحاشية كتاب


- شهرزاد ترجل إلى الغرب
فاطمة المرنيسي


---

 

ملحق تعريف بالرسامين
 

في ما يلي ملحق تعريف بالرسامين المستشرقين الواردين في البحث و عددهم 15. المعلومات مقتبسة من موقع فنك نفسه المدروسة لوحاته، و أضفت عليها أيضا من كتاب
The Orientalists Painter-Travellers By Lynne Thornton
و هو كتاب جميل جدا بطباعته يعرّف بأهم الرحالة الرسامين المستشرقين و لوحاتهم، لمن هو مهتم بهذا المجال.
و على فكرة لنفس المؤلفة كتاب آخر جميل جدا Women As Portrayed in Orientalist Painting و قد ترجمته دار المدى للعربية (بعنوان النساء في لوحات المستشرقين) و لكنها قد أبخسته حقه و أساءت إليه و ظلمته جدا بعدم وضع اللوحات كما في النسخة الأجنبية الملونة و الجميلة...
و من كتاب ثالث أحيانا و هو كتاب مرآة الشرق لـ جبور. سأنوه إليه في مكان الاقتباس. و على فكرة كتاب جان جبور أيضا جميل جدا بطباعته الفاخرة. و أحيانا قد أستمد من الويكيبيديا إن لم أعثر فيما سبق.


1- Emile Vernet-Lecomte
إيميل فيرنت لوكونت
1821 – 1900

نشأ في عائلة فنية فأبوه رسام في الجيش و خاله (فيرنت) رسام مشهور. و قد وقع الخطأ في اسمه أكثر من مرة في الكتالوجات، لأنه كان يوقع باسمه دون فيرنت، ثم أضافه بعد ذلك لاسمه. رسم لوحات استشراقية كثيرة، مركزا في كثير منها على شخصيات ذات ملامح جميلة جدا. ليس هناك معلومات كثيرة عن رحلاته للشرق، و لكن من الواضح أنه سافر كثيرا. رسم لوحة (امرأة بربرية) عام 1870. و كلمة بربر قدمت من اسم يوناني و في لغتهم يسمون بالأمازيغ و تعني الرجال الأحرار.

2- Leon Belly
ليون بولي
1827-1877

كانت أول زيارة له للشرق الأوسط عام (1850) مع حملة للتنقيب عن الآثار، و كان عمره حينها 22 عاما. حيث زار بيروت و القاهرة و الاسكندرية. و لكن الرحلة التي قام بها بمفرده كانت عام 1855 إلى القاهرة حيث مكث في قصر سليمان باشا و هذا قبل أن يسافر إلى صحراء سيناء. و قد اتسم أسلوبه الفني بإبراز اتساع المناظر الطبيعية مثل (جواميس تستحم في النيل) 1861 و التناغم اللوني و وفرة الضوء، و حتى أنه اهتم بدراسة تفاصيل الجواميس و الجمال. زار الأرضي المقدسة و تأثر بروحانيتها فرسم (ذهاب الحجاج إلى مكة). متأثرا برحلة غطاء الكعبة إلى مكة، و قد وضع في لوحته المسيح و أمه و يوسف لإيمانه بأن الدين عالمي و إيمان واحد بنفس الإله. و بعد أن تزوج عام 1861 توقف عن رحلاته.

3- Etienne Dinet
إيتان دينيه
1861 - 1929

كانت أول رحلة له إلى الجزائر عام 1884 مع رسام آخر قدم مع أخيه الذي كان عالما يبحث عن خنفساء نادرة. و قد قضى بعد هذا التاريخ 54 سنة متنقلا بين فرنسا و الجزائر و بالعكس و في النهاية جعل بوسعدة بيته الثاني و تعلم العربية. في بداية لوحاته كان يهتم بنور الشمس على الأراضي و بالمناظر الطبيعية، معالجا إياها بشكل علمي و حتى الناس حين أدخلهم كانوا بشكلهم الكامل دون التأكيد عليهم. لكنه بعد ذلك حين صارت بوسعدة بيته الثاني، تحول إلى الاهتمام بالتفاصيل البشرية. من لوحاته (عبد الغرام و نور عيني) التي تتحدث عن عاشقين أُبعدا عن بعضهما، لذلك كانا ينتظران اكتمال البدر ليتخيلا نفسيهما مع بعض، متذكرين آخر لقاء كان بينهما تحت ضوء القمر.
و دينيه بالإضافة لمحبته لرسم قصص الحب ذات النهايات الحزينة كان يحب كثيرا رسم الفتيات في مقتبل العمر مركزا على تصرفاتهن البريئة مثال على ذلك (فتيات يرقصن و يغنين) التي مرت معنا.
أما لوحته (ساحر الأفاعي) فهي مشهد حي جرى في قرية جنوب بوسعدة وسط الجزائر، و يُذكر أن الرجل ساحر الأفعى في اللوحة قد توفي بعد ستة أشهر من رسم دينيه للوحة متأثرا بعضة أفعى سامة.
و أخيرا اعتنق الإسلام عام 1913 و صار مهتما بحقوق الجزائريين و طالب بالمساواة و انعكس في لوحاته مقاربته الأخلاقية و الفلسفية للحضارة الجزائرية و للتصوف الإسلامي. ثم قام بالحج عام 1929 و أصبح اسمه حج نصر الدين ديني. و توفي في نهاية ذلك العام في فرنسا، و صلي عليه في مسجد باريس قبل أن يحمل جثمانه و يتم دفنه في بوسعدة في ضريح خاص به.

 

4- Jean-Leon Gerome
جان ليون جيروم
1824-1904

هو من أشهر الفنانين المستشرقين، درس اللاتينية و الاغريقية و التاريخ. قام بأربع رحلات إلى الشرق الأوسط أولها لمصر عام 1856 م، درّس الرسم لمدة أربعين عاما في مدرسة باريس للفنون الجميلة و كان الطلاب يأتوه من كافة أنحاء العالم ليتدربوا تحت إشرافه و كثير منهم تحولوا لرسامين مستشرقين، إذ كان يشجع تلاميذه على الترحال. رسم جيروم لوحات عديدة عن الشرق حوالي 250 عملا من أصل حوالي 600 عمل له. و أكثر من رسم الحراس على البوابات المهيبة و صور العاريات في الحمامات و أسواق الجواري و الراقصات فصورة الشرق كانت ملتصقة في ذهنه بخدر النساء و الحمام، لذلك ملأ لوحاته بهن و تكاثرت أكثر في آخر أيامه خاصة ابتداء من عام 1889 و كأن في ذلك عودة إلى الخيال و حنين إلى الرومانسية التي كانت تلفظ آخر أنفاسها. (59)
كثير من لوحاته كانت عن الباشبازوقات (زعيم الباشبازوقات) و (غناء الباشبازوق) و (باشبازوق)، و يبدو أنه في اللوحتين الأوليين قد قدم الباشبازوقان من المنطقة الألبانية لأن ثوبهما العريض ما زال اللباس الرسمي التقليدي للجيش اليوناني. و الباشبازوقات هم جند مرتزقة للامبراطورية العثمانية لا معاش لهم و إنما يعتاشون على السلب دون أن يُحاسبوا على ذلك، و كانت الامبراطورية العثمانية تأتي بهم من كل مكان. و كذلك رسم الأرناؤوطات و هم جنود ألبان في الجيش العثماني.
و جيروم كان يحب رسم الطقوس الدينية و الصلوات، مثلا لوحة (الدراويش الدوارين) التي ترصد مجموعة من دراويش المولوية الرفاعية في حضرة في جامع الرفاعي الواقع في المقبرة الشرقية في القاهرة، و قد كان محمد الفاتح و السلطان سليم الثالث معجبان بالمولوية.
كان يستخدم في رسمه الموديلات الفرنسيات، كما أنه صمم مرسمه على الطراز الشرقي و ملأه بالتحف الشرقية و ذلك حتى يعيش ذاك الجو. و نظرا لكمية اللوحات الهائلة التي رسمها فإنه كان يُعتقد أن لديه مساعدين قد أعانوه في رسمها، إذ لا يعقل لرسام واحد أن يكون رسم كل هذه اللوحات.

5- Philippe Pavy
فيليب بافي
1860-

رسام فرنسي، سافر مع أخيه يوجين، و رسم شمال إفريقيا و الشرق الأدنى، عاش في لندن لفترة. و لوحته (مقدم عروس في قرية بسكرة بالجزائر) رسمها عام 1889.

6- Eugene Delacroix
يوجين ديلاكروا
1798-1863

كان ديلاكروا من أوائل الرسامين المستشرقين الذين تأثر بهم من بعدهم مثل جيروم. نشأ في عائلة ذات مكانة سياسية. و كان يعشق الغرائبية و ينجذب إليها، و قد سُحر بالشرق قبل زيارته له إذ كان قرأ عنه كثيرا في كتب الرحلات و الآداب و التقى بكثير من الرحالة و تحدث معهم. و قد تعرف على ثري عاشق للشرق و فنونه أعاره ملابس و مواد شرقية لتساعده على الرسم. و أخيرا دُعي لرحلة قصيرة إلى المغرب، ففُتن بكل شيء رآه من ملابس و ألوان و إضاءة و حياة، و كان من الصعب حينها رسم المسلمين، لذلك رسم بعض اليهود. و لكنه لم يكن مرتاحا لأنه لم يقابل أي امرأة شرقية، و حين توقفت السفينة في الجزائر تحدث مع أحد القراصنة السابقين فوافق الثاني على أن يجعل ديلاكروا يرى حريمه، و هكذا تسنى له أن يتعرف على جانب من الحياة الشرقية حيث تحدث مع منى و زهرة بن سلطان و زهرة طوبجي مستفسرا عن نمط الحياة و طريقة التفكير و الملابس، و رسم بطريقة فورية بعض الحركات و الأشكال و حين عاد إلى بلده رسم لوحته الشهيرة (نساء جزائريات) 1834 (60) في أثناء إقامته بالمغرب العربي كان يرسم كل يوم مسودات، بقيت هذه الرسومات الأولية ذخيرة يستمد منها إبداعه لمدة ثلاثين سنة تلت، لكن و مع مرور السنوات باتت لوحاته تبتعد شيئا فشيئا عن الواقعية و صارت أكثر امتزاجا بالخيال و الغرائبية المشرقية.

7- Henri Regnault
هنري رينوا
1843 - 1871

أحد الرواد الثائرين في الحركة الرومانسية، كان متفوقا في كل شيء يقوم به، و عاش حياة انفعالية و عشق الإثارة و المغامرة و توقع أن لا يعيش طويلا، حين كتب لصاحبه [قد قدر علي و كلارين ألا نعيش طويلا، نحن مساقان لنتشرد في الوجود، و نتحمل الكثير من الآلام, تتلفنا كثرة المطامح و الرغائب التي لا يمكن لأي حياة طويلة احتمالها، و أغلب الظن أن كلانا سيلاقي حتفه قريبا]. سافر إلى المغرب رغم فقره، و استأجر بيتا في طنجة هو و صديقه الرسام كلارين و أثثاه على الطراز الشرقي و بمساعدة عائشة شما _فتاة مغاربية في السابعةعشرة_ استطاعا أن يقنعا بعض النساء المسلمات بأن يجلسن ليرسماهن، و لكن كان من المستحيل عليهما فعل ذلك في الشارع. ثم درس العربية و أنهى رسم (سالومي) 1870، و أرسلها لباريس.
و بالفعل قد تحققت نبوءته تلك بعد عام من رسمه لوحته سالومي إذ مات في الحرب الفرنكوبروسية رغم أنه كان معفى من الجيش لشهرته في الرسم و كان عمره حينها 28 سنة.
و جدير بالذكر هنا أنه بعد أن رسم لوحة سالومي، أراد أن ينحو منحا مختلفا في رسمه للشرق. فكتب: [هدفي أن أصور العرب الحقيقيين كما كانوا ... أثريا و عظماء، و مرعبين و شهوانيين، أولئك الذين لا يتواجدون إلا في التاريخ]. و هكذا رسم لوحة متوحشة عن الشرق تعبر عن دموية متفجرة عنفا و تطرفا شرقيين، و مما زاد في تأججها الألوان الدموية و المشمشية التي استخدمها و هي: [إعدام عاجل بيد ملوك العرب في غرناطة A Summary Execution under the Moorish Kings of Grenada ]
إعدام عاجل بيد ملوك العرب في غرناطة لـ رينوا
 


8- Theodore Chasseriau
تيودور شاسريو
1819 - 1856

كان فنانا مبدعا رسم الشرق بإحساس و عمق كبيرين. حين أوكل إليه رسم بورتريه لعلي بن أحمد خليفة القسنطينة الجزائرية كان ذلك نقطة تحول في مهنته كرسام. إذ حينها قد صار صديقا للخليفة أثناء إقامته في باريس الذي دعاه لزيارة هذه المدينة التي كانت حينها شبه معزولة في عام 1846. أحب شاسريو هذه المدينة و سماها بكنوز الرسام النفيسة، و كتب [إني أتنعم بأرض ألف ليلة و ليلة] و أكثر ما شده ليرسمه هو الشخوص البشرية، فكان يرسم بشغف المسودات الأولى لهم. و طبعا كبقية الرسامين وجد أن رسم الموديلات اليهودية و الدخول لمنازلهم أسهل بكثير من المسلمين، و لذلك كانوا هم معظم مواضعيه. استمر شهرين في زياته ثم عاد لبلاده. رسم لوحته (يهوديتان يافعتان قسنطينيتان تهزان طفلا) 1851. أما بالنسبة لصور العاريات اللواتي رسمهن فكان يستحضرهن من مخيلته الفنتازية المشرقية قبل رحلته لإفريقيا. توفي و هو في السابعة و الثلاثين بسبب مرض شديد لازمه سنة كاملة.

 

9- Auguste Renoir
أوجست روينوار
: 1841 – 1919
كان طالبا فقيرا جدا لدرجة أنه كان يعمد إلى مواسير الألوان التي ألقاها الرسامون فيعصرها و يرسم بها. و قد انتشر في القرن التاسع عشر عادة إعادة رسم اللوحات من قبل رساميها أنفسهم أو من غيرها، لذلك عمد رينوار بتكليف من بعض الناس إلى إعادة رسم لوحة (العرس اليهودي) 1875 التي رسمها قبله يوجين ديلاكروا حينما حضر هذا العرس في الجزائر. و من هنا تعرف رينوار إلى الرسم الاستشراقي، و قد اعتبر بعض النقاد لوحته أجمل من الأصل الذي رسمه ديلاكروا.(61) سافر إلى الجزائر عام 1881.

10- James Tissot
جيمس تيسو
1836 – 1902

هرب جيمس من فرنسا إلى انجلترا خوفا من السجن حينما قامت الحرب الأهلية عام 1870، و هناك أصبح رساما مشهورا، و تعرف على أرملة إيرلندية، كانت موديله و صديقته و ملهمته و لكن انتحارها و الحزن الذي أصابه جراء ذلك جعله يغادر انكلترا ليقضي عشر سنوات في الأرض المقدسة فلسطين باحثا عن المعاني الروحية. و في عام 1896 نشر 865 لوحة توضيحية عن العهد الجديد، و قد وافته المنية حينما كان يعمل على رسم لوحات عن العهد القديم. من لوحاته (رحلة المجوس) عام1894


11- Alexandre-Gabriel Decamps
ألكسندر غابرييل ديكان
1803 - 1860

كان من أوائل الرسامين المستشرقين و الرومانسيين أيضا، و ككثير غيره من المصورين كان قد رسم الشرق قبل سفره إليه. سافر عام 1828 إلى شمال إفريقيا و تركيا و اليونان، و مع أنه لم يمكث أكثر من عام تقريبا إلا أن رحلته تلك قد طبعت لوحاته بطابع الشرق فيما بعد. رسم لوحة (الراقصون الألبان) عام 1835 و قد كان له تأثير كبير على من أتى بعده من المصورين. و لأن المهارات الاجتماعية كانت تعوزه فقد فشل في أن يحصل على مهمة رسمية لرسم الأعمال التي كان يتمنى رسمها. فاعتزل في الريف مكتئبا و حزينا و مزق كل المسودات و الخطوط الأولى و الدراسات عن أسفاره. و حين عاد لباريس بعد فترة العزلة تلك، حاز على الاعتناء و الشهرة ثانية و لكن المرض ألم به. فاعتزل في غابة ممضيا ما بقي من أيام حياته فيها، معيدا رسم لوحاته الأولى. و كثير منها قد أتلف فيما بعد بسبب حصار باريس. و الملاحظ أن أسلوبه لم يتطور خلال حياته بل كان يعيد نفسه، و لذلك خف الاعتناء به.

12- Narcisse Diaz
نرسيس (نركيز) دياز
1807 - 1876

عاش في قرية فرنسية صغيرة تدعى باربيزون و لم يسافر أبدا إلى الشرق لأنه كان فاقدا لإحدى قدميه بسبب عضة أفعى في صغره، فصوره عن الشرق كلها متخيلة و لكنها متميزة لدرجة أنه أنشأ مع عدة رسامين من قريته مذهب باربيزون في الرسم. من لوحاته (امرأة شرقية و ابنتها) عام 1865

13- Jules Laurens
جويل لوران
1825 -1901

ولد لعائلة فنية، بدأ رحلته إلى الشرق بعمر 21 سنة بمهمة حكومية لرصد جغرافيا الأرض من تركيا إلى فارس عام 1847، و قد عانى في رحلته كثيرا من مشاق السفر من قلة الزاد و المرض و وعورة الطريق و أصيب بالحمى فربط ببغله بسبب هذيانه و كان مع ذلك يرسم خطوطا أولية في كل توقف مالئا أوراقا كثيرة لصور أناس و مشاهد طبيعية. إلى أن وصل إلى طهران حيث قابل الشاه الذي كان بدوره رساما قد تعلم الرسم من رسام انكليزي و لذلك أعجب به و جعله يرسم بورتريها له، فأحب النتيجة و سرعان ما زاد الطلب عليه في عائلة الشاه و الوسط الأوربي هناك ليرسمهم. أخذ جويل يرسم بكثرة و يعيش حياة منعمة مترفة مسافرا بحرية في فارس و رسم لوحة (الشتاء في فارس) عام 1848، و لكنه بعد موت الشاه اضطر إلى مغادرة البلاد لأن خلف الشاه كان لا يرحب بوجود الغربيين في بلاده. ثم عاد لبلاده و عرض لوحاته عام 1850 فحاز شهرة كبيرة، و كتب مقالات عن الشرق، و في نهاية حياته كتب مذكراته التي كانت مرجعا للمعلومات عن عصره.

14- Lecomte du Nouy
لوكونت دو نوي
1842 - 1923

اسمه الكامل جان جويل آنتوني لوكونت دو نوي، كان تلميذا لجيروم و سافر كثيرا إلى الشرق و كان معروفا برسوماته الأثرية مثل (مئذنة في الجزائر) و بلوحاته الوصفية التصويرية مثل (الأمة البيضاء) 1888

15- Bernard Debat-Ponsan
ديبا بونسون برنارد
1847-1913

رسم برنارد لوحة (المساج) عام 1883 بعد مضي عام على رحلته إلى تركيا. لقد اشترك برنارد في بعض الخلافات السياسية في فرنسا مما أدى إلى فقده معظم ثروته و بسبب مواقفه السياسية، خسر مهنته.
 

-------
 

 

 

الحاشية:


(1) الاستشراق؛ إدوارد سعيد: ص82
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي؛ جان جبور: ص70
الفن و الاستشراق؛ عفيف بهنسي: ص55

(2) الشرق بالفرشاة الأوروبية؛ عرفة عبدة علي، مجلة العربي، عدد 458
(3) الشرق في عيون غربية: ثروت عكاشة، مجلة العربي، عدد 400
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي؛ جان جبور: ص11
(4) الشرق في مرآة الرسم الفرنسي؛ جان جبور: ص222

(5) أساطير أوروبا عن الشرق؛ رنا قباني: ص39
(6) المرجع السابق، ص: 111
(7) الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي؛ زينات بيطار: ص238
(8) أساطير أوروبا عن الشرق، رنا قباني: ص126

(9) أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص107
الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي؛ لـ بيطار: ص244
الشرق بالفرشاة الأوربية لـ علي
الشرق في عيونة غربية لـ عكاشة
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي؛ لـ جبور: 7

(10): الشرق في عيون غربية لـ عكاشة
(11): الشرق بالفرشاة الأوربية لـ علي
(12): المرجع السابق.

(13): الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي؛ لـ بيطار: ص215
(14): أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص110
(15): الشرق في عيون غربية؛ لـ عكاشة

(16): الشرق في مرآة الرسم الفرنسي؛ جبور:ص7
(17): الشرق في عيون غربية، لـ عكاشة

(18) (19) (20) (21) (22) (23) (24) (25): أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص 125 – 117 – 122 – 125 – 144 – 125 – 36 – 40 - 41
(26) (27) الشرق في عيون غربية لـ عكاشة
(28) (29) (30) أساطير أوروبا عن الشرق لـ قباني ص122 – 127 - 127
(31) أساطير أوروبا عن الشرق لـ قباني ص122-124
الشرق في عيون غربية لـ عكاشة

(32) الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي؛ لـ بيطار: ص162
الشرق في عيون غربية لـ عكاشة
الشرق بالفرشاة الأوربية لـ علي
(33) أحب أن أذكر هنا أن فاطمة المرنيسي في كتابها شهرزاد ترحل إلى الغرب كتبت عن زيارة طريفة قامت بها لزيارة المتحف مع أحد المثقفين الفرنسيين الذين التقتهم و المهووس بلوحات الحريم، ثم تأملاته و أحلامه و هو يجلس متخيلا نفسه سلطانا يحطنه، و حديثه بأنه كان واثقا أنهن لن يهربن و لن يحتاج لقفل الباب عليهن لأنهن كن عرايا و عريهن سيجعلهن لن يجرأن على الخروج أبدا، و أيضا نظرته الاقتصادية للموضوع بإن الإنفاق على امرأة لا تشتري أثوابا تجعلك تدخر أموالا كثيرة.
(34) الشرق في عيون غربية لـ عكاشة
و كذلك ذكر فينك في موقعه تعليقا على لوحة (يهوديتان يافعتان قسنطينيتان تهزان طفلا) لـ شاسريو

(35) أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص131
(36) الشرق في مرآة الرسم الفرنسي؛ لـ جبور: ص74-75
(37) أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص99-102 و ص22
(38) في كتاب (Dreaming of East: western women and the exotic allure of the orient) الحلم بالشرق: نساء غربيات و الإغراء الغرائبي للمشرق، ذكرت المؤلفة Barbara Hodgson في مقدمة كتابها الذي جمعت فيه عن المستشرقات اللواتي زرن الشرق، سؤالا في المقدمة عن سبب انجذاب الغربيات للشرق، و بحثهن عن الحرية فيه، إذ كيف لشرق يحجب نساءه في حريم و يعطيهن مرتبة دنيا أن يكون ممدا لهؤلاء الغربيات بفكرة الحرية؟
الجواب الذي عثرت عليه المؤلفة أن الغربيات في بلادهن في تلك الفترة كانت حقوقهن ضيقة و النظرة إليهن دونية. لكن السفر للمشرق قد وفر لهؤلاء الغربيات الانعتاق من أعرافهن و سدت فجوة النقص التي يشعرن بها، و ذلك حين قارن معارفهن و أنفسهن بالمرأة الشرقية. فشعرن بتفوقهن، بالإضافة إلى أنهن أي الغربيات كن يعاملن في الشرق باحترام و يُسمع لأرائهن كما لو كن رجالا و يحظين بحرية الحركة، مع البقاء على ميزة كونهن نساء. لذلك فتن به.
على فكرة هذا الكتاب بحد ذاته غواية، تشعر بتلك الفتنة تتفجر من صفحاته و رسومه. بصراحة أحبه، و أحيانا أشعر بأن ما يمنعني عن قراءته هو شدة حبي به و لم أستطع قمع نفسي من وضع صورة عنه.

الحلم بالشرق لـ باربارا هودجسون

 

(39) أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص52
(40) الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي؛ لـ بيطار: ص320
(41) ذكر ذلك ريك فينك في نهاية الصفحة السادسة من موقعه
(42) (43) أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص 125 - 122
(44) كلما طالعت صور الأفغانيات بنظراتهن الكسيرة التي سوقت مع مطلع الحرب على أفغانستان تذكرت لوحات المستشرقين، إذ تبدو في الصور نفس مسحة الحزن تلك و النظرة المنكسرة على عيون النساء و كأنها تستصرخ الخلاص من مشاهدها الغربي، و أيضا نفس التمايز الشكلي بين الرجل و المرأة ذاك الذي رأيناه في لوحات المستشرقين، نجده في الصور بين شعاثة الرجل الأفغاني و قسوة ملامحه و جمال المرأة الأفغانية الفطري المستكين، و كأنه لا ترابط بينهما.

(45): أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص118
(46): دائرة المعارف الكتابية؛ لـ ثلة من المؤلفين: 4/310
(47): أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ رنا قباني: ص46 - 109

(48): أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص48-55-56
الشرق في عيون غربية؛ لـ عكاشة
(49) الاستشراق؛ لـ سعيد: ص183
(50) الاستشراق؛ لـ سعيد: ص184
(51) ذكر ذلك فينك في معرض تعليقه على لوحة (جواميس تستحم في النيل) في الصفحة الثانية
(52) ذكر ذلك فينك معلقا على لوحة (امرأة شرقية و ابنتها)، و أيضا:
الشرق في عيون غربية؛ لـ عكاشة
(53) أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص117
الفن و الاستشراق: لـ بهنسي: ص72-73
(54) الاستشراق؛ لـ سعيد: ص118
(55) أساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص13
(56) ساطير أوروبا عن الشرق؛ لـ قباني: ص132
الشرق في مرآة الرسم الفرنسي؛ لـ جبور: ص38

(57) الاستشراق؛ لـ سعيد: ص40-41
(58) توافقني على هذا فاطمة المرنيسي في كتابها (شهرزاد ترحل إلى الغرب)، فهي تحدثت عن مدى الفرق بين الحريم الحقيقي التي أتت منه و عاشت فيه في طفولتها، و بين المخيال في ذهن الأوربيين عنه، و هذا التمايز و التباين و الذي أثار غرابتها في البداية، هو ما دفعها لتأليف كتابها هذا بعد كتابها (نساء على أجنحة الحلم).

(59) الشرق في مرآة الرسم الفرنسي؛ جان جبور: ص58
(60) الشرق في مرآة الرسم الفرنسي؛ جان جبور: ص58-59

(61) الشرق في مرآة الرسم الفرنسي لـ جبور: ص192

 

 

سلمى الهلالي

2010

 

---

مواضيع ذات صلة:

 

· الاستشراق بين دعاته و معارضيه

· قصيدة إلى رجل غربي

· عالم الحريم خلف الحجاب

· شهرزاد و الحريم

· فلوبير في مصر

· صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى

· الإسلام في مرآة الغرب

· أغنية امرأة الخليفة لسارة برايتمان

· كلمات أغنية امرأة الخليفة

· البدو بعيون غربية

· قصر الدموع

· علي و نينو

· مغامرات في بلاد العرب

· الحياة السورية المنزلية

· الحريم و أبناء العم

· الاستشراق

 

 
 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali