الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الاستشراق بين دعاته و معارضيه

 

 
 

 

الاستشراق بين دعاته و معارضيه

Orientalism between its Promoters and Opponents

 

الاستشراق بين دعاته و معارضيه

 

لمجموعة من المؤلفين

محمد أركون - مكسيم رودنسون - آلان روسيون

بيرنارد لويس - فرانسيسكو غابرييلي - كلود كاهين

 

جمعها و ترجمها هاشم صالح

دار الساقي

 

هذا الكتاب هو وجهة النظر الأخرى... هو صوت المستشرقين... عبارة عن مقالات كتبها مجموعة من المستشرقين في الرد على الانتقادات الواردة على الاستشراق التي أثارها إدوارد سعيد في كتابه و قبلها مقالة أنور عبد الملك...

الكتاب أعجبني جدا، و المقالات متفاوتة في طريقة الطرح و في أسلوب الخطاب و في التأرجح بين العقلانية و العاطفية و بين الموضوعية و الذاتية... أكثر مقالة أعجبتني حجتها هي مقالة مكسيم رودنسون... بدا لي مسنا حكيما و موضوعيا...

الكتاب أثار في الكثير من الأفكار من بينها:

- أجدني أوافق إدوارد سعيد إلى حد كبير في مقولته أن السلطة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمعرفة... و نعم المعرفة تستمد قوتها من السلطة... لا يعني هذا أن ليس هناك حقيقة و معرفة مستقلة و منفصلة عن السلطة  قائمة بذاتها... أكيد هي موجودة... و لكنها من دون سلطة تكون ضعيفة و غير مغرية هذا إن لم تثر التندر أو التوجس... و ليس يالضرورة أن يكون هذا الارتباط سيئا دائما، مثل ما أنه ليس جيدا دائما أيضا... ما هو السيء هو حين تـُفرض معرفة ما جبرا بكونها مركز الكون و المعيار الوحيد نتيجة لهذه السلطة... و بالتالي يصير الحكم على أفضلية حقيقة ما هو السلطة و ليس شيئا نابعا من ذاتها...

على سبيل المثال المعيار الذي يقاس عليه كل شيء حاليا هو المعيار الغربي... المنطق، العلم، التقسيم، التصنيف، التبويب، التشريح، التحليل، التحكيم و نظام الخطاب الأكمل كله غربي... لأن السيطرة الآن للغرب... و كل نموذج بشري يقترب منه يبدو أقرب للكمال و المنطقية و كل نموذج يبتعد يبدو أقرب للبدائية و العاطفية... لكن لو كانت افريقيا هي المسيطرة بمعاييرها على سبيل المثال، لكنا سمعنا شيئا مختلفا... طريقة تبويب و تصنيف و تحكيم و حتى قراءة للتاريخ و مسميات و نظام خطاب لم نعهده...

خطر في بالي سؤال لو أننا أحضرنا اثنين يتحدثان عن ماهية الزمن أحدهما من قبائل الزولو و الآخر من السوربون... صديقنا الزولوي صار يحدثنا عن رأي أحد أسلافه و اسمه مومبو في كيفية تشكل الزمن... أما الآخر فحدثنا عن هيدجر مثلا... السؤال هو: ما الفرق بين مقولة مومبو و بين مقولة هيدجر؟ الفرق أن هيدجر ليس اسما مجردا بل هو ممثل لحضارة تملك السلطة و القوة... و لذلك فإن الاستشهاد بما قاله مع كلمة السوربون يعطي مصداقية و قيمة و رصانة علمية تخلق هالة من نوع ما في النفس، هي هالة الحضارة التي يمثلها... مع أنه لو نظرنا إليه لوجدنا أنه مجرد بشر يتحدث عما يخمنه شأنه شأن مومبو...

 أتساءل لو أن هيدجر كان من الزولو... هل ستكون لآرائه نفس القيمة و القوة الرصانة العلمية؟ لا أظن... لأن المقصود بالرصانة و القيمة العلمية هي الغربية و وفق المعايير الغربية... أما بالنسبة للمعايير الزولوية فلا قيمة لها... إذ منذا الذي يحفل بما يقولوه أبناء الزولو طالما أنهم لا يملكون السلطة و لا المبادرة لتجريع البشرية رؤياهم عن الحياة و غسل أدمغتهم بها... لذلك نعم السلطة و القوة و المبادرة هي التي تفرض المعرفة...

مثال آخر التابوهات الغربية تعتبر كونية بدهية... كمعاداة السامية... أما التابوهات المشرقية هي نتيجة للشخصية الشرقية القمعية. أليس هكذا يقال لنا؟ لكن في الحقيقة التابوه هو التابوه... ما يختلف هو اسم ما يتعلق به فقط...

الأستاذ المؤرخ سهيل زكار اعتاد على تكرار مقولة: التاريخ يكتبه المنتصرون... و على هذا المنوال يمكن القول أيضا أن: المعرفة يصنعها الغالبون...

- هناك ملاحظة قيمة لفتت نظري و هي اعتراضهم أن إدوارد قد بنى انتقاداته للاستشراق على بعض الرحلات و الكتابات الأدبية الاستشراقية الرخيصة و التقارير الاستعمارية و لم ينظر لكل الأبحاث اللغوية و التاريخية الرصينة و التي ساهمت في حفظ آداب و تاريخ و علوم الشرق... في البداية وجدتها نقطة مقنعة، لكني فكرت ثانية، و وجدتها أنها مضللة لأني أحسب اعتراض إدوارد على الاستشراق ليس على الدراسة بحد ذاتها و إنما على كونه فرع دراسي بشكل مستقل عن فروع الدراسات الإنسانية المختلفة اللغوية و التاريخية و علوم الاجتماع الخ... الأمر أشبه بحين يصنفون من بين تصانيف الآداب الأدب النسوي... بينما التصانيف الأخرى لما ينتجه الرجال _لأنه بطبيعة الحال ليس هناك سوى رجال و نساء_ فلماذا لا يجري على أدبهن ما يجري على الأدب بشكل عام... و إن كان لا بد مثل هذا التصنيف الجنسي أن يكون هناك أدب رجولي مقابل النسوي... الأمر مثله مثل الاستشراق...

هذا الإقصاء عن العام... هذا الاختراع للتسمية... يشي و كأن المدروس مختلف عن التصانيف "الطبيعية" المعتادة... عن ما هو كوني... يشي بأنه فرع... غير أصيل... لذلك لا بد من خلق صنف له يعزله عن العام و المعروف...

- وردت نقطة ظريفة على لسان صادق جلال العظم، أن إدوارد بكتابه هذا يعزز التبعية و الاستعمار، فلومه موجه للغرب و كأنه يقول له أنك لم تنتج ما هو دقيق لقبض سيطرتك على الشرق، عليك أن تحسن من نوعية تقاريرك حتى تحكم السيطرة عليه...

النقطة ظريفة و فيها وجهة نظر... بأية حال من المهم الانتباه أن فائدة أي بحث أو نتاج علمي تعود بالدرجة الأولى على من يرعاه و يصرف عليه، و هذا أمر جد منطقي... و من لا تعجبه النتيجة، و من لا يعجبه بحث، و من لا يعجبه أسلوب خطاب و من لا تعجبه صورته المرسومة عليه أن يقدم بديلا... أن يقدم ما يريده، أن يرسم هو صورته التي يشاء و نتيجته التي يشاء و أسلوب خطابه الذي يريد ثم يقدمها للعالم... ألم أقل أن المعرفة مرتبطة بالقوة و السلطة و المبادرة...

- أحد المستشرقين اعترض أن الشرقيين متمركزون حول ذواتهم، فهم مثلا لا يدرسون الغرب، و لم ينشئوا فرعا يسمى الاستغراب كما فعلت اليابان... وجدت الكلام وجيها لو كان الحديث عن الدراسات الافريقية مثلا... أما و أن المقصود هو الغرب، فالكلام غير دقيق... لأن الشعوب و من بينها العرب يعتبرون و كأن الغربي مرادف للكوني... و لذلك حين دراسة الآداب و الجغرافيا و التاريخ و الفنون و علوم اللغة و الفلسفة... كلها تحمل الطابع الغربي... فهم ليسوا متمركزين حول ذاتهم فعلا، لأن حتى ذاتهم صاروا يدرسونها من منطلق غربي...

- أستاذ مادة الاستشراق عبد النبي اصطيف الذي نقل شغفه بالاستشراق إلي وردت له مقولة في الكتاب بما معناه أن المثقف العربي قد يشعر بالاشكالية حين تعامله مع الاستشراق... لكني شخصيا لم أشعر بهذه الاشكالية...إذ لا أشعر بالحرج من أخذ ما يعجبني منه و أنتقد ما لا يعجبني، هكذا و بكل بساطة... و بغض النظر عن النية التي أنشأ لها أو خرج لأجلها هذا الفرع فهو نتاج بشري... و ليس هناك من نتاج بشري كامل لا تخالطه النواقص و الأهواء و الذاتية، و لذلك كان لا بد من النقد... إذ النقد يفيد في التخليص من الشوائب... كما أن النتاج البشري ملك لكل البشر... و أنا من البشر كما ترون... و لذلك أشعر بأنه ملكي...

أحب الاستشراق و أحب القراءة فيه و الحوم حوله، كما أحب انتقاده و الجدال الدائر حوله و حتى أحب إدوارد الذي شاكسه و أخرج المستشرقين عن طورهم، و خصوصا كلام برنارد لويس الحانق الذي جعلني أشعر بمدى مشاغبة هذا الإدوارد... أحب صورة الشرق المتخيلة، و توهم أني فعلا شرقية ما _مع أني مدركة لكوني لست إياها_... أحب هذه الغرائبية و هذا السحر... أحب القراءة للمستشرقين و أحب إغاظتهم... أحب هذا التناقض فيه و فيّ... الأمر أشبه بقراءة كتابات الكتاب و الفلاسفة عن المرأة... يبدو الأمر مسليا و ممتعا، حتى الحاقدة منها... إذ كل هذه الكتابات و الدراسات و التناقضات و التحيرات و التخبطات... حولك... ترى نفسك بطريفة لا تعرفها... لأنها بعيني آخر... تلفت نظرك لأمور كثيرة كما تجعلك تضحك من أمور أخر و تبتسم بمكر تارة ثالثة... أليس شيئا مسليا؟

لكن هناك احتمال كبير أن عدم احساسي بهذه الاشكالية التي يشعر بها المثقف العربي رغم كوني عربية _حسب فهمي للعربي أنه الناطق بالعربية و المحب لها و أنا أحبها_ هو أني لست مثقفة...

حسنا لن أنكر فهذا الاحتمال وارد... فالثقافة تكبل المرء و تجعله في حرج مع الهالات و المسميات و المسلمات... بيد أنه لو كان بريا و بربريا و منعزلا و لا مسؤولا مثلي فإنه سيقول ما يشاء... فهل على البهاليل حرج؟

 

الكتاب جدير بالقراءة، فهو يفتح أفقا للتفكير، و الترجمة متقنة... و من المفيد أن يقرأ المرء وجهات النظر المختلفة حول موضوع ما... و لا أخفي أن إعجابي بإدوارد سعيد ازداد بعد هذا الكتاب، شعرت به مشاكسا كبيرا... أحب المشاكسين، الذين يهزون القواعد العتيقة المهترئة... و أحسب أني بحاجة لقراءة كتابه الاستشراق ثانية...

و لا أنكر أني لطالما وددت لو أني وجدت في أمة منتصرة، تعطي القوة لكلامي... لكن النصيب كان أن أكون في هذا المكان و الزمان... و الحمد لله على كل حال و كلو لحكم...

 

هو فقط اعتراف أخير و اعتبروه اعترافا بهلوليا: بصراحة و سر بيني و بينكم و لا تخبروا أحدا؛ لم أشعر يوما بوجود شرق و غرب حقيقة...

 

سلمى الهلالي

10/02/2010

 

---

مواضيع ذات صلة:

 

· قصيدة إلى رجل غربي

· عالم الحريم خلف الحجاب

· شهرزاد و الحريم

· فلوبير في مصر

· صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى

· الإسلام في مرآة الغرب

· أغنية حريم لسارة برايتمان

· كلمات أغنية حريم

· أغنية امرأة الخليفة لسارة برايتمان

· كلمات أغنية امرأة الخليفة

· البدو بعيون غربية

· قصر الدموع

· علي و نينو

· مغامرات في بلاد العرب

· الحياة السورية المنزلية

· الحريم و أبناء العم

· الاستشراق

 

 

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali