الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> فلوبير في مصر 1849

 

 

 

فلوبير في مصر 1849

Flaubert in Egypt

 

 

فلوبير في مصر

 

لمؤلفه الفرنسي:

غوستاف فلوبير Gustave Flaubert

غوستاف فلوبير

ترجمة صلاح صلاح

مع مقدمة نقدية لـ إدوارد سعيد من كتابه الاستشراق...

دار السويدي، سلسلة شرق الغربيين من ارتياد الآفاق،
 


منذ أمد بعيد لم أقرأ شيئا قبيحا و منفرا كوصف فلوبير عن مصر، قد جعلني أشعر بالغثيان و الألم، و اشمئزازي زاده تلذذه المريض بمظاهر الظلم و الشذوذ و القهر و الفقر و القبح

هي ليست المرة الأولى التي أقرأ فيها كتابا استشراقيا ذا نظرة متحاملة و مترفعة... لكن المنفر في هذا الكتاب هو طريقة الوصف الرومانسية لكل هذا البؤس... أعني تلذذه بالقبح "الشرقي" البعيد عنه...
ذكرتني طريقة الوصف هذه بـ اسمي أحمر لباموق... و الشعور الشنيع الذي انتابني بعد قراءته حينها... أظن باموق قد انتهج هذا الأسلوب لأجل الصنعة، لأجل تمتيع كل فلوبير...

(ثمة عنصر رائع لم أتوقع رؤيته هنا، الغروتسك Grotesque كل الأعمال الفكاهية القديمة من العبد المجلود، حتى تاجر الرقيق الفظ، و التاجر اللص - كل هذه هنا في غاية النضارة و الأصالة و الجمال الساحر) ص 58
(فيما يخص الراقصين، تصور وغدين في غاية البشاعة، لكنهما فاتنان في فسادهما، في نظراتهما الشزراء و حركاتهما الأنثوية...) ص97
(كان ذلك متعة عظيمة - يمارس الرجال المشاركون في مثل هذه المغامرات الآثمة فنونهم الوضيعة، كما يضع ذلك السيد فولتير، بجدارة فريدة)ص99

شتان بين روايته مدام بوفاري و هذا الكتاب القبيح...

 

و لا أقصد في معرض حديثي عنه هكذا أن أجعل القراء يحجمون... فالكتاب من كلاسيكيات الكتب الاستشراقية... و هو يشكل جزءا من الذهنية الغربية عن الشرق بشكل أو بآخر... لذلك من المفيد الاطلاع عليه للمهتم في هذا المجال...
الأمر الذي يدعو للتفكير أن فلوبير نفسه الذي كتب مدام بوفاري و حوكم على إثرها و التي تعتبر رواية ملائكية مقارنة بكتابه هذا لم ينتقده أحد على كتابه هذا... رغم أن المجتمع المتحفظ كان نفسه... لكن الفرق أن تلك الرغائب و المتع الشاذة تحدث عنها حاصلة "هناك" في الشرق... فلا مشكلة إذن، فهذه هي صورة الشرق و هذا هو مكانها... أما أن يتحدث عن خيانة في مجتمعه "هنا" فقد استحق عليه أن يحاكم لإفساده المجتمع...
الغريب أن نفس السيناريو يتكرر في كل المجتمعات، أليس كذلك  


دعوني أنقل لكم فقط ما كُتب على غلاف الكتاب "على أن فتنة الشرق... سرعان ما ظهرت في يومياته صورا حقيقة نقلها من الحياة اليومية للقاع المصري، إلى جانب أخرى فنتازية فبركتها مخيلة مريضة جائعة لكل ما هو إيروسي و شاذ... كتاب مثير، إنما لا مناص من قراءته بوعي و حذر"


بالفعل الكتاب قبيح... و ما قصدت بالقبح اللغة أو الأسلوب، لا ما هذا قصدته...
بل عنيت أن الكتاب قبيح بذاته و بتكريسه و تلذذه المريض بالقبح... و خصوصا أن الكتاب ليس رواية متخيلة و إنما مجموعة من رسائل شخصية لأصدقائه و معارفه... و لذلك لا أستطيع إلا أن أراه يعكس قبحا لدى كاتبه... و عذرا من كل محبي فلوبير...

حقيقة أشعر بأن الكتاب آذاني
و لا أستطيع أن أرى أي جمال أو فن في وصفه لمصر، لا أراه إلا يتكشف عن نفسية مريضة لمؤلفه...

و لا شيء جميل في هذا الكتاب إلا غلافه...

و بس

 

----

3 - 2010

سألني أحد الزملاء سؤال مستعجبا: أن لماذا هذا الانشغال بما هو هو قبيح و تعشقه من قبل فلوبير؟

فأجبته:

الأمر نوع من كسر المعتاد... سحر الغرائبية... شيء نقيض للأخلاقية الغربية، للانضباط، للقيم، للجمال، للمألوف... تغيير للنكهات...
شخص اعتاد على الفاخر من الطعام طوال عمره... فإنه يشتهي أن يتذوق ما عند السوقة و يستمتع به... يعني كنوع من الترفيه الزائد... شريطة أن يكون بعيدا عنه لا جزءا منه... يعني مجرد استمتاع بالغير مألوف...
و لذلك أسقط فلوبير شذوذه على الشرق... أسقط كل ما هو مناقض لما في الغرب... كان الأمر نوعا من التخفف... و طبعا الشرق هو المكان المناسب لهذا التخفف... فهو أرض المباحات و الشذوذات بكافة أشكالها...
فكيف لا يستمتع و هو يراها دون أن يكون جزءا منها...
أشبه بعرض المسوخ الذي كان الناس يأتون للتفرج عليهم... يستمتعون بالقبح دون أن يتورطوا فيه أو يكونوا جزءا منه... يرافق هذه اللذة الشاذة شعور بالتفوق على هذا القبيح لأني لست إياه... أستمتع به و أنا لست إياه... هكذا هو حال الشرق... معرضة للعجائب بكافة أشكالها و شذوذاتها و قبحها...
يقول سعيد كما ورد في المقدمة: [فالشرق يـُشـَاهد، لأن سلوكه الذي يقترب من البذاءة المسيئة (دون أن يصلها بالضبط) يصدر عن مخزون من الشذوذ اللانهائي؛ و الأوروبي الذي تطوف حساسيته في الشرق، هو مشاهد لا ينشبك أبدا أو يتورط، حيادي دائما، و على استعداد دائم لأمثلة جديدة مما يسميه وصف مصر "التلذذ الغريب"] و يذكر سعيد أن فلوبير ينتمي لتلك المجموعة الفكرية و الشعورية الرومانسية التي كانت صور الأمكنة الغريبة المدهشة و تنمية الأذواق المتلذذة بتعذيب الذات و الآخر "السادومازوشستيكية" تلهمها...
و يتحدث سعيد عن فلوبير بأن ذوقه يتجه إلى المنحرف الشاذ، الذي كان كثيرا ما يتخذ شكلا هو مزيج من الحيوانية المتطرفة، بل حتى من الشرية البشعة. و أن فلوبير حين أتى الشرق أراد أن يعيش القصص الشرقية، أراد أن يعيش ما قرأه طوال عمره، أن يعيش الأساطير، أراد أن يحيي الشرق و يجعله المعجبة المثيرة بدل الروتين الممل المعروف... و لذلك نفخ فيه الروح بهذه الطريقة المقرفة و الشاذة، لأنها تناقض المعتاد و المألوف هناك في الغرب...

إذن الشرق كان المكان الذي بإمكانك أن تحصل فيه على تجربة جنسية و شاذة و قبيحة لا تستطيع نيلها في أوروبا...

و لذلك فهذا الكتاب وصف مصر فعلا صادم... صادم بتلذذه بكل ما هو قبيح و شاذ... و لو أن المكان الذي عرضت فيه الأمور لم يكن الشرق لكان صاحبه استحق أن يوسم بكونه مختلا نفسيا و مريضا... لكن طالما أن هذه الأمور حاصلة في الشرق... فذلك أمر طبيعي... لأن ذلك هو مكانها...


 

 

سلمى الهلالي

01/2008

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali