الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> اسمي أحمر

 

 

اسمي أحمر
(My Name is Red)

 


لمؤلفه التركي

أورهان باموق

أورهان باموق  Orhan Pamuk

ترجمة: عبد القادر عبداللي
دار المدى بدمشق


 

أمممممم...

لا أدري ما أقوله عن هذه الرواية التي حاز صاحبها جائزة نوبل لهذا العام و التي بلغت شهرته الآفاق بسببها و التي ترجمت لـ 24 لغة...

هي قصة جريمة حدثت في الزمن العثماني و بين أوساط النقاشين (أي المصورين الذين كانوا يزينون الكتب برسوماتهم). و من خلال القصة ينقلنا باموق بإسهاب و معرفة و عناية إلى أجواء النقش الإسلامي و تاريخه و مواضيعه و الألوان و الرسومات و التصاوير و الحكايات المعروفة التي رُسمت كخسرو و شيرين، و ليلى و المجنون، و مقامات الحريري و أمجاد السلاطين عبر القرون...

و لا عجب أن هذه الرواية التي قرأتُها في يومين و البالغ عدد صفحاتها 605 قد استغرقته عشر سنوات من التأليف و البحث و تتبع المخطوطات لغناها بالمعلومات و التفاصيل...

لكني لا زلت لا أدري ما أقول عنها...

فمن ناحية أسرني أسلوب باموق الغريب في السرد، و فهمت تماما ما الذي عنوه بقولهم أنه يعلم الغرب الرواية حيث أن الرواية تُروى من قبل أشياء و أشخاص كثر من بينها قطعة النقد و الشيطان و الشجرة بل حتى اللون الأحمر تحدث عن نفسه، و كان يبدأ كل فصل بقوله أنا شجرة أو أنا القاتل أو اسمي أحمر...

بالفعل طريقة مختلفة و غريبة و مدهشة... ناهيك عن الأجواء العجائبية التي دارت فيها الرواية؛ حياة النقاشين زمن الدولة العثمانية و التي لم أعش مثلها قبلاً...
بالفعل شي غريب و مختلف تماما...
مختلف بكل ما تعنيه الكلمة من معنى...

 

لكن من ناحية أخرى، تحديدا في أعمق و أبعد و أغمض نقطة في الشعور أحسست بروايته و قد وخزتني كمخرز و أنا في غفلة من أمري بحيث لم أنتبه إلا و قد ترك نكتته في قلبي...

هل قصد أورهان أن يخز القارئ بروايته أم لم يقصد لا أدري _و إن كنت أرجح أنه تعمد ذلك_، لكني لا أجد تشبيها يناسبها أكثر من كونها كذاك المخرز الدقيق الحاد الغريب المذكور في الرواية... المخرز "الجميل" الذي يذهب ضياء العيون بطريقة أشبه "بالتصوف"؟!!
 

طريقته في الحديث أشبه بما كان يراه المستشرقون في الشرق حيث التوحش و الشذوذ و المؤمرات و الرغبات الطافحة هي مصدر سحره و جماله و غرائبيته... لكنه لا يذكر ذلك لمجرد المتعة و التسلية كما كان يفعل المستشرقون بل لأن له فلسفته الخاصة:

 

الجمع و الاتحاد _الذي يصر عليه في كل ركن من أركان روايته_ بين سمو الجمال و الحب و الروح من جهة و القبح و القذارة و الشذوذ و التوحش من ناحية أخرى هو ما أزعجني بشدة... يظهرهما و كأنهما متلازمان ضرورة، و كأن هذه هي طبيعة الأشياء، بل يكاد يقنعك و يزين لك و كأنهما شيء واحد...

انتقاؤه لكلمات كالجمال و العشق و السعادة و القيم و الحياة و الموت الخ... بهمز و لمز ساخرين و بعناية ماكرة و خبيثة يقرنها مع أضدادها لتجعل القارئ يشمئز منها و يشتهيها بآن واحد...
يزين القبح لتشتهيه؟!! كطباخ صيني ماهر، يعرف كيف يعد طبقا شهيا مما تعافه النفس السوية...

لذلك قلت عنها أنها كذاك المخرز، لأنها تفقد المرء رؤياه لطبيعة الأشياء كما هي بعد مدة، و تعمي البصر و بهدوء و ببطء _كذاك المخرز تماما_...


هذا كله بعيدا عن الحديث عن ذاك الأحمر المطلق كلي الوجود مصدر و منتهى الحياة؟؟؟!!!

و سخريته المبطنة من خزعبلات المؤمنين!!!



أتعبني هذ الباموق بفلسفته... أتعبني في مجاهدتي لنفسي حتى أبقي على رؤيتي للقبح قبحا في روايته دون أن تغرر بي كلماته الساحرة... أتعبني ذكاؤه و مكره... أتعبتني سخريته العبثية من كل شيء...
أتعبتني شيطانيته...


حين اشتهيت أن أطلع على بعض الرسوم التي ذكرها لأرى كيف تبدو، و أخذت أبحث عن بعض من هذا الفن في صفحات الانترنت، اكتشفت أني لن أستطيع أن أستمتع بعد اليوم دون أن يكدر صفوي و يزعجني تخيلي للبيئة و الظروف "القبيحة" التي رُسمت فيها... و الفضل لأورهان أفندي ... و حتى لا أظلم أورهان كثيرا فدعوني أعترف بأنه لطالما كانت هذه النقوش _و لا زالت_ تبعث في جسدي القشعريرة و الرعب و خصوصا تلك التي تحمل ملامح وجوه صينية، و لا أدري لماذا؟؟!!


منمنمة


 

بأية حال؛ على المرء أن يظل متنبها بأن هذا (المخرز "الجميل" الذي يذهب ضياء العيون بطريقة أشبه "بالتصوف") هو في الحقيقة و الواقع و بعيدا عن العبارات المنمقة الساحرة عبارة عن مخرز حاد مخيف يستخدم لإعماء العين بطريقة متوحشة سادية، بحيث يفقد المرء بصره على إثرها...
هل يمكنكم تصور كم هذا الفعل قبيح؟ و كم الحديث عنه أقبح؟ فماذا يمكن أن يقال عن تزيينه و محاولة تلميعه بعبارات ماكرة تجعل القارئ يستمتع بقبحه إن لم نقل يشتهيه، لا أحسبه إلا أنه أقبح من القبح ذاته...
 

و هكذا هي هذه الرواية...

 

باختصار رأيي في الرواية أنها مختلفة و شيطانية...
و متعبة، لدرجة أني تنفست الصعداء حين انتهت

 

 

يقولون أن باموق بارع. هو بارع حقاً و لكن... كشيطان...

 

 

 

 

ملاحظة قبل أخيرة: الترجمة رائعة و سلمت يداك يا عبد القادر على هذا الاتقان.

 

ملاحظة أخيرة: أتسآل يا دار المدى هل قرأ مصمم الغلاف الرواية؟

 

سلمى الهلالي

1/02/2007

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali