الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الإسلام في مرآة الغرب

 

 

الإسلام في مرآة الغرب: محاولة جديدة في فهم الإسلام

 

لمؤلفته كارين آرمسترونغ

Karen Armstrong

كارين آرمسترونغ


ترجمة: محمد الجورا

دار الحصاد بدمشق

 

الكتاب عبارة عن محاولة موضوعية غربية لفهم سيرة النبي محمد صلى الله عليه و سلم...

 

تبتدئ المؤلفة كتابها بفصل سمّته محمد (عدو الغرب) تتحدث فيه عن تاريخ صورة سيدنا محمد في المراجع المسيحية و كيف أن التعصب و التشويه قد لازمتها منذ ظهوره إلى يومنا هذا... ثم بعد ذلك تنتقل في الفصول الأخرى إلى سرد سيرته من ولادته إلى وفاته بطريقة مختلفة غير نمطية بالنسبة للغربيين...

 

الكتاب ذو (328) صحيفة قد استغرقني شهرا لقراءته!!! نعم شهر كامل... إذ أنه يفتح أبوب الأسئلة و التأمل على مصراعيها...

 

فالفصل الأول يعتبر صادماً جداً _و خصوصا لمن لم يقرأ عن هذا الموضوع من قبل_ إذ سيرتاع من صورة النبي و المسلمين المشوهة و البذاءة في الكلام لدرجة لم يكن تخطر له على بال إلى حد أن المترجم ذاته لم يترجم بعض الإقتباسات من الكوميديا الإلهية لدانتي مكتفيا بأن مراد المؤلفة قد وصل من دون داع لتكرار تلك العبارات المشينة...

توقفت عند هذا الفصل مطولاً... و سؤال يلح في مخيلتي... أين كان المسلمون طوال الوقت من كل هذا التراث الهائل من الحقد و التشوه و الكراهية... و مع تذكري لقضية الرسومات المشينة و ردود أفعال المسلمين عليها في أنحاء العالم بالمقاطعة و الغضب... لم أتمالك إلا من التألم على جهلنا و قول يا إلهي كم المسلمون غافلون... فبعد قراءة هذا الفصل يتبين للمرء أن هذه الرسومات المشينة ما هي إلا ورقة صغيرة لشجرة كبيرة ضاربة جذورها في عمق التراث الغربي و تاريخه... و كم وراء كل خط من هذا الرسومات من تراكم تاريخي قديم و راسخ...

 

أما الفصول الأخرى فهي عبارة عن ذكر لوقائع السيرة النبوية و محاولة تقريبها و شرحها لذهن القارئ الغربي...

 

كارين لها كتابات عديدة في الأديان... و لكنها تركز في كل كتاباتها وتصر و تلح على نقطة هامة... و هي أن يفهم القارئ الغربي البيئة و الظروف التاريخية التي نشأت فيها هذه الديانة أو تلك... ففي كتابها الذي أتحدث عنه لا تفتأ تعيد للقارئ كلما سردت حادثة من حوادث السيرة أو فعلا من أفعال رسول الله قد يستهجنه الغربي أن البيئة العربية كانت كذلك... و أن العادات السائدة حينها كانت كذاك... و هو لم يكن أمراً بدعاً أو مستغرباً كما تراه اليوم أيها الغربي في القرن العشرين...

كما أنها تعتني بذكر المقارنة بين الإسلام و اليهودية و المسيحية في كل حادثة تاريخية بحكم أن الديانات الثلاث توحيدية إبراهيمية رغم أن التشابه أكبر بين اليهودية و الإسلام...

 

قررت صديقتي وفاء _التي استعرت منها الكتاب كالعادة و التي كانت قد استعارته بدورها من أحد أساتذتها_ القيام بتجربة جديدة و هي أن تحاول قدر المستطاع قراءته بتجرد بحت بعيداً عن كونها مسلمة و كأنها قارئ غربي لترى ما الانطباع الذي سيتولد لدى الغربي العادي عند قراءته هذا الكتاب عن سيرة رسول الله...

لكنها لم تلبث أن أنهته و الضيق قد استبد بها بسببه ثم أعطتني إياه و قالت: لم أفهم هل هذا الكتاب معنا أو ضدنا... لو أني كنت غربياً لما أعجبتني هذه الشخصية التي تبدو ضعيفة و عاطفية و مسيطر عليها من قبل زوجاتها... لا يبدو هذا الشخص و كأنه نبي عظيم... لا أعرف صراحة عمن تتحدث فهذا ليس هو نبيي الذي أعرفه و أتبعه... حاولي أن تقرأيه بتجرد و أخبريني برأيك.

 

لكن تعلمون يا سادة أني لست غربية، فأنى لي أن أعرف كيف يفكر الغربي لأحاول الرؤية بعينيه؟ لذلك عمدت قبل الابتداء بالكتاب إلى قراءة آراء القراء حول الكتاب _النسخة الانكليزية_ من موقع أمازون لأرى كيف قد رآه القارئ الغربي العادي من غير النقاد و المختصين؟ كانت غالبية الآراء بشكل عام بين معجبين و محبين للكتاب و لشخصية النبي فيه و شاكرين للمؤلفة و موضوعيتها... و بين مستائين شاتمين للمؤلفة ناعتين إياها بالعمالة و التنكر لهويتها من أجل العرب... حتى أن بعضهم اتهمها بأن كتابها ما هو إلا محاولة تلميع لصورة النبي!!! و هناك بعض المعلقين المسلمين الذين ذهبوا إلى ما ذهبت إليه صديقتي...

 

بالفعل كانت الآراء متناقضة بشكل غريب...

 

لكن عندما قرأت الكتاب توضحت الصورة...

 

حين قرأت الكتاب بعيني مؤمنة بنبوة رسول الله عارفة لسيرته الحقيقية شعرت بمدى جهل المؤلفة به و بما جاء به رغم محاولتها للفهم... و كنت أحس بكثير من العبارات كمطارق على رأسي... فمثلاً حين تحاول أن تبدد سوء فهم غربي فإنها تأتي بجملة هي أشد وطأة من سابقتها (إجا ليكحلها آم عماها)... و لم أتمالك أن أسأل نفسي _كما سألت صديقتي_ عمن تتحدث تحديداً... إذ بدا لي أني لا أعرف هذا الرجل الذي تتحدث عنه... فليس هذا نبيي حتماً...

و لكن حين قرأته بعيني غربية قد لا تعرف شيئا عن هذا الرجل فإني أعجبت و احترمت هذا النبيل الذي أخرج قومه من جهلهم و شرذمتهم و تناحرهم و قادهم ليبني لهم حضارة... احترمت شخصيته في سياقها التاريخي و في بيئتها المكانية... و لكني لن أفكر في الأمر أكثر من ذلك... و لن أبحث فيما كان يدعو إليه... ربما شعور الغربي حين يقرأ الكتاب هو كشعوري حين شاهدت فيلما عن الملكة إليزابيث التي كرست نفسها لأمتها... احترمت و قدرت هذه السيدة... في سياقها التاريخي فقط... و لن يصل الأمر إلى درجة البحث عن ما كانت تدعو إليه أو الإيمان بها أو جعلها مثالا يحتذى... إذ الأمر يبدو محلياً للغاية...

 

أما إن قرأته بعيني غربي قد رُبي و غذي منذ صغره على تلك الصورة المشوهة له... فعندئذ ستكون هذه الصورة الإيجابية صادمة بالنسبة لي... إذ أني لم أعتد أن أسمعها ممن هو على ديني و ثقافتي... و سأسأل لماذا تحابي كارين المسلمين على حساب ثقافتنا الغربية...

 

حين سألتني صديقتي ثانية: ها ما رأيك هل تظنينه معنا أو ضدنا؟

قلت لها: ليست القضية معنا أو ضدنا، بل هو كما قال لنا أستاذ مادة الاستشراق عبد النبي اصطيف مرة: "ينبغي أن تفهموا أن ما يكتبه المستشرقون إنما هو مكتوب بلغتهم و موجه لأناسهم و أنهم إنما يكتبونه ليخدموا أمتهم و شعبهم و يبنوا حضارتهم هم... و بذلك لا يحق لكم أن تشتموا نتاجهم... إذ لا يحق لشخص غائب ميت أن يعترض على الطريقة التي يصورها به الآخر... إن لم تعجبكم صورتكم التي رسموها لكم فارسموا صورتكم بأيديكم و أروا العالم إياها... الصورة المغلوطة هي خطأنا لأنا تركنا الآخر هو من يتحدث عنا بدل أن نتحدث عن أنفسنا... لا تلوموهم أن كانوا يخدمون مصالحهم بل لوموا أنفسكم أن ضيعتم مصالحكم و تركتموها لهم..."

لذلك لا يمكنك أن تقولي معنا أو ضدنا... فنحن ليس لنا وجود أصلاً... و هي حين كتبته لم تكن تفكر بنا و إنما كانت تفكر كيف تأخذ بيد قومها ليفهموا الآخر بموضوعية أكثر...

 

أمر آخر في الكتاب قد لفت نظري...

أن الكتاب كان يسمى ... محمد: محاولة غربية لفهم الإسلام

Muhammad: A Western Attempt to Understand Islam

ثم تغير ليصبح... محمد: سيرة حياة النبي

Muhammad: A Biography of the Prophet

 

أي أنه لم يعد محاولة غربية للفهم _كما هي حقيقته_ بل أصبح كتابا تاريخيا عن السيرة...

أظن أن هذا التغيير في العنوان ينبئ بالكثير... لذلك لا تعليق...

 

بالفعل قد جعلني هذا الكتاب _الذي يعتبر ضمن مجموعته "إيجابياً"_ أتأمل طويلاً... و خصوصا أن تفاعل المسلمين بقضية الرسوم لم يمت _بعد تماماً_...

جعلني أتأمل في غفلة المسلمين عما حصل و يحصل و سيحصل... و في كيفية فهم المسلمين المحدودة لقضية الرسوم المسيئة... و بحلولهم الآنية السطحية...

 

لا تقولوا لي أنها أجدت إذ قد اعتذروا...

إنما اعتذر من اعتذر عن الإساءة لنبينا خوفاً على جبنته و زبدته و طمعا فيما بقي من نقودنا لم ننفقه عليها بعد!!!

ليتنا جعلناه يعتذر مهابة و احتراما للنبي نتيجة حضارة و معرفة و قوة نمتلكها...

 

أصلاً هل القضية ابتدأت مع الرسوم الدنماركية في الصحيفة... حتى تنتهي بالاعتذار...

 

آه يا رب... ما أجهلنا...

آه يا رب... ما أسفهنا...

 

سلمى الهلالي

16/6/2006

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali