
يتنبأ إيمانويل تود عالم الاجتماع الفرنسي في كتابه الصادر حديثا “هزيمة الغرب” بأن الغرب المتمثل بأمريكا وأوروبا وما يلحق بهما قد انتهى، وهو على حافة الانهيار تماما، فهو يتدمر ذاتيا، وقد كشف عن هذا من خلال تأمله للمشهد بحيادية من دون تزيين السياسيين والأوهام الشعبوية الماضوية والعجرفة الكاذبة… يقرأ مصير مآلات الأمور من خلال الإحصاءات والتحولات الاجتماعية والسكانية والقانونية والاقتصادية والثقافية… ويضع مجموعة من المقاييس التي تنبه القارئ إلى كيفية جس النبض في الحضارات والأمم… إحصاءات مثل عدد المواليد لكل أسرة، الأطفال الذين يموتون رضعا، الأشخاص الذين ينتحرون في منتصف العمر، عدد المتمين لتعليمهم الجامعي، عدد المهندسين، الإنتاج المباشر في البلد، معامل التصنيع في البلد، وعلى رأس كل هذه المؤشرات وأهمها، مكانة الدين في المجتمع… إذ هناك تلازم ضروري بين الدين والحضارة، فهو الجامع والناظم للمجتمع… والغرب ليس استثناء عن هذا، لذلك اعتبر تود أن تشريع الزواج للشواذ المؤشر المقياس على وصول المجتمع في تدينه إلى الحالة صفر أي الموت التام… حيث يقسم المجتمعات إلى ثلاث مراحل، الحالة النشطة، ثم حالة الزومبي وهي بين الموت والحياة، حيث تستمر فيها بعض مظاهر التدين بشكل أقرب للفلكلوري، ثم الموت أي الحالة السوسيولوجية صفر…
“فإذا كانت البروتستانتية هي فعلا، كما يؤكد فيبر، رحم نهوض الغرب، فإن موتها اليوم سبب تفتت هذا الغرب، وبلا زخرفة: سبب هزيمته.[…] إذ توجد البروتستانتية على وجهين في صميم تاريخ الغرب؛ لناحية الأفضل عبر الازدهار التعليمي ثم الاقتصادي […] كما أنها المحرك الأول لنمو الدول-الأمم. فيخطئ الفرنسيون عندما يعتقدون أن ثورتهم هي ما ابتدع الأمة. البروتستانتية هي التي منحت الشعوب لأول مرة تمثلا كهذا لأنفسهم؛ هذا الشكل الخاص من الوعي الجماعي. فبمطالبة لوثر وتلامذته بترجمة الكتاب المقدس إلى الدارجة، ساهموا إسهاما كبيرا في تكوين ثقافات الأمم، ودول قوية ومحاربة، وواعية بذاتها”.
وحسب تود لم يعد الغرب أمة وفق مفهوم الأمة، فلم يعد يملك مشروعا جامعا ولا ثقافة تميزه ولا دينا يرتكز عليه ولا قيما يدعو إليها…
“واحدة من أبرز الإدراكات الواهمة للستينات […] كانت الاعتقاد بأن الفرد سيكون عظيما بمجرد انعتاقه من المجموع. غير أن الأمر على النقيض تماما. فلا يمكن للفرد أن يكون كذلك سوى في إطار جماعة، ومن خلالها. فوحيدا، يكون محكوما بطبيعته بالانكماش. […] ليست المعتقدات الجماعية في واقع الأمر مجرد أفكار يتشاركها الأفراد، وتمكنهم من العمل معا. إنها تهيكلهم، تحولهم من خلال غرس قواعد أخلاقية سلم بها آخرون.”. “بلوغ الحالة الدينية صفر هو ما أدى إلى تلاشي: شعور الأمة، وأخلاقيات العمل، ومفهوم الأخلاق الاجتماعية الملزمة، والقدرة على التضحية من أجل المجموع، أي هذه الأشياء كلها التي يصنع غيابها هشاشة الغرب في خلال الحرب”.
يخبرنا تود أنه بعد تلاشي مفهوم الأمة لم يبق إلا القوة مترافقة مع العنف من دون هدف، شيء يشبه حوادث إطلاق النار الجماعية العشوائية قبل أن ينتحر القاتل… وبالتالي لم يعد للغرب من رؤيا مستقبلية، ليس إلا العدمية، “وتميل العدمية بصورة لا تقاوم إلى تدمير مفهوم الحقيقة نفسه، ومنع أي وصف متعقل للعالم”…(مثل اعتبار أن جنس المرء اختيار شخصي)…
يرينا تود كيف أن شكل العالم وتراتبياته وعلاقاته والتي كونت عقلية البشرية في القرون الأخيرة وطبعت مجموعة من المسلمات والمقولات حول الدول والحضارات (مثلا بنوك سويسرا، ارستقراطية انكلترا، الحلم الأمريكي… الخ) كل هذا تغير تماما… كل هذه الوضعيات تتفكك وتتحلل، وبالتالي تسحب العالم كله إلى شكل آخر غير معروفة ماهيته ولامتوقع…
ولذلك يشرح لنا لماذا لم تنهر روسيا في حربها الدائرة هذه مع الغرب ممثلا بأوكرانيا كما توقعوا لها، بل تبدو أكثر تماسكا من الغرب وأقرب لتفوز في حربها كما خططت لها، ولماذا لم يقف بقية العالم اللاغربي مع الغرب، ولماذا تحولت الدول الاسكندنافية من النأي بالنفس ثم النسوية ثم للصقورية، ولماذا باتت قرارات أوروبا وكأنها تنتحر فعليا، وما الذي فعله البريكست ببريطانيا، ولماذا ألمانيا تبدو نموذجا مختلفا من كونها أمة خاملة لكن تزداد قوة، وكيف بدأت تصعد الأمم الأخرى كالصين والهند… وأخيرا تطرق للحديث عن المجزرة المتوحشة الواقعة حاليا على أهل غزة دون أن يوقفها أحد تمثلا لتلك العدمية العنيفة التي وصلتها أمريكا…
الكتاب مهم، ويلفت النظر لكثير من الأمور، وبؤرة تركيزه على روسيا وأوربا وأمريكا، بينما تحدث باقتضاب عن بقية العالم، لكن بالمعايير التي وضعها لجس نبض المجتمعات فيمكن القياس بها على ما بقي…
فلو أردت قياسها على أمتنا، وأنا أستخدم كلمة أمة، لأن مفهوم الأمة ما زال حيا وجامعا ومؤثرا في نسبة لا بأس بها من المجموع في بلداننا يؤمنون بهذا المفهوم: “فالأمة هي شعب كسب وعيا سياسيا بفضل إيمان جماعي، ونخبة توجهه في ضوء هذا الإيمان، مع ذلك لا ينبغي الاعتقاد بأنه عندما يختفي الإيمان الجماعي بالأمة، يختفي الشعب معه. ما يتلاشى هو القدرة على الفعل فحسب. الشعب يدوم.”
أقول لو أن لي استخدام مصطلحاته، لقلت أن أمتنا كانت قد دخلت في الحالة زومبي من عدة قرون ووصلت ذروة زومبيتها في القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، ومن ثم حاليا أرى أنها في بدايات خروجها إلى حالة الحياة النشطة تارة أخرى، فهي لم تتوف بفضل الله ولا بقيت في حالة الزومبي حتى… ويبدو أن المستقبل لهذه الأمة بإذن الله، بغض النظر عن الكيفية أو المدة أو التفاصيل، لكن السهم الحضاري بدأ بالارتفاع… وما أراه إلا مصداقا لرسول الله الذي أخبرنا بنهوض أخير لها، قبل نهاية التاريخ البشري برمته… والله أعلم على كل… قد كنت وصفت نفسي سابقا بكوني “البشير اليقظان” حين تحدثت عن كتاب مارشال هودجسون (مغامرة الإسلام) والتحولات التاريخية التي انتبهت لها، هذا وكتابه من حقبة الستينيات التي انتهت كل مقولاتها، فما بالك بما يخبر به هذا الكتاب! لم تكن تسميتي عن عبث… والله ما يحدث عجيب في العالم! رصد هذه التحولات بهذا التسارع أمر عجيب عجيب! رصد احتضار الحضارات الكبرى وتدافع الأمم من آيات الله المذهلة في عباده! “فاعتبروا يا أولي الأبصار”…
الكتاب جدير بالقراءة، سيما وأن المرء يتعلم من خلاله الانتباه لبعض الظواهر وكيف يحللها… والترجمة لا بأس بها… وأسلوب تود سلس ولا يخلو من بعض طرافة لماحة بإبداع عباراته واصطلاحاته، والرجل رشيد في قومه، وهو معروف عنه بينهم أنه بعيد النظر حتى سموه بالمتنبئ حيث سبق وتنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتي في السبعينيات، ولكل أمة راشدوها، لو أن هناك من يستمع لهم بينهم لنجوا! وإن كان مؤلفنا مدرك أنه قد فات الأوان لتدارك أي شيء في المستوى المنظور، فقد اتسع الخرق على الراقع… وما يرعبه في هذه الحالة الصفرية العدمية أنها: “تحول دون أي تنبؤ متعقل […] دعونا يقظين إلى أن العدمية تجعل كل شيء ، كل شيء على الإطلاق، ممكنا”…
—
سلمى الهلالي
12 تموز 2025
