(مبدأ الانسجام في تحليل الخطاب القرآني من خلال علم المناسبات) لمؤلفه التونسي شوقي البوعناني

(مبدأ الانسجام في تحليل الخطاب القرآني من خلال علم المناسبات) لمؤلفه التونسي شوقي البوعناني:
هذا بحث نفيس، يحاول فيه مؤلفه تقعيد مبدأ الانسجام في الخطاب من خلال تتبعه لأساليب تحليل الخطاب القرآني لعلماء المناسبات؛ وهم الذين اهتموا بربط الآيات والسور ببعضها البعض وحاولوا استنباط أغراض السور وكيف عرض القرآن هذا الأغراض وحاجج عنها لغرض الإقناع… هي محاولة للتنظير لبلاغة الحجاج كما سماها المؤلف، مستفيدا من بعض النظريات الغربية الحديثة من حيث المبتدأ فقط، ثم متجاوزا إياها بما يتناسب مع أساليب اللغة العربية وتقدم لغة القرآن التي استخدمت أساليب عالية في الخطاب دفعت العلماء الأوائل إلى الانتباه إلى مثل هذا، بينما بقيت تلك النظريات الغربية محدودة بالأمثلة الصناعية لم تتجاوزها إلى الخطابات الطبيعية المطولة…
المؤلف هو تلميذ عبد الله صولة صاحب الكتاب الرائع (الحجاج في القرآن من خلال خصائصه الأسلوبية) ولكنه حاول تجاوزه من خلال اهتمامه أكثر بالأبنية الكلية للخطاب، ولم يقتصر على العلاقات الموضعية بين الجمل.
تحليل الخطاب _والخطاب هو نص في طور الاستعمال كما أخبرنا_ يختلف عن التحليل الموضعي النحوي للعلاقات بين الجمل، فهو يتجاوز المعاني المحددة النحوية والمعجمية لأدوات الربط بين الجمل، إلى النظر إلى النص برمته، فالربط قد يكون بين مجموعة متتاليات جمل بمجموعة أخرى، أو ربط قصة بأخرى، أو حجة بأخرى، أو بنية كبرى ببنية كبرى أخرى، أو التفريع ببنى فرعية تندرج تحتها، كل هذا يبرز أغراضا كبرى يريد النص إبلاغها وأغراضا أصغر تابعة لها، وينظر في كيفية سبكها بعضها في بعض وتقديمها لتحقيق هذا الغرض… حتى الجمل الاعتراضية التي قد تبدو خارج السياق، تكون جزء مرادا لإيصال الغرض الأكبر من الخطاب…
أهم العلماء الذين حاول الباحث استخراج النظرية منهم هو ابن عاشور في تفسيره في المقام الأول، ثم الزمخشري بدرجة أقل ثم بدرجات تالية البقاعي والرازي والسيوطي وغيرهم، وطبعا لا ننسى الجرجاني صاحب نظرية النظم، الذي على الأغلب كانت ستدمع عيناه لو اطلع على هذا البحث، فهو تطور كبير لما ابتدأه… وسبحان الله، لا ينفك عجبي من الكيفية التي يبتدئ بها علم ما وليدا، ثم يتطور ويتعقد شيئا فشيئا…
للقرآن أسلوبه الدقيق والمتقدم في الحجاج، وأزعم أن إدامة النظر في تفسير ابن عاشور قد تبني داخل القارئ ملكة تساعده في الانتباه للروابط بين أجزاء النص الذي يحاجج، وكأنها أحجية يركب أجزاءها لتتضح الصورة كاملة أمامه في آلية الاقناع، فابن عاشور هو فنان هذا المنهج، وما فعله المؤلف هو محاولة تقعيد هذا المنهج، فتعضد الملكة وتجعلها أثبت… وما ينتبه إليه المرء من خلال هذا البحث إلى أن القواعد النحوية لأدوات الربط قد أتت تالية على النص مما يعني إمكانية توسعها، وهذه فكرة مهمة قد وقع في فخها علماء سابقون، فحين انطلقوا من القاعدة التي إنما وجدت ابتداء من النص والتي هي تالية عليه وحاولوا إنزالها قسرا على بعض المواضع التي لم تستجب لهم فيه، فعمدوا إلى التأويل من غير داع لتناسب قاعدتهم، بدل أن يعيدوا النظر في القاعدة نفسها، فحد فعلهم هذا من التوسع في فهمهم للخطاب والمعنى الذي أريد بترتيبه على شاكلة معينة… وما فعله ابن عاشور هو انتباهه لهذا ومحاولة تلافي ما وقع به غيره، ووسع النظر في مفهوم الربط من جملتين متتاليتين إلى الخطاب بشكله الأوسع وحاول الانتباه من الغرض الذي سيق له الكلام واستخدم له الأسلوب على هذه الشاكلة، ففتح الله عليه من المعاني ما فتح… فكان له “تغييرات على المفاهيم النحوية والبلاغية”…

البحث عظيم حقيقة، ويجعلك تجيل الفكر بعظمة اللغة وإعجازها، فما الذي يجعل النص نصا، وكيف يفهم البشري الترابط في النص حتى لو لم توجد أدوات ربط، بل ربما كان الفصل نوع الوصل والعكس ممكن كذلك، وكيف يستخدم الكلام لإيصال فكرة معينة والاستدلال عليها… ومع سهولة ممارسة اللغة والتواصل بها، إلا أن محاولة فهم كيف حصل استعمالك إياها وفهمك لها وآلية استخدامها للاقناع من التعقيد بمكان… فما أعجب اللغة!
إن كان معنى الإنسان يتحقق بقيام اللغة داخله، وكان أعلى خطاب ينفتح عليه معناه هو القرآن الكريم، فما أبالغ لو قلت أن هذا الكتاب من الكتب التي ترفعك درجة… لأنه يعينك على أن تدرك جزءا من آلية عمل اللغة بشكلها الأسمى فيك…

هذه ملاحظات بسيطة من قارئة هاوية، والكتاب خليق بمراجعة متخصصة من متخصص… والكتاب هو رسالة الدكتوراة للمؤلف وهو باحث تونسي من بلد أستاذيه صولة وابن عاشور، وقد حصل عليها على جائزة الشارقة الألسكو للدراسات اللغوية والمعجمية، وكان خبر هذه الجائزة هو السبب في تعرفي على هذا البحث العظيم…


سلمى الهلالي
23 حزيران 2025