
مؤخرا أنهيت هذ المجلد الثالث والأخير من كتاب مغامرة الإسلام لمارشال هودجسون:
في هذا المجلد يحدثنا هودجسون عن اواخر القرن الثامن عشر، حيث من وقتها شهد جيل 1789 بداية ممارسة أوربا هيمنتها القصوى على الشعوب المسلمة. ومن قبلها بقرن كانت بدأت كفة الأوربيين تميل على كل العالم، حتى وصلت ذروتها في ذاك الجيل، جيل 1789. وسواء أحكم الأوروبيون مباشرة حينها أو اكتفوا بوجود علاقة من التبعية لنظامهم الاجتماعي الأوربي ككل فإنهم باتوا قادرين على فرض إرادتهم على بلاد المسلمين. ويخبرنا انه في جميع الأحوال لم يكن من الوارد التسامح مع ظهور أي قيادة إسلامية عامة مستقلة من حينها.
حين تقرأ بالتفصيل كيف ابتدأ علو الأوربيين في الأرض، بينما بلاد المسلمين من انحدار وهزيمة لانحدار وهزيمة تتلوها، مع جهل فاقع بين المسلمين بدينهم من ناحية وبما وصل إليه الغربيون من تقنيات من ناحية ثانية، مع بدايات ظهور طبقة منبهرة بالغرب بين ظهرانيهم تتبع الغرب فعليا أو فكريا مع احتقار لمحيطهم.
أقرأ هذا وأقارنه بواقع الحال حاليا، وسبحان الله أجد أن هذه الحقبة التي ابتدأت من قرون قد أفلت فعليا. فرغم صعوبة الحال حاليا، إلا أنه شتان شتان والله في الوعي وكميته ونوعيته ودرجته حينها في بلادنا والآن، وحتى في القوة حينها في بلادنا والآن. وبين انضباط تلك الدول وجدتها فكريا حينها وفوضاها واهتراءها الآن. فلا المسلمون الآن بأولئك الغفلة، ولا الأوربيون باتوا أولئك المهرة… ومنحنانا لأول مرة بات في صعود فعليا.
سبحان من أحيانا لنشهد هذا.
هذا المجلد الثالث من الكتاب هو أفضلها، إذ لم يرق لي المجلدين السابقين ولا التحليل الذي فيهما للأمانة، هو يحاول أن يضع الحضارة الإسلامية في المشهد العالمي بعمومه، لكن لم أقتنع بكثير مما جاء به في المجلدين السابقين أولم أشعر أنهما أضافا لي كثيرا ربما لكثرة عمومياته، وربما أيضا لأني قرأت بعضا مما كتب بعده مما هو أكثر تفصيلا وبعضه مما انبنى عليه، إلا أن هناك من نصحني بأن الجزء الثالث هو الأفضل وعلي أن أستمر، فأخذت بالنصيحة وأكملت وبالفعل هو كان أفضلها، منذ ابتدأ بتحليل كيف بدأت تتفاوت حضارات العالم وصعد الغرب وانحدرت الحضارة الإسلامية، حيث كان لاكتشاف الأمريكيتين وما أتى به على أوربا من خيرات دور كبير في بداية صعود الغرب، إلى درجة أن كميات الذهب والفضة التي أتوا بها منها سببت اضطرابا في سعر العملة في كل أنحاء المعمورة. حتى على مستوى الخضار كالبندورة والبطاطا والذرة التي انتشرت في العالم مع استعمار أمريكا وغيرت وجه غذاء أهل الأرض… وإن لم يتوسع بهذا كثيرا…
فإن لم ترغب أيها القارئ بقراءة الأجزاء كلها، فإن المجلد الثالث برأيي هو أهمها وفيه غنى.
ومن المؤسف أن هودجسون توفي مبكرا وهو أربعيني من العمر، في الستينيات من القرن الماضي، ولم يشهد كثيرا من الوقائع الكبرى التي حدثت بعد، والتي كانت ستهمه كثيرا وتدهشه، وستغير بعضا من استنتاجاته حول مستقبل الإسلام لو شهد ما هو حاصل…
أفكر بكل أولئك المؤرخين والمفكرين المتشائمين منهم والمتفائلين الذين قرأت لهم وأحببتهم أو كرهتهم أو حتى لم أشعر شيئا تجاههم، لو أنهم يشهدون جميعا ما نشهد وما سنشهد…
بعيدا عن ذم الزمن وبؤسه وهذا الكلام الذي يكثرون الحديث عنه، حقيقة أكرم بها من نعمة أن يتاح لواحدنا قراءة الصفحات الأخيرة…
—–
سلمى
10 أيار 2025
