الأنا المستحقّة

أظن فكرة التميز مركونة في الفطرة وأن يكون للمرء حضور وشعور بوجوده بقدر الدنيا كلها وليس أنه هو مجرد دوره البسيط في الدنيا أو المجتمع والذي ربما يعامله باحتقار حتى، وأن يكون لكل حركاته وسكناته معنى معترف ومشهود ومقدر، لكن التوجه بهذا الشعور نحو الناس هو ما يورث مرض النفس والعجب والاندلاق على الدنيا واستجداء الشهرة والتكالب على الظهورـ أو يورث السخط والحسد أو يورث الانكسار والفراغ… لأن الغرض الحقيقي من هذا الأمر في نفسه هو التوجه به نحو خالقه وبناء الصلة معه ومحاولة التسابق إليه والتميز عنده، واستحضار أن واحدنا مشهود فعله فعلا بكل حركاته وسكناته ومشاعره وكل ما يقوم به مسجل له أو عليه، ورب العالمين شاهده، والدور الذي وضعه الله فيه في الدنيا _ارتفع أو انخفض_ ليس تعريفا له ولا لقيمة وجوده وإنما هو اختبار الله به… هذا الاستحضار هو ما يجعل المرء أزهد في الاستعراض أمام الناس والاقتتال على الدنيا والتكالب على الظهور، وأيضا لا يجعله خائر النفس في ضعة وشعور بدونية…
نحن لسنا أشكالنا ولا أبداننا ولا قدراتنا ولا قيمتنا في المجتمع ولا أدوارنا التي كتبت لنا في الدنيا، نحن كيف نبني صلتنا مع خالقنا عبرها وهو الذي اختارنا فيها ابتلاء…
يخبرنا رسول الله عن الذي إذا شفع لا يُشفّع وإذا قال لا يُسمع لقوله وإذا غاب لا يُفتقد وإذا خطب لا يُزوّج، ثم بعد ذلك كله هذا الفرد هو خير عند الله من ملء الأرض من آخرين حازوا ظاهرا على كل ما يرفع مكانتهم في محيطهم…
واحدنا عزيز بإعزاز العزيز له ومن هنا مصدر قيمته، وأي ملحظ لعزة أخرى مورثة لسقم النفس (بملحظ حضورها أو انعدامها)…

سلمى الهلالي
26 تشرين الأول 2026