في حب اللغة! عن كتاب إمبراطوريات الكلمة


ها هنا كتاب جميل آخر، جمع بين البدانة والتميز في الطرح… (إمبراطوريات الكلمة؛ تاريخ للغات في العالم) لمؤلفه البريطاني نيقولاس أوستلر… كتاب تأريخ للعالم عبر زاوية اللغة، حيث يتتبع فيه تاريخ اللغات التي كان لها السيطرة والاتساع على مساحة كبيرة من الأراضي فترة من الزمن… تشاهد معه كيف تتوسع اللغة حتى تسيطر ثم تتراجع حتى تندثر كما حصل مع الأكادية، أو تبقى معلقة في زوايا معينة من الحياة كالسنسكريتية الباقية في النصوص التقليدية والدينية… وكيف تعلو اللغة وتتضخم ثم تنكسر وتنكمش كما حصل مع الآرامية… وكيف تتحد اللغات المتجاورات فتلد لغة جديدة كما حدث مع اللغات الكريولية البرتغالية في آسيا وأفريقيا؛ حيث تداخلت البرتغالية مع لغات السكان المحليين فنشأت لغة جديدة… وكيف تتشقق اللغة المتوحدة فتتشظى للغات متفرقة فتقضي على اللغة الأم، كما حدث مع اللاتينية، حيث تفرعت اللهجات اللاتينية في مناطق الإمبراطورية إلى الفرنسية والإسبانية والإيطالية والبرتغالية والرومانية وغيرها، ثم اختفت اللاتينية كلغة أم حية… وتبتعد لغة مسافرة المسافات البعيدة عن موطنها فتزدهر كما حصل مع الإنكليزية في أمريكا وأستراليا، وأخرى بالكاد تبتعد فتتحول كما حصل مع اللغات الجرمانية في بريطانيا…
يتتبع كل هذا محاولا إيجاد أسباب علّه يضع قانونا يمسك به الظاهرة، إذ يربك العقل البشري حين لا يجد قالبا يحيط به المشهد:
أما إصدار القوانين بمنع لغة أو فرضها فلم يفلح في أحيان كثيرة في القضاء على لغة مجموعة بشرية، إنما يزيد التشبث بها أكثر، ولا القوة العسكرية فلحت كثيرا في فرض واقع لغوي، إذ بمجرد أن تخرج تلك القوة أو تضعف، تختفي لغتها، فمثلا حين انهار الاتحاد السوفيتي، سارعت الدول التي كانت تحت قبضته لتعيد للغاتها المحلية مكانتها كلغة رسمية… ومن ناحية أخرى، فقد نجحت هذه الأمور في انقراض معظم لغات استراليا…
ربما الهجرة بأعداد كبيرة لمنطقة معينة تبدو أكثر حضورا في التأثير اللغوي، لكن هذه القاعدة لا تنطبق دائما، فالمسلمون الفاتحون كانوا قلة بين السكان الذين انتشرت فيهم العربية، والإنكليزية طغت في الولايات المتحدة، مع أنها دخلت المنافسة الاستعمارية بعد الفرنسية والإسبانية، لأن الاستيطان الإنجليزي كان أضخم بكثير…
وماذا عن التقاء أمة متحضرة بأخرى أقل منها تحضرا، أي منها ستأخذ مكان الأخرى؟ لا يمكنك استخلاص قانون هنا، فاللغة الآرامية التي ارتبطت بجماعات بدوية أخذت تطغى على لغة الامبراطوريات والحضارة الرافدية القديمة، بينما الهند المغولية اختارت اللغة الفارسية لغة للثقافة والدولة على حساب لغتها التركية، وحصل أمر ثالث بين البينين، كما حدث عند بعض مناطق سكان شرق آسيا حيث مزجت البرتغالية التي احتلتهم سفنها بعناصر من اللغات المحلية فنشأت اللغات الكريولية…
أيضا وقوع فناء على مجموعة بشرية ممكن أن يكون سببا كما حدث مع الهنود الحمر بأوبئة الأوروبيين والحروب معهم مما جعل لغاتهم تتراجع بتراجع أعدادهم، لكن الوباء كان سببا جعل اللغة الإنكليزية تزدهر في بريطانيا بعد أن ضربها الطاعون فقضى على شطر من سكانها البريطونيين ومهد لانتشار اللغات الجرمانية…
وماذا عن تكاثر المواليد في منطقة؟ يمكن أن يكون سببا وجيها كما حدث بالهجرات الكبيرة للبريطانيين إلى أميركا وأستراليا وتزايد أعدادهم بوقت قصير… لكن الأمر لم ينتج نفس الأمر مع الفرنسيين في شمال أمريكا…
ربما التفاعل والانفتاح مع الشعوب الأخرى يجعل اللغات تتمازج، فلم تكن يوما للغة تحصر نفسها بنخبة تنأى عن العامة أن تبقى مستقرة حتى لو كانت لغة علية القوم، إذ سرعان ما تُنسى بزوالهم، كما لم تستطع اللاتينية أن تحل محل اليونانية والآرامية في بلاد الشام وشرق المتوسط رغم السيطرة الرومانية… والهولنديون في جزر الهند الشرقية، لم تصبح لغتهم الهولندية لغة السكان رغم طول الحكم الهولندي… على عكس الإنكليز الذين اختلطت لغتهم بالسكان وتوسعت…
وماذا عن الأديان واللغات المرتبطة بها؟ هذه أيضا لها دور كبير في التوسع والبقاء فترة أكبر في كثير من الأحيان، إلا أن المبشرين البريطانيين لم يفلحوا مع سكان الهند في نشر لغتهم عبر دينهم لا مع المسلمين ولا الهندوس. ما نشرها هو تحول اللغة الإنكليزية إلى لغة دنيوية تتعلق بالمصالح وتعد بالثروة…
حتى صعوبة اللغة وسهولتها، ربما تكون عاملا محتملا… لكن ما الذي جعل البرتغالية تزدهر في البرازيل بينما تنحسر عنها الاسبانية وهما متشابهتان…
حتى الفنون والآداب للغة ليست ضمانا لبقائها، مع أن الكتابة تحفظ اللغة إلى حد ما، إلا أنها ليست صكا للبقاء… فاللاتينية بكل التراث الفكري الذي حملته، تلاشت أخيرا ولم تحمها آدابها…
ولا يدري المرء كيف ترتد احداث التاريخ على اللغات… فحين جعل فرانسوا الأول الفرنسية الباريسية لغة الوثائق القضائية والإدارية في المملكة، أسهم ذلك في ترسيخ لغة المملكة على حساب اللاتينية، ثم أخذت الفرنسية تكسب أرضًا على حساب اللغات واللهجات المحلية عبر القرون، وظهور المطبعة والحاجة لشكل معياري جعل لغة تنتصر على أخرى، وكذلك الحاجة لكتابة كتب لتعليم اللغة في المستعمرات ثبتها في الموطن الأصلي، وظهور آليات تقنية كالكتابة المسمارية والأبجدية في مبتدئ التاريخ المكتوب، أثر على اللغات كأثر الاتصالات والانترنت في العصر الحديث على العالم… أما أثر التواصل البشري على مستوى العالم لكل الكرة الأرضية لأول مرة في التاريخ على مستوى التقارب بين اللهجات واللغات، فهذا ما لا يمكن التكهن به…

كل فكرة تستخلص من فترة ولغة، تجد أن هناك حدث ما هو عكسها… نعم قد تبدو أسباب أكثر وجاهة من أخرى ويركز عليها أكثر من غيرها، إلا أن الأمر لا يصل لقاعدة يبني عليها بثقة من دون استثناءات… حتى بدا أن الثابت الوحيد الذي استقر عنده بعد هذه الدراسة الضخمة أن اللغات دائمة الحركة لن تستقر على قرار ولن تبقى لغة في القمة للأبد… وما علت لغة إلا سقطت… حتى لو دامت ألف عام… وهذا مصير الإنكليزية كما يراه لها…
الكتاب أسلوبه سلس عموما، قد راق لي جزء كبير منه… وجزء أضاعني لكثرة المسميات… وجزء لم أعطه ثقتي فيه وما استطعت معارضته لأني لست متخصصة… لكنه عموما كتاب جيد جدا… يحتاج فقط لتركيز أكثر مما ظننته…

أما المترجم الذي يخيل إليك امتعاضه من المؤلف _ولست أدري لماذا_ من تحفزه بالتعليق كلما ذكر المؤلف العربية أو العبرية، تحفزا محقا تارة، وغير محق في تارات أخر، فهو محمد توفيق البجيرمي رحمه الله، هل تذكرتموه؟ صاحب برنامج (طرائف من العالم) بأسلوبه الظريف المتفاصح، ولذلك شعرت وكأنه يمد برأسه بتعليقاته ويقول: “تخيل، يا رعاك الله!”…
وبغض النظر عن هنات للمؤلف قد تجعلك تمتعض كصاحبنا البجيرمي أحيانا، إلا أنه له عبارات فيها تبصر عال، يمكن أن تلمس بعضا من تحققها حاليا بعد مرور أكثر من عشرين سنة على تأليفه لكتابه هذا… يمكن أن أنقل لكم بعضها في نهاية المقال…

إلا أن ما أحبه في أمثال هذه الكتب ليس المعلومة، التي ربما سأنسى معظمها بعد مدة إن لم أكن فعلت لتوي… وإنما الحالة التي يوصلني إليها…
تخرج من هذا الكتاب بدهشة وأسئلة أكثر مما دخلت وقد رأيت رحلات اللغات على مدار آلاف السنين وهي تتماوج وتتولد وتتمازج وتتصارع وتتشقق وتتوحد، من دون أن تقبض على نظام هذا كله… ليس لك من أسئلتك إلا مقاربة جواب ماذا _فيما دوّن طبعا_ وهو لا شيء مقارنة بما اندثر… ليس لك إلا سطح المعرفة، الذي دائما ما يأتي تاليا على الوجود وشهوده ليصفه… وإن كنت محظوظا فربما تحصل على شيء من جواب الكيف… ولكنه في حالتنا قد أعجز مؤلفنا الكيف… ودع عنك لماذا، فمن دونها خرط القتاد…
لم ينفك قول الله تعالى على طول الكتاب يتردد في ذهني {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ}
في كل مرة تعاود الحيرة في عجائب الوجود… في اللغة… في قوام معناك كإنسان مبين…تتذكر أن ما هي إلا آيات على من أوجدها… إنما تدهشك لتوقظك من اعتيادك أيها المسكين… فيتوقد قلبك بالجلال لمبدعها… سبحان الخلاق العظيم… { خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}…

وتخرج من الكتاب بامتنان عظيم أيضا أن حظك من الزمن كان آخره، فبدت الدنيا أمامك كرقعة صغيرة تتفرج فيها على هذه الموجات البشرية تتدافع عبر آلاف السنين واللغات والمسافات والأناسي، وقد اختزلت بين يديك في كتاب سمين “هزيل”… يا لحظنا بزماننا!

وكنت أستمع مع الكتاب لبودكاست طويل لأستاذ اللسانيات الجزائري أمين قادري، عن اللغة والهوية…
حديث من أمتع ما يكون من هذا الإنسان الجميل الذي يكلمك عن اللغة وكأنه يلقي قصيدة عشق، حتى لترى المذيع عيناه تلمعان من الدهشة والاعجاب… وعلى الهامش، من اللطائف التي ذكرها هي المدينة التي أتى منها، فتذكرت أنها هي نفسها التي ذكر لنا والدي أن جدي أتى منها قبل أن يهاجر من الجزائر في مطلع القرن الماضي… ففكرت أليس ممكنا أن تلك المنطقة تسري في جينات أهلها وذرياتهم حب اللغة مثلا؟ فجدي تركها وقصد “الشام الشريف” رغبة في أن تنشأ ذريته فصيحة اللسان لم تفسدها الفرنسة حين كان الاحتلال في أوجه، تذكرت هذا والقادري يخبرنا عن أناس كبار في السن من مدينته نفسها يشكون له كيف أن الفرنسة حرمتهم طلاقة العربية في ألسنتهم، أناس ذكرهم من عمر والدي أطال الله عمره الذي يحب الشعر العربي ويكتبه، كان ليكون كإياهم لو ما فعله جدي رحمه الله بهجرته تلك… ثم فكرت تاليا في الأستاذ القادري وقلت ومن يدري ربما نكون أيضا أقرباء في أحد أجدادنا الأباعد… فتحية مني لأخي في الأصل واللغة عاشق اللغة… وتحية مني لكل إنسان يمتلك اللسان الذي عُلّمه من الرحمن…

اقرأوا عن اللغة يا جماعة… اقرأوا عن اللغة من حيث كونها لغة وأنتم مدركون أنكم تقرأونها باللغة وتفكرون بها عبر اللغة… اقرأوا عن اللغة فهي تزيد الإيمان…

تكاد اللغة أن تحولني لشاعرة سلماوية ظريفة محبة للبشرية…
يا إلهي! فلأتوقف حالا قبل أن…
—

إليكم هذان الاقتباسان الملفتان اللذان ذكرهما قبل أكثر من عشرين عاما:

– مقارنة بين الاقبال على الإنكليزية والعربية في العصر الحالي:
(ان فرق ثقافة اللغة في عصرنا هذا واضح جداً، ففي مطلع القرن الحادي والعشرين، فإن التطلع لتعلم الإنكليزية أو العربية صار مميزاً لكثير من الشبان في جميع أنحاء العالم. وفي بلدان غرب آسيا وشمال إفريقيا صار تدريس اللغة العربية صناعة خدمية تبحث عن زبائن أجانب، تماماً مثل تدريس اللغة الإنكليزية في أجزاء كثيرة أخرى من العالم. فالإنكليزية والعربية متشابهتان ببعض النواحي إلى حد لافت للنظر فلكل منهما تاريخ مكتوب يمتد حوالي ألف وخمسمئة عام.
وقد انتشرتا حول العالم على أيدي ناطقين كانوا على الأغلب لا يعرفون أي لغة أخرى ولهما كتلتان من الأدب تحملانهما ارتباطات عمرها قرون عديدة. ولكن نادر هو الشاب الذي يكافح لتعلم العربية لدراسة فلسفة ابن سينا، أو قصص ألف ليلة وليلة، أو روايات نجيب محفوظ بل وأندر منه الشاب الذي يتصارع مع الإنكليزية على أمل أن يقرأ إنجيل الملك جيمس، أو كتاب الصلوات العامة. إن العربية في عصرنا هذا بالنسبة لمتعلميها الأجانب هي لغة القرآن والإنكليزية هي لغة الأعمال التجارية الحديثة والثقافة الشعبية العالمية.)

– العربية كما يراها مستقبلا، وأظنه أصاب التبصر:
(وفي الشرق الأوسط، تنمو أعداد الناطقين بالعربية، مع شعورهم بالتضامن، كجزء من الأمة العالمية المترابطة معاً بقبولها للإسلام […] من الصعب الشك في أن هذه المجموعة الواعية الكبرى ستشكل قضية موحدة، حتى بدون قيادة سياسية من إحدى دول المنطقة، فهؤلاء الناس يشتركون في الدين وفي اللغة، وتتزايد قدرتهم على التواصل على جميع المستويات من خلال أجهزة الإعلام الحديثة.)
_
سلمى الهلالي
1 تشرين الأول 2026