3 كانون الثاني 2025
يحضرني على سيرة ما قرأته أن ألمانيا طلبت من حكومة دمشق عدم أسلمة القضاء والتعليم، قضية ذكرتها صبا محمود في كتابها (الاختلاف الديني في عصر علماني؛ تقرير حول الأقليات) حيث رفعت إحدى السيدات قضية على حكومة إيطاليا عام 2011 أمام المحكمة الأوربية بأن عرض الصلبان الإلزامي في المدارس ينتهك حقها وأولادها في حرية الفكر والدين المصان بالاتفاقية الأوربية. فحكمت المحكمة الأوربية العلمانية بمساندة عشرين دولة أوروبية بأن رفع الصليب جزء من روح وثقافة أوروبا وعلمانيتها وتعبير عنها ولا ينتهك الحرية، وعللت المحكمة الحكم: (إن النظر فيما وراء المظاهر من الممكن أن يشف عن خيط يربط بين الثورة المسيحية بين ألفي سنة وبين التأكيد في أوروبا على الحق في حرية الفرد وفي العناصر الأساسية للتنوير وهي: الحرية والتحرر لأي شخص… في الواقع الاجتماعي الحالي يمكن النظر إلى الصليب ليس باعتباره رمزا لتطور ثقافي تاريخي وحسب، وبالتالي رمزا لهوية شعبنا، وإنما أيضا باعتباره رمزا لنسق من القيم: الحرية، المساواة، الكرامة الإنسانية والتسامح الديني، وتبعا لذلك كرمز للطبيعة العلمانية للدولة أيضا…). (هذا الحكم فاجأ عددا من مراقبي المحكمة الأوربية حيث أن المحكمة التي نفت كون الصليب رمزا دينيا تبشيريا عند عرضه في الفصول الدراسية، كانت قد حكمت في سلسلة من القضايا ضد الحجاب الإسلامي باعتباره رمزا دينيا ذا أثر تبشيري قوي عند ارتدائه في الفصول الدراسية أمام التلاميذ.)ما يبدو في ظاهره تناقضا بين الأمرين، هو ليس تناقض لو فهمنا أن كل تلك المعاني التي تكرر ليل نهار من علمانية وحياد وعدم إقحام الدين وخلافه هي مسيحية في جوهرها، لأنها نشأت في سياقها المسيحي الغربي وتطورت من تاريخها وصراعاتها تلك… ولذلك بدا الصليب جزءا طبيعيا منها متماهيا معها، بينما بدا الحجاب المتمثل بالمسلمة رمزا دينيا دخيلا…نقلت صبا قولا للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يعبر عن هذه الفكرة تماما: (إن الكونية المساواتية، التي تنبثق منها أفكار الحرية والتضامن الاجتماعي، وللتصرف المستقل للحياة والانعتاق، وللأخلاقية الفردية للضمير، وحقوق الإنسان الديمقراطية، هي الوريث المباشر للإتيقيا اليهودية للعدالة والإتيقيا _أي الإتيكيت وقواعد السلوك_ المسيحية للحب … ليس هناك بديل عن هذا الإرث، وفي ضوء التحديات الحالية للكوكبة ما بعد القومية، فإننا نواصل الارتكاز إلى لب هذا التراث، وأي شيء آخر هو مجرد حديث ما بعد حداثي فارغ). يعني بعبارة أخرى يخبرنا هابرماس هنا أن أي ادعاء أن هذه المعاني تعني شيئا خارج ثقافتنا الأوربية كما نفسرها نحن فهو علاك مصدي، وكأني أسمع أحدا يرطن “نحن الدولة ولاك!” تعلق صبا على قوله: (هكذا بشكل ملحوظ، وبضربة واحدة، يعزى تاريخ تطور المؤسسات العلمانية والحوكمة الديمقراطية بإكمله إلى المبادئ المسيحية-اليهودية للعدالة والحب، ويلغى التضارب القديم بين القيم الكنسية والقيم الجمهوريانية … لتقديم العلمانوية باعتبارها إنجازا فريدا ولد من إدماج المسيحية واليهودية. إني أستشهد بهذا المثال … للفت الانتباه إلى مركزية المسيحية داخل سرديات الهوية الأوربية.) بعبارة أخرى ما أود قوله هو ما قلته سابقا سيكثر تكرار هذه الأيام على مسامعنا خطابات ومصطلحات نشأت في سياقات لا تشبهنا ولا نعلم عنها شيئا ولا تعلم عنا شيئا ولا تكترث لنا حقيقة… ولسوء حظها وحسنه لنا أنها قد استهلكت في العقود السابقة حتى اهترأت وانطفأت، وباتت مثارا لذكريات سيئة ومقرفة و… ماضية…
—
الاقتباسات من كتاب صبا محمود المذكور آنفا (الاختلاف الديني في عصر علماني؛ تقرير حول الأقليات والصادر عن دار نماء وترجمة كريم محمود)
ومن كتاب (خيول وأخيلة؛ تجليات نظرية ما بعد الاستعمار وآثارها لملاك الجهني)
