لا تنفك تتردد في ذهني كثيرا هذه الأيام الحوارية في سورة الحجر بين سيدنا إبراهيم عليه السلام والملائكة “{ قَالَ أَبَشَّرۡتُمُونِی عَلَىٰۤ أَن مَّسَّنِیَ ٱلكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ . قَالُوا۟ بَشَّرۡنَـٰكَ بِٱلحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلقَـٰنِطِینَ . قَالَ وَمَن یَقنَطُ مِن رَّحمَةِ رَبِّهِۦۤ إِلَّا ٱلضَّاۤلُّونَ } عقد ونصف تقريبا لم تكن لامعة عند الكثيرين ولا اكتساب خبرات عجيبة ولا تجارب وعزيمة وإصرار ولا بناء حياة وأسرة ولا تطور لتساهم في بناء سوريا الجديدة ولا كل هذه الكلمات الرومانسية الجياشة بالنسبة للكثيرين، وإنما كهف اعتقلوا فيه حقيقة أو مجازا، وابتلاء مبين حفر آثاره عليهم معنى ومبنى، واستنزفهم فما عاد لهم من قوة عقلية أو جسدية ليلحقوا بالركب. “بعد شو؟” كما يحلو للشيطان أن يقول ليفسد فرحة واحدنا بوسوسته… تذكرنا الملائكة في هذا السياق في لحظة كهذه اللحظة بالحق… الحق هو أن الله خالق هذا الكون ومقدره وأنه يبتلي حين يريد أن يبتلي فتصطبر لبلوائه، ويفرج حين يريد أن يفرج وتستبشر بفرجه على أي حال كنت، وهو الرحيم بعبده مبتل ومفرج، وهو الكريم والقادر على أن يبارك لك فيما بقي مما بقي من عمر أو صحة أو حال… إن كلمة “بعد شو” تفترض أن هناك شكل معين للحياة مفترض، يسير وفق ألف باء تاء، وأنه إن فاتك قطاره فقد فاتك، ثم إن أتى بعد زمن فهو منقوص أو حتى لا معنى له… والحقيقة أنه “مو بعد شي”، فالحياة الحقيقية هي أن تعيش أقدار الله كما تأتي، وإن الصبر على ما أصاب المرء هو من عزم الأمور، وحين يأتيك بالبشرى تقبل بها وتستبشر، عسى الله أن يبارك لك، وهو قادر أن يبارك ويجبر… فلا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون… الأمور لا تقاس باللمعان ولا الظهور ولا بما يمكن أن تتشدق به في المجالس بما تحصلت عليه ولا بما يمكن أن تسبق إليه فتقتنصه قبل غيرك ولا بعدد من عرفوك أو أثنوا عليك فكل هذا إلى زوال، وإنما تقاس بالكيفية التي تفاعلت بها مع القدر الذي وضعت فيه وفصّل عليك تفصيلا { مَاۤ أَصَابَ مِن مُّصِیبَةࣲ فِی ٱلأَرۡضِ وَلَا فِیۤ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِی كِتَـٰبࣲ مِّن قَبلِ أَن نَّبرَأَهَاۤۚ إِنَّ ذَ ٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣱ . لِّكَیۡلَا تَأۡسَوۡا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفرَحُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُختَالࣲ فَخُورٍ }
إن أتيح لواحدنا مشو خطوة واحدة فقط فليمشها وليسأل الله المزيد… إن أقعد في كهف فليصطبر وليتربص الفرج حتى يأتي أمر الله… أما إن سحبت واحدنا راية البشرى لتحمله عاليا فليطر معها وليشكر الله على فضله… ولا تفكر بعد شو… لأنه مو بعد شي… ليس من قبل ليكون بعد… لا وقت ولا كم وإنما حال وكيفية…
ونعود لحوارية سيدنا إبراهيم مع الملائكة “{ قَالَ أَبَشَّرۡتُمُونِی عَلَىٰۤ أَن مَّسَّنِیَ ٱلكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ . قَالُوا۟ بَشَّرۡنَـٰكَ بِٱلحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلقَـٰنِطِینَ . قَالَ وَمَن یَقنَطُ مِن رَّحمَةِ رَبِّهِۦۤ إِلَّا ٱلضَّاۤلُّونَ }…
5 كانون الأول 2025
سلمى
