
أنهيت قبل أشهر ثلاثية مختار الغوث (لغة قريش)، وهو الكتاب الأضخم، والكتابان الآخران الملحقان به (نزول القرآن بلغة قريش وهم أم حقيقة؟)، (مشاكسات غير بريئة في لغة قريش) فهما تعليق واستدراك على بعض النقط التي وردت في الكتاب الأول والردود على بعض الانتقادات والتشغيبات عليه.
وكنت كتبت بعض الملاحظات لبعض الأصدقاء، على أمل أن أحولها لمراجعة تليق بالكتاب، لكن لم يحصل، فوجدت أن الأفضل أضعها كما هي بدل اللاشيء الذي أنا فيه، مستغلة أن التواصل الاجتماعي مرتفع في دمي هذه الأيام قبل أن يتلاشى:
الغوث يحاول استخراج ما تفترق به لغة قريش عن غيرها من لغات العرب من خلال استقراء كتب التراث من لغة ومعاجم ومنقولات شعرية ونثرية وقراءات قرآنية وخاصة من القراء الحجازيين… كما أنه يرد على المستشرقين والمتأثرين بهم من الباحثين العرب الذين افترضوا عدة افتراضات تعاكس ما ذهب إليه الأوائل حتى لو كان الأمر مجرد افتراضات، حيث تشعر وكأن منهجهم هو المخالفة لأجل المخالفة… هذه الافتراضات التي رد عليها من قبيل أن لغة قريش لم تكن الأفصح، أو أن القرآن لم ينزل بلغة قريش، أو حتى ليس هناك لغة لقريش أصلا (إيه والله متل ما عم قلكم)… كما أن الغوث يفند فكرة وجود في ذلك الزمن لغتان لقريش إحداهما فصحى معيارية أدبية وأخرى عامية… وصراحة أني وجدت حجته في كل هذا قوية… لأنه انتبه لكثير من الأمور لم ينتبه لها كثير ممن تصدوا لهذه المواضيع:
– أهمها هو فهمه للسياق الحضاري والزمني وتصوره للبيئة والمكان بما فيها معرفة القبائل وأماكن توزعها في الجزيرة العربية وقربها أو بعدها عن المركز وأقوام الألسن الأخرى…
– من الملاحظات الذكية ذكره أن وجود لغة معيارية وأدبية مفترقة عن الحياة العامة تأتي نتيجة وجود نظام كتابي يحفظ الأعمال الأدبية كروائع، أو سلطة عليا تفرض هذا مثل الدول القومية، أما البيئة الجاهلية في قريش هي أبعد ما يكون عن هذه الأمور… كما أن هناك منقولات نقلت لأمور مستتفهة ويومية، مثل التهويدات للأطفال، أو كلام بعض البسطاء، تدل على أنها هي نفس اللغة…
– أيضا لفته النظر لدلالة الكلمات التي وردت على لسان قائليها قبل تقعيد المفاهيم ووضع المصطلحات… وهذا أمر في غاية الأهمية، لأنه قبل المصطلح لم تكن دلالة الكلمة التي تدل عليه هي نفسها بالضرورة، بل تكون بمتسعها اللغوي الذي يحتمل عدة استخدامات… فمثلا ذكر أن كلمة الفصحى لها ثلاثة معان كان قد استخدمها القدماء قبل الاصطلاح عليها فيما عنته فيما بعد في الكتب العلمية، المعنى الأول هو الفصحى بمعنى أنها الأكثر استعمالا وانتشارا، والثاني بمعنى أنها الأبلغ في الإفصاح عن المراد، والثالث بمعنى أنها الأبعد عن لغة الأعاجم…
– انتباهه للقراء وأصولهم، وللقراءات الحجازية وغيرها (مع تحديده لما يعني بالحجاز والقبائل التي قطنته)… فمثلا يرى أن القراءة الحجازية هي الأقرب للغة قريش… ويبدو أن تسهيل الهمزة كان هو قراءة رسول الله، يعني ليست قراءة حفص الأكثر انتشارا التي تنبر الهمزة، بل كانوا يكرهون نبرها ويعتبروها تقعرا.. وسبحان الله يحتاج الأمر لتفكر لماذا جعل الله قراءة حفص هي الأكثر انتشارا حتى طغت على معظم القراءات مع أنها لم تكن كذلك في العصور الوسطى…
– وفي الكتاب أيضا محاولة اجتهاده لماذا اختيرت لغة قريش تحديدا عن سائر لغات العرب بمحاججة عقلانية، وليس من قبيل تفضيل لغة عن لغة، فهو لا ينحو هذا النحو، لأنها في نهاية المطاف كلها لغات للبشر… لكن من قبيل وضع بعض المعايير التي تبرز أن ليست كل اللغات على نفس الدرجة من القدرة في توضيح المراد… فمثلا إعراب الكلمات كان قرشيا وكذلك إخراجها من مخارجها، مما جعل الحروف أوضح وكذلك الالتباس أقل… بينما كثير من قبائل العرب تسكّن نهايات الكلمات، وتقلب الحروف الجيم لياء أو الكاف لتش (كيفتش)، أو القاف لكاف يمنية، أو ياء النسبة لجيم (كتابي – كتابج) وهكذا، مما قد يجعل الالتباس أسهل… ثم ذكر فكرة أن أصحاب اللغات يدركون هذا الأمر بفطرتهم ولذلك تجد من يحاول أن يتشبه بلسان قوم حين يذهب إليهم واخفاء لهجته، وليس العكس…
– من الملاحظات الدقيقة ذكره للفروق في أسباب إرسال العرب أولادهم بين عصر الجاهلية والعصر الأموي… الأول أي في العصر الجاهلي فكانوا يفعلونها لأجل الصحة البدنية للطفل، سيما وأن الطفل كان يعاد بعد الفطام مباشرة، يعني أنه لم يلحق أن يتحدث حتى يستقيم لسانه… أما العصر الأموي فكان الغرض لاستقامة اللسان وذلك بعد أن دخل غير العرب الإسلام…
– أيضا تحدث عن ملاحظة مهمة وهي تغيير رواة الشعر حين نقلهم له من لغته التي قيل بها وتحويله للغة المعيارية بعد عصر التدوين، كما لفت النظر إلى أن كثيرا من الفروق الملفوظة شعرا ونثرا لا تظهر عند تدوينها كتابة…
وغيرها من التفاصيل الدقيقة بين ألسنة القبائل من جهة. ومن جهة ثانية اختلاف التفاصيل بين عرب عصر التنزيل ثم عرب عصر التقعيد والتدوين اللاحقين… ولذلك فقراءة الكتاب تحتاج لبعض الجلد إذ أنه كثير التفاصيل في الفروق اللغوية، حتى وإن كانت تبدو كلها تفاصيل شكلية، لأنها كلها لغة عربية، وكانوا يفهمون بعضهم بعضا في نهاية المطاف… فالخلاف شبيه باختلاف لهجاتنا الحالية… وحقيقة من تجربتي انتبهت أن قراءة اللهجات مكتوبة، يمكن فهمها أكثر بكثير من سماعها ملفوظة… لأن الكلمة هي نفسها العربية التي تعرفها… لكن أسلوب لفظها وسرعتها وادغامها تجعلها غير مفهومة حين سماعها…
الكتاب عظيم وغني بالأفكار والجهد البحثي فيه ضخم ومثير للإعجاب، وهو جدير بالقراءة… وأسلوب المؤلف سلس مع تكرار حميد معين على الفهم…
مشكلة الكتاب فقط هو التداخل بين كلام غيره الذي يرد عليه وردوده، مما يسبب بعض التشوش إن لم ينتبه المرء… يحتاج الأمر لبعض التحرير…
أما الجزآن الآخران، فهما ردود على دعاوى عجيبة وتوسع في بعض النقط التي ذكرها في الكتاب الرئيسي…
ولا يستطيع المرء ألا يشيد بإبداع تصميم الأغلفة وذكائه… فهي ما جذبني له ابتداء مع العنوان، ولا فكرة لي سابقة عن مؤلفه… فكان الكتاب حقيقة توفيقا من الله تعالى…
ومما يثلج الصدر أن المؤلف مختار الغوث _وهو عالم لغة موريتاني الأصل، سعودي النشأة والإقامة_ قد حصل في هذا العام على جائزة الكتاب العربي بالدوحة عن مجمل أعماله _على ما أظن_ وهي جائزة مستحقة لهذا العالم الفاضل، وتقدير خليق به… بارك الله في علمه وعمره…
سلمى الهلالي
15 تموز 2026
