انظروا لهذه الفكرة ما أحلاها…
يتحدث الدكتور أمين قادري عن الفرق بين علاقة اليهود مع اللغة وعلاقة المسلمين معها… وذلك انطلاقا من علاقة كل بكتابهم المقدس… اللغة عند اليهود أداة التشفير والترميز والسرية، أما عند المسلمين فهي بيان للمقصد… وهذا ملحظ دقيق في المقاربة… وما أبهاه من نظر!
هذه الفكرة على صغرها جعلتني أنتبه لماذا نشأ في الحضارة الغربية مناهج تعتبر أن المبدأ هو الشك والارتياب في التعامل مع النص وأنه لا بد من البحث عن الحقيقة المخفية بين السطور… وهذا أمر بدا لي عجيبا حين قرأته، مثل عجبي من المناهج التي تفكك الكلام إذ أن إسقاط مرجعية ظاهر الكلام من دون قرائن يهدد اللغة برمتها كنظام، ويصير الكلام فيه كل المعاني التي تريدها مما يعني أنه بلا معنى حقيقي، وما الجدوى من الكلام إذن؟ الأغرب من هذا كله تخيل كيف لمنهج نشأ في سياق حضاري معين له أسبابه الخاصة وتاريخه، يجعل باحثا بكل استسهال يستعمله ليفهم من خلاله النص المقدس عند المسلمين، والذي جوهره أنه بيان وبلاغ، والعدول فيه عن دلالة ظاهر الكلام يحتاج لقرائن، والذي أدى لنشوء حضارة بتاريخ وسياق مختلف تماما… كيف لهذا الباحث توقع لخطابه الإثمار! وحين لا يثمر يتهم جهل المتلقين، دون أن يفكر بخلل أدواته…
هذا البيان الذي أنزل هو ما أسس لحضارة قامت على أن إعمال الكلام خير من إبطاله لأنه صادر من عقلاء صادقين من حيث المبدأ الأولي… فالكلمة عقد، والكلمة قد تهوي بصاحبها سبعين خريفا في النار، والكذب فجور، وكبر مقتا عند الله قول المرء ما لا يفعله، والتبليغ مأمور به، أما الكتمان للبيان والهدى فهو ملعون بلعن الله واللاعنين…
وهذا جعلني أفكر كذلك كم تبدو انحرافا عن الأصل تلك الأفكار التي نشأت على هامش النص المشبعة بالارتياب والتلون والنفاق واستبطان خلاف ما يظهر، واستسرار ما يجب كتمه، والتلاعب بالكلمات من دون ضابط… كل هذا أليس لأجل الهروب مما يقوله النص؟ ودائما في ذهني عبارة سوزان سونتاغ في كتابها (ضد التأويل) الذي ذكرتها صراحة ومباشرة: “يفترض التأويل تفاوتا بين المعنى الواضح للنص و متطلبات القراء (اللاحقين). إنه يسعى إلى إلغاء التفاوت فقد أصبح النص، لسبب ما، غير مقبول؛ و لكن لا يمكن إهماله. و التأويل خطة جذرية للاحتفاظ بنص قديم من خلال ترقيعه، إذ يعتقد أنه مهم لدرجة لا يجوز طرحها جانبا. و المفسر لا يفعل سوى تعديل أو تبديل في النص من دون محوه أو إعادة كتابته، و لكنه يعجز عن الإقرار بذلك، فيزعم أنه يوضحه فقط بأن يميط اللثام عن معناه الحقيقي.”
أفكار كثيرة ومتداخلة قفزت في رأسي من هذه الفكرة الصغيرة التي ذكرها الأستاذ أمين قادري في هذا المقطع من بودكاست نظرات، وهي ما كانت إلا مجرد استطراد بسيط عن موضوع الكلام في اللسانيات… واللقاء جدير بالاستماع كما ذكرت سابقا لثراء أفكاره وحسن عرضها… وإن كنت وددت لو توسع في هذا المعنى أكثر… ولذلك أنهي بتساؤل هل يا ترى هناك من بسط الكلام عن هذه الفكرة المقارنة التي ذكرها الأستاذ؟
سلمى الهلالي
2 تموز 2026
