كتاب موت الأسرار؛ بين استحسان واستدراك!

ما توقفت عن التفكير منذ انتهيت من كتاب عبد الله الوهيبي (موت الأسرار؛ الكشف عن الذات في العصر الرقمي)، وفكرة الكتابة حوله تغالبني وأدفعها… إذ في رأسي فكرة كبيرة أستمتع بتقليبها مجردة دون رهق محاولة ملاحقتها بالكلمات، وفي النفس استعذاب للصمت والاكتفاء بي وعاء لها… لكن لو أن كل من ملك فكرة جميلة استأثر بها لنفسه هل كنت لأقرأ كل هذه الكتب التي أفادتني؟ هو نفس السؤال ونفس الصراع كلما نازعتني أكتب أو لا أكتب… سيما مع كتاب عميق مثل هذا الكتاب، الذي يجعلك تمسك بكثير من المعاني التي لطالما استشعرتها دون أن تملك قدرة التعبير عنها، وبنفس الآن تشعر بالحاجة إلى الاستدراك عليه فهناك شيء في زاوية النظر تظن احتياجها للتعديل… هذه الحاجة إلى الاستدراك هي ما جعلت الغلبة للكتابة على الصمت…

الكتاب يتتبع التاريخ لثقافة البوح في عصرنا ومشاركة الخصوصيات واستعراض الأسرار على الفضاء العام كتابة أو تصويرا، كيف بدأت من الصحافة الفضائحية فالبرامج الحوارية فالمذكرات الذاتية فتلفزيونات الواقع إلى استعراض الناس حيواتهم في البثوث المباشرة… وكيف تطورت ثقافة “الاعتراف” التي نشأت مسيحية قروسطية إلى الطب النفسي، ثم صارت نشاطا عاما يطبع مزاج العصر الحالي في كل الدنيا، وكيف أحدثت التطورات التقنية التواصلية من انكماش الخصوصيات على الذات أو المحيط الصغير إلى استعراضها في الفضاءات المفتوحة أمام الدنيا برمتها… تغير انعكس على طريقة التعاطي مع مفهوم الأنا والآخر وحدود الخاص والعام، وقوام الإسرار والإعلان… وأهم ما فيه هو رصد كيفية انحياز معاني كثير من الخيرات العليا وتغير مفاهيم الفضيلة، فالصدق هو التطابق بين الاعتراف والشعور الفعلي وليس مطابقة الحقيقة للوقائع الخارجية… وفضيلة مجاهدة النفس وتشذيبها أزيحت لتحتلها الأصالة التي تعني العيش وفق الدوافع التي تنبع من الذات… وهكذا… ثم بعد ذلك استحضر المؤلف من الشريعة الإسلامية المعاني التي تناسب هذه الأحوال من الستر وعدم المجاهرة والتوبة ومجاهدة النفس والتناصح…
أسلوب الوهيبي ممتع غاية، ففيه جدة الطرح ورشاقة السبك وغزارة المعلومات، يأخذك من فكرة ليفضيك لأخرى بسلاسة، بحيث لا تشعر بملل أبدا…
راق لي الكتاب كثيرا _ككثير مما يكتبه حقيقة_، إلا أن في النفس شيء ما… وكما قلت في مبتدأ الكلام: أعجبني ولكن…
فمن ناحية يجعلك الكتاب تنتبه إلى تغير طريقة نظرة عصرنا للأمور ووعي المرء بذاته وكيفية تعاطيه مع الآخر، وهذه مفارقة بالغة الأهمية حين القراءة في التاريخ، حتى لا يقع المرء في فخ إسقاط ظروف حياته حين القراءة فيه… إذ لا ينكر المرء أثر تغير الأدوات وتطورها على حياة الناس… كأثر وجود الحمام في المنزل بمياهه الجارية مثلا، أو وسيلة التنقل من الحيوان إلى السيارة، أو الكتابة على الرق إلى الورق فالكتابة الرقمية… ولذلك أي شخص لا يضع في حسبانه هذا حين يحاول تحليل مجريات التاريخ أو يحاول أن يسترجعه بشكل متعسف فستكون النتيجة قراءة مشوهة وتطبيقه ممسوخا… كما أن الكتاب يلفت الانتباه إلى أن مفاهيم الخيرات العليا والفضيلة على مستوى العالم بات مشوشا وغير متفق عليه، وهذا ما تلحظه حين الحوار مع من مرجعيته الأخلاقية هي الثقافة الغربية المعاصرة… وأذكر في هذا السياق حوارا أجنبيا بين بلدان مختلفة حول خبر أن بنكا صينيا محليا يدين مالا لفتيات مقابل أن يضعن ضمانا صورتهن عرايا ليرجعن المال… فكانت التعليقات محتدمة بين من يرى الحياء فضيلة والشعور بعار العري في الفضاء العام وكونه ضمانا شائنا، في مقابل من لم يفهم أين وجه الفضيلة في الحياء وأين المشكلة في العري أمام الآخرين والسخرية من سذاجة هذا الضمان…

لكن من ناحية أخرى ففي الكتاب شيء من الانتقائية لأجل عرض الفكرة بشكلها الأمثل، وليس في هذا عيب من حيث المبدأ إذ فهم الظاهرة يحتاج لانتقائية لإبرازها، لكن هذا قد يوحي بتمحض شر الحياة العصرية في مقابل براءة ونقاء الحياة ما قبلها… وهذا ما يجعله يميل لتلك الكتب التي تتحدث عن الحداثة وكأنها شر مطلق وخاصة عند المقابلة مع ما في التراث الإسلامي بشكله الأنقى… وهنا خطر لي أمران… أولاهما أن الانتقاء كان مع ما يقابل تلك الظواهر بما في التراث الإسلامي، والتراث المقصود هنا أمران: النص والتاريخ الإسلامي… أما النص وهو القرآن والسنة فهو المصدر المتجاوز للزمان والمكان الذي يستمد منه المسلم تعريفه لما هو خير وفضيلة وواجب، وهو معياره لتقييم الظواهر والمسالك البشرية وبالتالي فإنه من الطبيعي عرض الظواهر على ما في الشريعة… أما الإشكالية فهي في التاريخ لأنه محاولات المسلمين لتطبيق هذا النص عبر العصور… فكان اللافت في الكتاب أن جل تمثله عن التطبيق هو من علماء التراث وأعلامه وهو وإن كان أمرا طيبا، لأنه منذا الذي لا يحب أعلام تراثه؟ لكنه بدا لي أمرا غير متوازن، إذ لم يحظ التمثل بمفكرين مسلمين معاصرين لهذه الظواهر نصيب يذكر في كتابه على ما علق في ذهني وأعتذر إن كان هناك وفاتني، اللهم إلا مفكر مسلم غربي الأصل متحول للإسلام ناقد للحداثة والحياة الغربية، وهؤلاء رغم نفاسة ما يكتبون إلا أن لدى كثيرين منهم ميل لرمنسة الحياة في الشرق من حيث هو “شرق” مقابل “غرب”، يخلطونه بنظر إسلامي مستمد من النص… وهذا ما جعلني أفكر هل القصور من عدم تتبع المؤلف لكتابات مسلمين عرب معاصرين لأن كتابه ليس مخصص لهذا، أو لندرتهم أصلا فلا يكاد المرء يعرف بوجودهم ليقتبس منهم! لا أدري حقيقة، لكن هذا التمايز بصراحة كان ملفتا ومحزنا نوعا ما…

وهذا يقودني لسؤال لطالما سألته نفسي كلما قرأت تلك الكتابات التي تنتقد الحداثة ومفرزاتها وتضع في مقابلها اللاحداثة وكأنها أعلى كعبا… أن ما الذي يجعل التعاطي مع أدوات عصر خيرا من التعاطي مع أدوات عصر آخر بعيدا عن مسألة الذوق والتوجد؟ فهل هناك شكل أمثل لما يفترض أن يكون عليه شكل الحياة وأدواتها؟ ولماذا توهم أن الشر اللاحديث هو أقل شرا من شرنا الحديث مع أنه كان حينها منتهى الشر المستطاع في سياقه؟ لماذا الانتقاد لحياتنا المعاصرة يكون بتلك الحدية الانتقائية المتقابلة؟ مع أن التاريخ البشري يطفح بالقباحات والأمراض والبؤس والشرور كما هو متوقع من الحياة الدنيا كما تسمى، وفي مقابل ذلك هو ممتلئ بالخير وطلب الحق ومحاولة التقويم والتشذيب وفق مراد الله ضمن ما يتيحه السياق، فقد قضى الله بأن يبقى الخير والشر يتعالجان حتى قيام الساعة…
نعم قد حصل تغير كبير بسبب كل التطورات والتقنيات التي أثرت على وعي الإنسان بذاته والآخر ومفاهيم الرجل والمرأة والأسرة والتربية والمجتمع والعمل والسلطة والحاكم والعام والخاص الخ… وقد سببت فسادا وأذى عظيما ولكنها أيضا فتحت أبوابا لخير عظيم يتناسب عكسا بحجم عظمته مع الفساد، والمراد هو تقويم تلك المظاهر وتشذيبها بميزان الوحي والتعاطي معها واستثمارها لتصير أفضل نسخة ممكنة منها… وليس التعاطي بشكل صدامي لكونها خطأ مطلق ينبغي تصحيحه بالعودة إلى أوضاع سابقة حظ التوهم فيها أكثر من حقيقتها…
وهنا يحضرني مثال هو وائل حلاق لأنه أول من خلق هذا السؤال في داخلي من كتاباته، فهو ينظر للشريعة الإسلامية على أنها لحظة تاريخية عظيمة حدثت في القرون السابقة الوسطى، وحين أتت الحداثة باتت متعذرة التطبيق، لأن الحداثة والتي تبدو في كتاباته كشر مطلق قد أفسدت كل شيء ولا يمكن استحضار الشريعة في حضرتها… أما المحاولات الحديثة لعلماء المسلمين بالنسبة له فتبدو كتلفيق رديء… وهذا فهم عجيب وقاصر… فالله أنزل وحيه وشرع شريعته لعباده في كل مكان وزمان ليحوّلوا سياقاتهم التي وجدوا فيها إلى أفضل نسخة ممكنة ضمنها تتبع مراد الله، وإن محاولات المفكر والفقيه المسلم في عصرنا في ضبط مفاهيم العصر وفق ميزان الشريعة وتقويم سلوكياته ضمن سياقه الحديث وأدواته وأسلوب الحياة المعاصرة هو عين تطبيق الشريعة، وليس هو استجلاب محاولات الأجداد في تطبيقاتهم ضمن سياقهم التاريخي… فليس التاريخ الإسلامي بحجة على المسلمين اللهم إلا عصر الرسالة وهو عصر التشريع… وبقية ما في التاريخ ننظر إليه لنرى كيف جرت محاولاتهم لتطبيق مراد الله… ولذلك فإن الانتقائية سيف ذو حدين، تبرز الظاهرة لفهمها لكن قد توحي وكأنه ليس هناك أوجه أخرى متشابكة مع هذه الظاهرة…
مصدر الشر ليست التقنيات ولا اختلاف الحياة بحد ذاتها فما هي إلا قوانين في الكون قد أذن الله بها لتتكشف لعباده، وقد طبعتهم بطابعها بعجرها وبجرها، كما طبعت القوانين التي تكشفت عبر العصور البشر بكليتها كل بزمانه… لذلك نوستالجيا “الزمن الجميل” البريء المليء بالخير والبركة والبساطة وراحة البال واستواء نفوس الرجال والنساء الراضين بأدوارهم الاجتماعية المفعمين صحة ونشاطا مجرد وهم في معظمه خلقه التبرم من قباحات عصرنا التي نكابدها… فمعاني الخير والشر والصلاح والفساد والهناء والبؤس والرضا والسخط هي المعاني نفسها، والذي اختلف هو كيفية  تمثلها عبر الزمن… والكبد جزء من الحياة الدنيا، والخير والشر والفساد والصلاح ليسا مرتبطين بالزمن وإنما بالوجود في هذه الدنيا… والذات في العصر الرقمي أو الحجري هي الذات حتى لو اختلفت طريقة ظهورها وهي تحتاج باستمرار لمجاهدة وربط نفسها بالخالق حتى تتهذب… وإلا ستضيع وتتشوه وتستخدم كل إمكانات الشر المتاحة لها… ومهمتنا كمسلمين هي تحسين شروط عصرنا بأدواته ودفع شرورها واستجلاب خيراتها حتى يوافق مراد الله بالآفاق التي فتحها على عباده… يقول ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير عن قوله تعالى (قال إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم): “هذا الإنظار رمز إلهي على أن ناموس الشر لا ينقضي من عالم الحياة الدنيا وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر والأخيار والأشرار، قال تعالى (بل نقذف بالحق على الباطل) وقال (كذلك يضرب الله الحق والباطل) فلذلك لم يستغن نظام العالم عن إقامة قوانين العدل والصلاح وإيداعها إلى الكفاة لتنفيذها والذود عنها.”
سأوقف هنا هذا الاستدراك وإن لم تشف نفسي منه، إذ ما زال فكرة مشوشة ساذجة في مبتدئها تحتاج لنضج أكثر لأحسن التعبير عنها، وأخشى أن قصور التعبير قد يفهم منه أني أدافع عن كل تلك المفاسد التي في عصرنا أو أني مبهورة بالعلم والتقنيات أو أني لا أكابد كما غيري كثيرا من سلبيات عصرنا أو أني أسخّف ما جاء في الكتاب، وليس هو مراد الكلام إطلاقا… ما أردته ببساطة أن التغير حاصل على مدار التاريخ البشري لم يتوقف، جزء من هذا التغير فاسد ينبغي التخلص منه وجزء منه من سنن الحياة ليس من خير في استعادته سوى مزيد من التشوه والتخبط، والميزان الذي يفرق بين الاثنين هو النص الإلهي المتجاوز للزمان والمكان باجتهادات أبناء كل عصر يعيشونه، وأن أسلوب حياة عتيق ليس ميزة بحد ذاته لا سلبا ولا إيجابا لمجرد كونه معتقا قد عيش قديما، أما تفضيله فهو أمر ذوقي وجداني…
وهذا كله مجرد تداعي أفكار من كثير من القراءات ومزاج الشكوى من العصر الحديث، وليس من كتاب الوهيبي تحديدا لأتهم بأني أحمّل كلامه ما لا يحتمل… ولا يظنن أحد أني أقلل من جمال الكتاب ولا من أهميته، ولا من أسلوب المؤلف البديع، بل إني أدعو الجميع لقراءته، وهذا ما أوصيت به كل معارفي المهتمين بالقراءة… وحقيقة أني لن أستطيع إنهاء المقال إن لم أذكر أن لا تفوتوا أيضا قراءة مقال فريد سابق له بعنوان طريف:
يا بدناء العالم اتحدوا…

وأقول أن الأسرار وهي تموت محتضرة تتخبط، قد ركلت باب جهنم ففتحته على البشرية، وفتحت أيضا بابا عظيما لخير ممكن عظيم غير مسبوق لإحيائها وإطفاء جهنم… وأسأل الله أن تمتلك أمتنا رشدها فتنتهز الفرصة وتشذب ما تشوه وتحمد على كرامة الإتاحة وتستثمر فيما هو حاصل بأقصى خير ممكن… ولا يكون حظها من زمنها الوقوف على الأطلال واشتهاء زوال ما استحدث واستصغار المحاولات التي تبذل، كأي أمة بطرت معيشتها، “فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور”.

سلمى الهلالي
الثلاثاء 12 أيار 2026