كتاب البهاليل ج2

                          

 

 

 

                                        

 

الجمال و الفزع... فكرة ناقصة!

 

(إني مما يأمن القلب خائف) خط منير الشعراني


يروي التاريخ عن المقنع الخراساني الذي ادعى الألوهية في العصر العباسي فتبعه خلق كثير، أنه كان شديد الدمامة أعورا فاتخذ قناعا من ذهب ليخفي قبحه.
و يروي التاريخ أيضا عن المقنع الكندي الذي كان شاعرا جوادا في العصر الأموي، أنه كان شديد الجمال فاتخذ قناعا ليخفي حسنه.
من مفارقات التاريخ الذي لا تنقضي مفارقاته أن الشنيع و البديع تقنعا... و القميء و الوضيء احتجبا...
الطريف أن الخراساني ادعى سبب تقنعه لئلا يحرق أتباعه بنور وجهه... يعني أنه برر إخفاء قبحه الذي يؤذي الناظر بفرط الجمال الذي يؤذي الناظر...
و لئن كان مألوفا أذى القبح بتوحشه مما يفضي إلى الفزع منه و الهرب... لكن ما يدعو للتأمل حقا هو إلى أي حد يمكن أن يبدو الجمال مؤذيا بل ربما حتى متوحشا و مثيرا للفزع؟ ذلك الجمال الذي يملأ النفس بجلاله و هيبته حد الهلع... إلى أي حد قد يكون سببا للهرب خوفا من الاحتراق و التلاشي؟
لـ ريلكه الشاعر النمساوي شعر قوي _فحتى أنا التي لا تستشعر الشعر المترجم قد نفد إلي شعره، فأعدت ترجمته بطريقتي_ يقول فيه:
لو صرختُ فأي من هيئة الملائكة سيسمعني؟
و حتى لو ضمني أحدهم لقلبه فجأة، فسأتلاشى من وجوده الطاغي...
فما الجمال إلا بداية الرعب... بالكاد نطيقه...
و يبهتنا، لأنه يأنف أن يفنينا لجلاله...
ألا و إن كل ملاك مرعب...


ألا يبدو غريبا أن الجمال و القبح قد ينتهيان إلى نفس المآل؟ كلاهما قد يفزعان... فهل يتشابهان؟

أم الذي يتشابه هو قلب الإنسان الذي يردا عليه، فإذا هو هش ضعيف مرتجف لا عزم له، فما من معنى إلا يروعه و يفرطه و يصعقه... ألم يخلق الإنسان هلوعا؟

 

سأتوقف هنا عن الكلام، إذ الفكرة ما زالت ضبابية في رأسي... فما علاقة الجمال بالفزع؟ لا أدري...


 

 20 شباط 2014

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

ثقب أسود!

 

 


أن تكتب يعني أن تعلن أنك موجود... و إن كنت ما زلت موجودا فأنت مكشوف و ظاهر...
أن تعبر عن هذه الأنا، أن تتحدث، يعني أن تقف أمام الوجود عاريا لا شيء يحمي ظهرك...
أن تكون حيا، يعني أن تكون ما زلت عرضة لكل الأذى الذي في هذا الوجود... و لن تستطيع أن تحتفظ بأناك مبعدة مغلقة محمية من كل شيء...
لطالما فتنني الثقب الأسود... فهل من وجود منظور أقوى من الثقب الأسود... منيع بصمته... يطوف الفضاء غير هياب، فما من شيء يمكن أن يناله إطلاقا... ما يقترب منه شيء إلا يغرق فيه و يتلاشى في سكونه المطبق... و لا يخرج منه شيء... و ليس في هذا الكون المروع ما يمكن أن يخدش هدوءه...
ماذا لو أنك مبتلى بكونك إنسان و لست ثقبا أسودا... و الإنسان هو الحيوان الناطق، كما أخبرنا المناطقة... فأنت مبتلى بالحياة... أنت موجود... حتى لو تظاهرت بأنك غير موجود... ثم أنت مبتلى بهذه الأنا الناطقة التي تغلي الكلمات و المشاعر و الأفكار فيها، تكاد تتفجر خارجا أو تصهر داخلك و لن تكون ثقبا أسودا هادئا مهما حاولت...
حتى أنك لا تستطيع أن تكون سلحفاة، و هي وجود فاتن بأمنه أيضا، و إن كانت أقل فتنة من الثقب الأسود بكثير، فأنت لا تخرج الكلمات كما تخرج السلحفاة رأسها، لأنك لا تستطيع أن ترتد إلى حيث هي ترتد متى شعرت بعدم الراحة كإياها، و كأن شيئا لم يكن و كأنك غير موجود... و كأنك مجرد حجر... فالكلمات بمجرد أن تخرج تصمك بالوجود... تصرخ بالأنا... تتفلت من قبضتك و تلتصق بك... فلا هي تنفصل عنك لتدعك و شأنك و لا هي تكون طوع بنانك فتتحكم بأقدارها...
كلما فكرت بأن أكتب شيئا، أو فكرت بأن أستخدم ضمير الأنا في التعبير عن أي شيء، أو فكرت بأن أفتح فمي... فكرت إن كان الأمر يستحق كل هذا العناء...
ربما لا يستحق... و ربما يستحق... لا أدري حقيقة... و لو أن عادتي دفع التعبير عني، و كثيرا ما أنجح و كثيرا أقل ما أفشل...
لكن إن كنت إنسيا مثلي ما زلت موجودا و لست ثقبا أسودا منيعا و لا سلحفاة بسيطة، فما هي الخيارات الأخرى التي تملكها لتخفف من صخب هذه الأنا داخلك التي تضج بوجودها إن لم يكن عبر الكلمات؟
 

 16 تموز 2014

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

هدوء...

 

 

(في الخارج الهدوء في الداخل الجمر) خط حسن المسعودي

 


كنت أفكر في كيفية الكتابة عن كلمة شغلت تفكيري مع تجنب استخدام ضمير الأنا، و هو الضمير الذي بت أتحرج في استخدامه لما قد يبدو في الأمر من وقاحة و ربما عبث، فما معنى أن تتحدث هذه الأنا عما يمر عليها، في خضم كل هذه الأنوات المنكوبة و المزهود بها... ما قيمتها أصلا لتجسد حضورها في الكلمات... هذه الخواطر التي تركل في رأسك بين الجدوى أو اللاجدوى و التماهي مع الموت أو محاولة الحياة، هذا الصراع الذي صار متكررا مع كل شعور بشيء جميل أو تأمل منفصل عن الواقع يعتلج داخل المرء... نعم قد عبرت بـ(داخل المرء) التفافا على (داخل الأنا) و الأصدق أن هذه أيضا التفافا على كلمة (داخلي) مع ياء الملكية... هذه الياء التي لم تعد تستوثق إلا من ملكيتها هي، حتى لو أنك لم تمتلكها حقيقة... فلا أحد يمتلك قواعد اللغة، لحسن الحظ و لله الحمد، بعيدا عن هراء أن الرجل ملك اللغة فجعلها مذكرة و حرم الأنثى منها، أو هراء أن أصواتا اعتباطية تغيرت عبر ملايين السنين إلى لغة مبينة منضبطة بقواعد، فلن تستيقظ غدا فتجد الياء عادت زعقة هائمة لامعنى لها... لن تُسلب ياءك، كما سلب كل شيء آخر منك، هذه اللغة التي لا سلطان لأحد عليها إلا الذي أبدعك و أبدعها...
و ها أنا وصلت لهذا السطر و أظن أني تجاوزت المقدمة التي لطالما كرهت كتابتها... أليس كذلك؟ حتى و لو باستخدام الضمير المخاطب أو الغائب المخفف من غلواء وقاحة ضمير المتكلم، لكن هل حقا تغيير الضمائر سيغير هذا الصراع الداخلي و يعطي الجدوى و السلوى؟ لا أدري... يا لهذا الدماغ! حتى التلذذ بأبسط متعة و هو تقليب كلمة في الذهن فقط لأجل متعة تذوق الكلمة بات أمرا مستنزفا للطاقة... فضلا عن أن التعبير عنها رفاهية مخجلة...
سأوقف هذا النقاش في هذا السطر حالا و فورا معلنة انتهاء المقدمة حتى لو لم تنته... أوف بس...
 

هدوء... الهدوء النعمة التي مغبون فيها كثير من الناس... لا يعلم المرء عظمتها حتى يجرب قعر الجحيم الأرضي مذكرا إياه بشهيق جهنم و هي تفور... الهدوء هي واحدة من أحب الكلمات إلي... و في هذا الجنون الذي بلغ مداه... فقد صار اليوم الكامل هو اليوم الهادئ... و الحدث السعيد هو اللاحدث... و المستقبل المشرق هو المستقبل الهادئ... و النزهة الأجمل هي مشاهدة العالم بسكون من خلف نافذة منزلك... و الرجل المثالي هو الرجل الصامت... و القط الأجمل هو القط السمين الجامد... الجنة هي الهدوء... أن تجلس هكذا فقط تستمتع بالهدوء نعمة لا تدانيها نعمة...
و لأنها كلمة عزيزة... فكنت أمتع نفسي بتقليبها في ذهني... فهذه الكلمة لذيذة معنى و مبنى، حتى التلفظ بها يشعر النفس بالانشراح، فما مدى ارتباط الكلمة بمعناها يا ترى؟
يخبرنا اللغويون أن للحروف معان استخلصت من صوتها و مخرجها من الفم و من الكلمات التي لا تحتوي إلا حرفا واحدا مكررا:
فالهاء لاستفراغ ما في الجوف بقوة من دون عائق
و الدال تعبر عن ضغط بامتداد ضغطا يحبس
و الواو هي اشتمال و احتواء
و الهمزة ضغط دقيق يقطع الزمير الخارج من الحنجرة، لكن لكونها يمكن تخفيفها عادة من الكلمات، فلا معنى لها بذاتها إلا بالضغط لتأكيد ما تنصب عليه من الحروف.
و حين ورود الهاء على الدال فكأن الفراغ غلب التماسك و الاحتباس و انصب عليه فزعزعه و جعله منسابا (مثل: هد)، و لما في الواو من اشتمال فقد احتوت كل ما سبق حتى سكن فيها.
ألا يمكن كل هذا ؟ حسن ربما... ففكرة وجود الاحتمالية بين اللفظ و المعنى يجعل الكلمات أكثر متعة من قول أن اللغة عبارة عن أصوات اعتباطية اصطلحت على المعنى... و لكنها احتمالية فقط لتثير الأفكار، و ليس ذريعة للشعوذة و الهوس... و لن أعاود الحديث عن طاقة الكلمات و هذا الكلام، فكما تعلمون أو ربما على الأغلب لا تعلمون، قد عافت نفسي الفكرة كما قلت في معرض حديثي عن رواية بندول فوكو، حيث تشهد كيف يصل الهوس بفكرة حده المرضي، فيقتل الوهم صاحبه أو يفقده عقله أو دينه و هو يحسب أنه يمتلك فهما لم يملكه أحد من العالمين محرفا الكلم عن مواضعه عبر تأويلات تلوي عنق النص، أو يحسب أنه أوحي إليه بل حتى تألـّه... لمجرد أن مخيلته واسعة و قادرة على التلاعب بالكلمات و غواية الناس...

لذلك مع حبي لكلمة الهدوء، ورغم كل الأفكار العجيبة التي عرضت لذهني و أنا أشرّح أحرفها، و لكنها تبقى كلمة و ليست تميمة سحرية تحمل في داخلها إكسير الهدوء... أو ربما تحمل؟
حين كنت صغيرة شاهدت فيلما حيث كان هناك نيزك سيضرب الأرض و يدمرها نهائيا، فهاج الناس و ماجوا و جنوا و كان التلفاز يعرض مشاهد حية من اقتراب هذا النيزك و هو يعد عدا تنازليا و الناس يصرخون من كل مكان، و إذا بامرأة استفزت حتى مداها الأقصى من شدة الفزع فصرخت بأعلى صوتها أن هدووووء... و إذ يتوقف كل شيء عن الحركة إلا حركتها...
هذا و قد حصل أني قد جربت الأمر و لكن و يا للمفاجأة لم يتوقف شيء... مدري ليه... و للحقيقة لا تستطيع إلا أن تحاول في كل مرة، من يدري ربما ينجح الأمر يوما... أو يأتي اليوم الذي تهدأ فيه الهدوء الأبدي و حينها ستكون نفس النتيجة المرجوة... و هو انتهاء الضجيج المجنون سواء بسكونه أو سكونك...
و بعيدا عن الهوس و الخيال و الأفكار المسطولة، هذه الأحرف تبقى هي سر الله المعجز، كدعوة للتفكر و قد وضعها في أوائل سوره، هكذا مجرد أحرف عارية... أحرف بسيطة و صغيرة هي ما تشكل كل عالمك أيها الإنسان... لغتك وعيك و أفكارك و عالمك الداخلي... و التأمل فيها مثل الانغماس في حلم جميل...
و ما يجعل الهدوء فاتنا أن إثارته نابعة من ذاته، مستقل بنفسه لا يحتاج إلى شيء معه، لأنه يجعلك تتوجه للداخل... و هو خطر كونه مبهما غير مجسد و لا مكشوفا فيمكن احتواءه، و فراغ يـُملأ بما لا يمكن التكهن به... و لأن الإنسان في فعل مستمر بحيث حتى (هدأ يهدأ) هو فعل... فإنه حين يهدأ الخارج يتأجج الداخل... فلا تأتي العواصف إلا بعد الهدوء و لا الأفكار السامقة إلا بعد فترة من هدوء و نظر...
و لذلك لن يجعلوك تهدأ ما استطاعوا...

 

و على كل الأحوال، أنا أحب الهدوء، هذه كل الحكاية...

 

استمع: هدوء لـ آمال المثلوثي

 

 10 أيلول 2014

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

من الغزالي إلى عرض البحر

 


يورد مصطفى صبري كلام أحد الكتّاب المسلمين و هو يتهم الإمام الغزالي بأثره السيء على العلم و العقل و الفلسفة و صالح المسلمين العام لأنه قال بارتباط الأسباب بالمسببات ارتباطا عاديا لا ضروريا، و أنه ما جعل المسلمين يتواكلون و يتراجعون و لا يفعلون شيئا منتظرين معجزة ما!!! ثم يرد عليه بقوله:
(و إنا نرى للدكتور كاتب المقال حق الإنحاء باللوائم على مسلمي زماننا لكن المسؤول عن استحقاقهم الملام لم يكن قول الإمام الغزالي عن ارتباط المسببات بأسبابها إنه عادي لا ضروري. و لم يخطئ الغزالي في ذاك القول خطأ كبيرا و لا صغيرا كما زعم كاتب المقالة و لا هو بمنفرد فيه بل هو مذهب جميع علماء الإسلام من أهل السنة. و إنما الخطأ العظيم في الكاتب حيث ظن أن القول بكون الارتباط بين المسبب و السبب عاديا لا ضروريا مساو لإهمال الأسباب و انتظار المعجزة، مع أن كون الصلة بين الأسباب و مسبباتها عادية معناه أن الله تعالى جرت سنته على خلق المسبب بجانب السبب مختارا في خلقه لا مضطرا غير قادر على عدم الخلق مهما كان ذلك أي الخلق سنة مطردة له، و هو الذي جعل السبب سببا و المسبب مسببا.
يعني أن حصول المسبب معقبا للسبب يكون تابعا لإرادة الله بهذا التعقيب لا ناشئا من طبيعة الأشياء كما يعتقده الملاحدة و لا ناشئا من كونه تعالى فاعلا غير مختار في أفعاله كما يعتقده الفلاسفة، و عقيدتنا نحن المسلمين أن النار تحرق ما تحرقه بإذن الله و الغذاء يشبع الجائع و الماء يروي الظمآن بإذنه.. فهل لا يكفي كاتب المقالة أن التأمين على ارتباط المسبب بالسبب إرادة الله الذي ربطه به؟ و هل هو يريد الارتباط المطلق المستقل عن إرادة الله بحيث لو أراد الله أن يفك بينهما لاستعصيا عليه؟ أو أن ذلك الارتباط واقع لا محالة غير متوقف على إرادة الله و لا على وجود الله؟)

من كتاب مصطفى صبري: موقف العقل و العلم و العالم من رب العالمين و عباده المرسلين ج2/158
و كم يكرر الكثيرون مثل هذه العبارات الجاهزة عن تراثنا من دون التوقف و لو لبرهة للتفكير بمدى مصداقيتها أو صحتها... و عادة ما يبدأها مستشرق، فيتلقفها الكثير من مثقفي العرب كمسلمة ينافحون عنها ضد منتقديها، و تصير من الثبات بحيث لا يهدمها في أذهانهم شيء، اللهم ربما إلا مستشرق آخر أكثر إنصافا أو أكثر حدة في الذهن في فهمه للنص التراثي. و في مثال الغزالي هذا، فهناك من فعل و هو فرانك غريفل Frank Griffel كما ذكر في مقابلة له النتائج التي خرج بها في كتابه Al-Ghazali's Philosophical Theology، منتبها إلى فكرة الغزالي الدقيقة هذه التي نبه إليها منذ عقود مصطفى صبري، صاحب هذا الكتاب العظيم الفكر القليل الذكر، و الذي يجعلني مصدومة كلما تعمقت به أن كيف لم أسمع به إلا مؤخرا... مثل كثير من الكنوز المهجورة، على مؤلفه شآبيب الرحمة... و الحقيقة أنها المرة الأولى التي أستخدم فيها هذا التعبير (شآبيب الرحمة)، و أشعر بالانتعاش لاستخدامي تعبيرا جديدا و غريبا، و كأني من أولئك الكتّاب القدماء الفصحاء، و من غير مصطفى صبري صديقي الجديد الحالي يستحق أن أستفتح به استخدامي له... و حتى لا أستخدم مصطلحا لا أفهمه تماما فقد سألت المعجم فأخبرني مشكورا بأن الشآبيب جمع الشؤبوب و هو الدفعة من المطر... ألا تبدو كلمة شؤبوب كلمة لذيذة؟ تذكرني بكلمة دعبوب، هذه الكلمة التي لا أنساها و قد مرت معي في قصيدة جميلة من ترجمة إحسان عباس لرواية موبي ديك، و أنا لم أحب موبي ديك هذا و لا الحوّات المهووس به الذي يريد أن ينتقم منه لقضمه رجله، و لا الفلسفة الحوتية و مغامرات البحار، و لكني أحببت الترجمة المبهرة و فهمت لماذا سموه بشيخ المترجمين، مع أني لا أدري من هم الذين يطلقون هذه التسميات، و أنهم كثيرا ما يضللونا بتسمياتهم، و لكنهم هذه المرة قد وفقوا، إذ لم يعلق في ذهني من تلك الرواية التي كنت أنام كلما فتحتها إلا براعة ترجمتهما و فخامة كلمات هذه القصيدة الصغيرة:
آه إن الريح طروب
و الحوت ساخر ضحوك
و البحر فتى دعبوب مرح لعوب ساخر ضاحك مجّان،
و الرشاش يتطاير
و هذه إصبعه تثير زبداً
حين يتململ في العبير
و البحر فتى دعبوب مرح لعوب ساخر ضاحك مجّان،
و الرعد يشق السفين
و إنما هو يتمطق
إذ يلعق إصبعه
و البحر فتى دعبوب مرح لعوب ساخر ضاحك مجّان
الآن و قد صرنا في عرض البحر على ظهر السفينة، هل تذكرون من أين بدأنا؟

16 كانون الثاني 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

نموذج عن استحضار التاريخ!

 

 مخطوطة الإيساغوجي لحنين بن اسحق العباد
Iluminure from the Hunayn ibn-Ishaq al-'Ibadi manuscript of the Isagoge
زخرفة من مخطوطة الإيساغوجي لحنين بن اسحق العباد


لا شيء يشعر المرء بحميمية الشخصية التاريخية و قربه منها مثل قراءتها حين تتحدث عن نفسها مستخدمة ضمير الأنا...
يروي حنين بن اسحق بتأثر عن المحنة التي أوقعه بها أهل صنعته و أخوة ديانته (و هو أكثر ما حز في نفسه)، فلعلو مكانته و اتقانه لعدة لغات و تقدمه في الترجمة و الطب، و محبة الجميع له كما يذكر، امتلأت صدورهم حسدا له، فكادوا له مكيدة أمام المتوكل و اتهموه بأنه زنديق معطل للنبوات، متخف بدين النصارى بينما هو يبصق على الأيقونات المقدسة. و أثبتوا التهمة عبر خدعة ماكرة قام بها بختيشوع بن جبرائيل. حيث أن بختيشوع قال لحنين أن المتوكل أعجب بأيقونة نفيسة للمسيح و أمه، و أن عليه أن يبخسها أمامه كما فعل هو، حتى لا يحوز عليها. فانطلت الخدعة على حنين و بصق عليها في حضرة المتوكل. فما كان من المتوكل إلا أن حبسه و قد عقد العزم على قتله... و بعد أن ضاقت الأرض على حنين دعا الله بالفرج... فمرض المتوكل مرضا أقعده، و لم يفده الأطباء الآخرون، فما كان إلا أن استدعى حنينا الذي جعل الله الشفاء على يديه فعفا عنه، و أكرمه ما لم يكرم طبيبا مثله، بل و أجبر شانئيه الذين كادوا له و طلبوا قتله أن يدفعوا له ديته... يقول حنين في نهاية سرده لقصته: (و إنما ذكرت سائر ما تقدم ذكره ليعلم العاقل أن المحن قد تنزل بالعاقل و الجاهل، و الشديد و الضعيف، و الكبير و الصغير، و أنها و إن كانت لا شك واقعة بهذه الطبقات التي ذكرنا، فما سبيل العاقل أن ييئس من تفضل الله عليه بالخلاص مما بلي به، بل يثق و يحسن ثقته بخالقه، و يزيد في تعظيمه و تمجيده. فالحمد لله الذي منّ علي بتجديد الحياة، و أظهرني على أعدائي الظالمين لي، و جعلني أفضلهم رتبة، و أكثرهم حالا، حمدا جديدا دائما.) ص167 من كتاب ترجمة النفس؛ السيرة الذاتية في الأدب العربي، لـ دوايت ف. راينولدز

الملاحظة من كلام حنين أن عددا كبيرا من الأطباء كانوا نصارى من أهل ملته قد أحضرت لذهني فيلم الطبيب 2013 The Physician الذي تقوم حبكته على طبيب من بلاد الانكليز حلمه أن يتعلم الطب على يد ابن سينا، و لكن و حسب ما يخبرنا الفيلم بأن المسيحيين كانوا ممنوعين من تعلم الطب عند المسلمين حينها، فتخفى كيهودي، و حين تعقدت حبكة الفيلم لم يكن من مفر إلا أن اعترف بمسيحيته، و كأنه حينها حكم على نفسه بالقتل...

حسنا، هذا الفرق بين الصورتين يلخص جانبا من السجال في المشهد الحالي، حيث تشعر أن كثيرين (سواء حاقدين أو نقيضهم من المتعصبين) لا يتصورون التاريخ إلا بنسخته الإستشراقية الهوليوودية... 

 

18 كانون الثاني 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

 

دمشق المملوكية

 

 

 

Venetian Embassy to the Mamluks in Damascus in 1511 workshop of Giovanni Bellini


وفد سفير البندقية بدار الذهب بدمشق عام 1511م، أمام السلطان قانصوه الغوري، رسمت في محترف بلليني

 

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

 

منمنمة عن دمشق

 

 

Detail of a miniature of the siege of Damascus by Crusaders


حصار دمشق من قبل الصليبيين 1148م، منمنة من المتحف البريطاني، راية الألمان (النسر الأسود)، راية الفرنسيين (أزهار الزنبق الذهبية)، راية ملك القدس (الأسد).
الشرح من كتاب دمشق في مرآة رحلات العصور الوسطى، لـ أحمد إيبش

9 أيار 2015

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

 

فكرة لغوية


كنت أقرأ عن فلسفة شارل بيرس _الفيلسوف الأمريكي أحد مؤسسي البرجماتية و علم السيميائية المعاصرة_ فكرته: (أن المعنى يتحدد حين يتحدد نوع السلوك المترتب على أمثال هذه الكلمات، وما دمنا لم نحدد بعد مثل هذا السلوك بالنسبة لكلمة من الكلمات فستظل بلا معنى، فلذلك لا يمكن أن نحصل على معنى الكلمة إلا بعد ادراج الحقائق التي تنطبق عليها.)
فتذكرت أن هذه الفكرة مألوفة و ليست غريبة فقد مررت بها قبلا، في هذه المقولة لابن القيم: ( اللفظ عند تجرده عن جميع القرائن التي تدل على مراد المتكلم بمنزلة الأصوات التي ينعق بها، فقولك: تراب ، حجر، رجل، بمنزلة قولك: طق، غاق، ونحوها من الأصوات، فلا يفيد اللفظ ويصير كلاما إلا إذا اقترن به ما يبين المراد،)...
و فكرته هذه متابعة لأستاذه ابن تيمية في نفي وجود لفظ مطلق بلا سياق، إذ لا بد حتى يكون اللفظ مفيدا أن يكون مقيدا بقيود، من انتظامه مع غيره في الكلام، و معرفة عادة المتكلم الخ...

 

17 أيار 2015    

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

 

إيشر و بورخيس و سلمى في المتاهة

 

 

النسبية لـ إيشر

 

Relativity By M. C. Escher


لم أكن أعلم أن الرسام الهولندي إيشر Escher صاحب اللوحات المبهرة بتدويخها للناظر متأثر بالفن الإسلامي... إذ يعتبر من أشهر فناني القرن العشرين الذين استلهموا من الفن الإسلامي الهندسي، و خاصة من نماذج القرميد المستخدم في قصر الحمراء الذي رآه عام 1936 و قضى أياما عديدة يرسم الخطوط الرئيسية لهذه النماذج، و قال بعد ذلك: "كان هذا أغنى مصادر الإلهام التي نهلت منها في حياتي." و يقول أيضا عنه: "يظل هذا الفن، في نظري سؤالا مفتوحا: هل ينتمي إلى الرياضيات أم ينتمي إلى الفن." هذا ما ذكره عنه سليم الحسني في الكتاب الذي كتبه مع آخرين: "ألف اختراع و اختراع؛ التراث الإسلامي في عالمنا". و هو كتاب جميل و غني و مليء بالصور الملونة الحلوة...
فإذن هذه المعلومة سبب إضافي لجعلي أحب هذا الإيشر بالإضافة للوحاته الغريبة المدوّخة، و خاصة لوحته النسبية Relativity التي لها ذكرى خاصة عندي، فقد اخترتها يوما لتكون غلافا لمجموعة قصصية كنت أفكر في نشرها، قبل أن أغير رأيي و أكره هذه القصص و أرميها، كعادة معظم الأشياء التي أكتبها و تمر عليها فترة من الزمن فأنقلب عليها و أمجها... فالكتابة الناقصة آنية عمرها قصير مثل الطعام، يتعفن بمرور الوقت عليه، إن لم يستهلك من فوره فسرعان ما يفسد و يرمى...
و جدير بالذكر هنا، و لا أدري لماذا جدير بالذكر، و لكن يعني سيرة و انفتحت و أفكار و تداعت و ثرثرة و اندلقت، أن غلاف المجموعة القصصية "الألف" لبورخيس التي أملكها هي لوحة من لوحات إيشر أيضا... و بما أن بورخيس هو أبو التوهان القصصي و إيشر أبو التوهان الرسومي... فمن الطبيعي أن يجتمعا، حتى لو في كتاب و غلافه...
و هذا يقودنا لتساؤل منطقي مهم، أنه إن كنت و بورخيس قد اشتركنا في رسومات إيشر كغلاف، و نشترك في الخوف من المرايا ليلا _كما ذكر عن حاله في كتابه، و ذكرته عن حالي في معرض حديثي عن كتابه و حاله، و كنت و إيشر اشتركنا في أنه متأثر بالفن الإسلامي، و أني نشأت في بيئة تراثها فن إسلامي، ثم كنا قد عرفنا مسبقا أن بورخيس أبو المتاهات و اللانهائيات القصصية و إيشر أبو المتاهات و اللانهائيات الرسومية... أفلا تؤدي كل هذه المقدمات إلى نتيجة منطقية جدا و مهمة، ألا و هي أن سلمى أم المتاهات و اللانهائيات السلماوية...

 

28 أيار 2015   

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\


 

 

 

الفصل الثاني:

 

· إيشر وبورخيس وسلمى في المتاهة

· فكرة لغوية

· منمنمة عن دمشق

· دمشق المملوكية

· نموذج عن استحضار التاريخ

· من الغزالي إلى عرض البحر

· هدوء

· ثقب أسود!

· الجمال و الفزع... فكرة ناقصة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 

 

الفصل الثالث

 

 

الفصل الرابع