كتاب البهاليل ج2

                          

 

 

 

                                        



الحراق إصبعو و ابن خلدون و تيمور لنك
 

 

يقول ابن خلدون في ما جرى في مقابلته مع تيمور لنك في نواحي دمشق:
(ثم أشار (أي تيمور لنك) إلى خدمه بإحضار طعام من بيته يسمونه الرشته، و يحكمونه على أبلغ ما يمكن، فأحضرت الأواني منه و أشار بعرضها علي، فمثلتُ قائما و تناولتها و شربت و استطبت، و وقع ذلك منه أحسن المواقع. ثم جلست و سكتنا و قد غلبني الوجل بما وقع من نكبة قاضي القضاة الشافعية)
ثم يعلق المحقق أحمد إيبش على الكلام بقوله: "الرشته طعام يصنع بعدس و لحم و شرائط من العجين. ذكره المؤرخ الدمشقي يوسف بن عبد الهادي في رسالته (الطباخة) بالاسم و الوصف. و لا زالت الرشتايه إلى اليوم بدمشق تطلق على أكلة بها شرائط عجين، و من مشتقاتها أكلتان شعبيتان: ستي زبقي و حراق اصبعو."
---
من كتاب دمشق في مرآة رحلات العصور الوسطى لـ أحمد إيبش
---
إذن الحراق اصبعو أصله من تيمور لنك على ما يخبرنا به إيبش... بقي أن نعرف لماذا حرق اصبعه... ربما لكثرة ما هي لذيذة، لم يتحمل انتظارها لتبرد، فأكلها و حرق اصبعه... أظنني من الآن فصاعدا سأتذكر، كلما شاهدت الحراق اصبعو أو ستي ازبقي ابن خلدون في هذا الموقف العصيب و هو يزدرده على وجل أمام تيمور لنك...

 

9 آب 2015

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



معسكر للعرب المسلمين قرب الرها (Edessa حاليا أورفة)، و مأدبة يقيمها حاكمها لقادتهم.
رسمة من مخطوطة يونانية (عن تاريخ بيزنطة) باسم سكيليتزيس مارتيتنتس Matritensis Skylitzes أو ما تسمى بـ مدريد سكيليتزيس Madrid Skylitzes من القرن الثاني عشر الميلادي... في المكتبة الوطنية بمدريد.

 


 

20 آب 2015

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



بقربنا مسجد كل ما أذن أحد مؤذنيه انتشلني من كل ما يـُغرِق في هذا العالم الموحش المتوحش، و أخرجني من السياق و جعلني أشعر أن الأمور ستؤول إلى خير...
و لسرعة تحول المشهد في لحظتها ينتابني الارتباك... فلا أعود متأكدة من السوداوية التي كنت أراها لتوي...
{وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبّهمْ رَشَدًا}

https://www.youtube.com/watch?v=JzBtzkrzcf4
الله أكبر على كل شيء...
 

31 آب 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



ضمن نطاق اللغة
 

تدهشني تلك العلاقة بين اللغة و العقل من جهة و الوهم من جهة أخرى... و لا أدري أيهما يتلاعب بالآخر، اللغة بالعقل أم العقل باللعة... لكن النتيجة هي القدرة على ابتداع الوهم "عبر احتوائه في جملة" و من ثم تصديقه... و كأنه كان بمجرد التفكير بكونه...
هناك من يظن أن كل ما يخطر في عقله و بمجرد قدرته على إنشاء جملة حوله قد صار حقيقة أو أنه أمر منطقي أو علمي أو مطابق للواقع أو أمر يستحق الاعتداد به... و بذلك حين تسأل عن المنهج الذي اتبعه في البرهنة على الفكرة؟ فتٌجاب بأنه المنهج العقلي...
و ما هو المنهج العقلي؟
قدرتك على إنشاء جملة عنه؟
من الضروري تذكر دائما أن كل شيء ممكن ضمن نطاق اللغة... المتناقضات و المستحيلات الرياضية يمكن وضعها في جملة... حتى الوجود برمته يمكن أن تنسفه بجملة...
و بالتالي هذا الموقف "العقلي" يمكن أنه ليس أكثر من وهم أو شعور ذاتي أو خيال أو هوى أو مزاج أو حتى خبل، قد عبرت عنه اللغة...
 

23 أيلول 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



الحجاج على عرفة، لوحتين من بدايات القرن العشرين. للرسام المستشرق الفرنسي ألفونس إتيان دينيه المعروف بـ ناصر الدين دينيه Nasreddine Dinet

 

 

 


 

23 أيلول 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



العيد عند المسلمين في الدولة العثمانية، نقيشة من القرن الثامن عشر لـ فولكما و بيكارت (Folkema & Picart)

 


 

2 تشرين الأول 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



تأملات عن العقل و اللغة
 

أشعر باستعصاء في الكتابة و بخفوت للرغبة فيها مع تضاؤل بالثقة، كلما قرأت أكثر و زادت في رأسي كمية الدلالات أو الالزامات التي يمكن أن يولده تعبير ما... و ذلك كلما وقعت على نماذج عملية عن العلاقة العجيبة بين اللغة و العقل، و كيف يضلل أحدهما الآخر، و لا أدري حقيقة أيهما يتحكم بالآخر و سابق عليه...
كتاب فلسفة المتكلمين لـ ولفسون الذي أقرؤه حاليا يدخلني بحالة من التأمل الطويل عن الصلة بين اللغة و العقل، و الكلمات و دلالاتها... كلما قرأت فيه فصلا شعرت باستغراب و لبثت فترة أفكر... ما يلفت نظري ليس الآراء بحد ذاتها، و إنما رؤية هذه الصلة بين اللغة و العقل في سبب تولدها... فحين تحاول اللغة الدخول إلى نطاق هو وارء اللغة أو وراء العقل _أو ربما من دون أو، فحدود اللغة هي حدود العقل، أو حدود العقل هي حدود اللغة، لا أدري؟_ المهم حين تحاول اللغة أن تقتحم الغيب (مثلا الله) فإنها تتحول إلى متاهة مضللة، فتتفكك الكلمات عن دلالاتها و تتقافز كحبات البشار مرتطمة بعضها ببعض... و تخرج عن وظيفتها بالبيان إلى هذيان... حتى كاد _أو ربما حصل_ أن يفسد العقل الفطرة اللغوية فلا يعود قادرا على تركيب المعنى _الذي تواضع عليه أهل اللغة ابتداء_ على كلمته... حتى لظننت أنه ربما يحتاج بعض المتكلمين أن يسأل عجوزا من عامة الناس عن معنى الكلمة حتى يستطيع أن يفهمها ثانية...
و لست أقصد أن الكلمات تبدو أقل من المعنى فلا تستطيع الاحاطة به كقول النفري "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"... بل ما أقصده أن الرؤية بحد ذاتها تبدو لي ضيقة و عاجزة عن الاتساع... فكلما حاولت الرؤية أن تتسع في فهم المطلق ارتطمت بحدود الدماغ البشري القاصر، فانقلبت خاسئة و هي حسيرة... فتهذي...
و كما يقول القشيري:
يا من تقاصر شكري عن أياديه ... و كلَّ كل لسان عن معاليه
وجوده لم يزل فردا بلا شبه ... علا عن الوقت ماضيه و آتيه
لا كون يحصره لا عين تبصره ... و ليس في الوهم معلوم يضاهيه
 

3 تشرين الأول 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



شهرزاد تروي الحكايا لشهريار. من رسومات الهولندي أنطون بيك Anton Pieck على ألف ليلة وليلة المصورة طبعة أمستردام 1943

 


 

8 تشرين الأول 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



الأمير بيبرس الدوادار Sultan Bondoudar موبخا جاسوسه لعدم اخباره بمناعة مدينة طرطوس التي كان يتحصن بها الصليبيون...
من المخطوطة الإسبانية: (أناشيد مريم العذراء Cantigas de Santa Maria) من القرن الثالث عشر الميلادي

 


 

10 تشرين الأول 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



عن الانحطاط و هودجسون

 


 منمنمة عثمانية في طب الأسنان

 

للمستشرق الأمريكي مارشال هودجسون Marshall Hodgson (ت1968) رؤية مختلفة فيما يتعلق بالتاريخ الإسلامي عما كان سائدا في أوساط المستشرقين... فهو يرى أنه ينبغي تصحيح التصور الغربي لتاريخ العالم لأن بقاءه على هذه الحال مسبب للضر و الأذى... و لذلك فقد حاول أن يخرج من هذه المركزية الغربية في قراءة تاريخ الإسلام و يتحرر من افتراضاتها المتحيزة، معتبرا أن مقولة الإنحطاط الإسلامي لا يمكن القبول بها جديا قبل القرن الثامن عشر... و أن العلماء الغربيين بحثوا الانحطاط الثقافي الإسلامي محاولين إبرازه في الفلسفة و الدين و العلم و الفنون دون أن يثبتوا أن هذا الانحطاط قد وجد حقيقة، و من دون تقويم للأعمال العظيمة التي وجدت في الحضارة الإسلامية في عصور ما بعد التتار المتهمة بالانحطاط، و لم ينتبهوا إلى أن النمو و الازدهار ينتقل من مكان لمكان ضمن العالم الإسلامي نفسه... و أن تقويمهم السطحي للمنجز الإسلامي أثبت أنه ذاتي غربي إلى حد كبير...
صحيح أنه قد حدث بعد ذلك و ابتداء من القرن الثامن عشر تراجع في العالم الإسلامي و حدث اضطراب في التطور، لكنه لم يكن بسبب انحلال داخلي أو فشل داخلي و لا بسبب أية ظلامية معينة في الدين الإسلامي كما يؤكد هودجسون... و إنما نتيجة أحداث خارجية لا سابق لها... و أنه قبل أن نطرح سؤال ماذا حدث في القرن الثامن عشر حتى بدأ التراجع، علينا أن نفهم لماذا حقق الإسلام نجاحا عظيما لمدة ألف سنة... و هذه قناعته التي توصل إليها في دراساته و هو يعيد كتابة تاريخ عام للحضارة الإسلامية...
منهيا كلامه بأن ما حصل للحضارة الإسلامية ليس مثالا عن قانون بيولوجي، يقضي بأن على كل عضو ازدهر أن ينحط لزاما... فالحضارة ليست بنية عضوية...
هذا ما ذكره في مبحثه " تصور تاريخ العالم" المنشور في مجلة الاجتهاد منذ التسعينات، و الذي أنزله مؤخرا موقع حكمة، الذي ينتقي مقالات قيمة منشورة و يوفرها...
مارشال هودجسون لديه أيضا كتاب ضخم باسم "مغامرة الإسلام The Venture of Islam" عبارة عن ثلاثة أجزاء كبيرة... يقرأ فيها التاريخ الثقافي للإسلام من هذا المنظور... نشرته زوجته و زملاؤه بعد وفاته... لم يترجم بعد للعربية، مع أن الكتاب مطبوع منذ السبعينات... لكن قرأت بتويتر أن المركز الوطني التونسي سوف يترجمه...
و إن كانت كتب المغرب العربي أقل توفرا، و الله وحده العالم متى ينتهي مشروع الترجمة، لكني وجدت بهذا الخبر حجة لاسكات ضميري _النائم أصلا_ لأني كنت ابتدأت بقراءة النسخة الانكليزية، لكني تقاعست و توقفت لكبر حجم الكتاب... صحيح أني أحب الكتب الكبيرة، و ما خيرت بين كتابين إلا اخترت أضخمهما... لكن هذا لا ينطبق على الكتب باللغة الانكليزية...

و بالنسبة لمقولة الانحطاط و رفضها، فسبق أن وضعت تفريغا لأهم أفكار محاضرة رضوان السيد (التراث و نظرية الانحطاط): عن أصلها الاستشراقي "غير البريء" و كيف تطورت ثم كيف تعامل معها العرب و المسلمون على اختلاف تياراتهم المؤدلجة منها و غير المؤدلجة... و كانت واحدة من أفضل المحاضرات في سلسلته (منهجية التعامل مع التراث)... هذه السلسلة التي تكاسلت و لم أكمل تفريغ أهم أفكار ما بقي منها، و ضميري النائم لم ينتبه للأمر... لكن إن شاء الله سأحاول إيقاظه من رقاده فلربما يدفعني لاكمالها...
هذا نص معظم ما في محاضرة رضوان السيد

http://www.helali.net/salma/ar/articles/heritage.htm#03
 

13 تشرين الأول 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



 

ما هي حقائق الأشياء؟

 


ما زلت مع كتاب فلسفة المتكلمين، و لا ينفك يصيبني بالدهشة... المبحث هذه المرة كان عن تقسيم الأشياء إلى جواهر و أعراض... ومن ثم الخلافات بين المتكلمين عن كيف يخلق الله الأعراض في الجواهر، يعني آلية الأمر، و كيف تنطبق الصفات على الذوات، و هل الصفات توصف، و كيف تلحقها صفة الإفناء و العدم... و أقوال و نقاشات و شد و جذب في أمور لا يمكن معرفة آليتها أصلا، بل هل يمكن أن تكون هناك ذات من دون أن توصف بوصف ما أيا كان... أما ابن تيمية فهو ممن خالف هذا التقسيم بين الذوات و الصفات، إذ أنه حسب قوله لا وجود للذات من دون صفات في الواقع، و كما هو معروف فإنه يعتبر الواقع أكثر من التجريد، كما يعزو سبب الكثير من الاشكالات إلى الخلط بين المفاهيم الذهنية و الوجودات الخارجية... و أذكر أني حين قرأت هذه المعلومة عنه في كتاب محمد يونس علي "علم التخاطب الإسلامي" شعرت بالدهشة أيضا، إذ كنت أحسب هذا التقسيم مسلمة...
ما يهم في كل هذا، و ما هو مسبب لدهشتي، أن النقاشات حول هذه المسائل تشعرني بمدى ضآلتنا كبشر، فما الذي نعرفه عن حقائق الأشياء بذاتها؟ إن كان مجرد التفكير في كيفية انطباق الصفة على الموصوف، يصيب الذهن بكل هذا الدوار... شعرت أننا لا نعرف شيئا... لا نعرف إلا علاقات ظاهرة بين الأشياء، نفكر فيها و نبني عليها و نخمن و نتخيل، لا نحن نعرف حقائقها الذاتية و لا كيف صارت ماهياتها كهي... و كلما تعمق المرء بمعاني هذه المعاني أحس بالدوران و انتهى لدوامات مسدودة تدوخه من دون الخروج منها بنتيجة... و كأننا نعيش حياتنا فقط على السطح... "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا"، هذه كل إمكاناتنا... ظاهرا... نتفا ساذجة و هزيلة... فإن كان الحال هكذا، فعلى أي أساس يتكبر الإنسان... ما الذي يملكه ليقف عليه و يتبجح؟
"و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا"
 

25 تشرين الثاني 2015
 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\



الفارس ممتط الماموث و أنا

 


منذ زمن بعيد لم أعد أثرثر بأفكار سلماوية ما بتعرف شو بدها، محتفظة بها لنفسي، موفرة على البشرية بعض الصداع، و مجنبة نفسي صراع الإفشاء للآخر شيئا عني... لكن حصل أن شاهدت أغنية غريبة ظريفة و راقت لي كثيرا، فتحركت بي تلك السلماوية...

الأغنية هي غناء فارس أسطوري يفتخر ببريته، فهو يمتطي الماموث، و يطبخ على نيران البراكين و طعامه الديناصورات و يجوب الغابات و السهول ليلا و لا أحد يعرف طريقا لكهفه... و قد حصل أن سمع به بروفيسور مجنون، فحاول ملاحقته بكاميراته، و لكنه لم يستطع العثور عليه... قد أرادوا اصطياده لاستعراضه على الشاشات و الحلبات، فما ظفروا به، و هرب منهم جميعا، و ما زال يجوب الغابات ليلا ممتطيا ماموثه، ناحتا شخابيطه التاريخية على الصخور، و لن يفلح أحد في أن يمسكه أبدا، أبدا أبدا...
و فيما كنت أتخيل نفسي أني أيضا على ظهر الماموث الوثير الآمن أتجول هاربة من كل مجانين هذا العالم و لا قدرة لأحد على الإمساك بي، إذ بنفسي المزعجة تفسد خيالي و تذكرني بأني لست أهلا لمثل هذه المغامرة البرية... فأنا مخلوقة مسالمة و ساكنة لا تستمتع بركوب الأشياء المتحركة بسرعة، ابتداء بالسيارات و انتهاء بالماموثات... بل كيف أطبخ الديناصورات على نيران البراكين المتفجرة، و أنا التي تتوجس من استخدام الفرن الغازي لكثرة الدعايات المحذرة لنا منه... كما أني أمحو الكثير مما أكتبه و أقلق مما أبقيه و أفكر بمحوه طوال الوقت لولا أن صديقتي تمنعني، فكيف أتركه محفورا على الصخور لا يمحى لآلاف السنين؟
حسنا... ربما نفسي الشريرة معها بعض الحق، فأنا لا أحب من المغامرات إلا التحليق في أرجاء الدنيا عبر أفكاري من خلف نافذة المنزل، أو القراءة عنها أو مشاهدتها من وراء شاشة... لكنما هذا لا يعني أني أرفض الماموث لذاته، و إنما فقط لما يرافقه عادة من حركة و ضجيج و نقش على الحجارة و طبخ على البراكين... لذلك كنت سأركبه لو تصادف و التقيت به و تفهم طبعي، أو أتى لزيارتي و عرض علي جولة صغيرة حول المنزل، و ما كنت لأرد طلبه... صدقا أقولها... فلا يقلقن أي فيل ظريف راغب بزيارتي بالنيابة عن جده الماموث الراقد في طبقات الأرض، أو حتى لأجل نفسه، من عدم حسي المغامراتي... لأنه سيأتي أهلا و سيطأ سهلا...
و هكذا توصلت أخيرا لحل يرضي جميع الأطراف: أنا المغامـِرة المتوهمة، و نفسي المثبـِّطة الواقعية، و أحفورة الماموث و سلالتها من الفيلة... و عادت الأغنية لتروق لي كثيرا...
و إن كان هو الفارس الذي يمتطي الماموث و يجوب الغابات ليلا مستعصيا على الترويض، فأنا السلمى الهادئة التي تستمتع بحكاية الفارس الذي يمتطي الماموث و يجوب الغابات ليلا مستعصيا على الترويض...

Vulgaris Magistralis By Normaal
 

4 كانون الأول 2015

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

أرندت والقراءة والشر وأشياء أخرى

 

 

في لقاء مع الفيلسوفة التي لا ترى نفسها فيلسوفة حنة أرندت، يسألها المذيع سؤالا فيما لو كانت تريد من خلال أعمالها الوصول إلى تأثير واسع...
فتجيبه:
(أهم شيء بالنسبة لي هو أن أفهم... فالكتابة بالنسبة لي هي جزء من عملية الفهم. الكتابة هي جزء أساسي في عملية الفهم... لأنه من خلالها يمكن إثبات أشياء معينة [...]
لو أن لي ذاكرة قوية فعلا، و أستطيع حفظ كل أفكاري أشك بأنني كنت لأكتب شيئا، فأنا مدركة لكسلي الذاتي [...]
ما يعنيني هو عملية الوصول للفكرة بحد ذاتها، طالما أني قادرة على التفكير بأمر فإني أشعر بالرضا. إن كنت قادرة على التعبير عن عملية تفكيري بدقة عبر الكتابة فهذا يرضيني أيضا... قد سألتني عن تأثير عملي على الآخرين، فإن كان لي الحديث بسخرية فسأقول أنه سؤال ذكوري، فالرجال يريدون دوما أن يكونوا مؤثرين. و أرى هذا بصورة ما كمشاهدة.
هل أرى نفسي مؤثرة؟ لا، إنما أريد أن أفهم. فإن فهم الآخرون بنفس الطريقة التي فهمت بها، فهذا يعطيني شعورا بالرضى و كأني بين أمثالي.)

الجواب وجدته ملخصا لطريقة رؤياي أنا أيضا... و كأ
نها قرأت دماغي... حب التفكير و إرادة الفهم و لذة العلم بالنسبة هو سبب القراءة و الكتابة... و كم تعجبني المرأة الشغوفة بالمعرفة لأجل المعرفة و التي تفعل لأجل أنها شغوفة بما تفعله و تريد فعله، و ليس لأنها تريد إثبات قدرة المرأة لرجل نصبته في ذهنها كهدف، و كأنها في استعراض تحد معه طوال الوقت... فهاتان المقاربتان المختلفتان للنساء تؤثران في الأسلوب و النتيجة... بالإضافة لتفويت لذة إرادة الأمر لذاته في المقاربة الثانية...
 

و حين سألها عن رأيها في قضية تحرر المرأة إن كانت تشكل مشكلة لديها...
فأجابت:
(نعم بالتأكيد دائما هناك مشكلة كهذه. لطالما كنت قديمة الطراز، و لطالما اعتقدت أن هناك مهن لا تليق بالمرأة، أو لأقولها بعبارة أخرى، لا يعدن هن فيها. فلا يبدو أمرا طيبا حينما تعطي المرأة الأوامر، عليها محاولة ألا تضع نفسها في مثل هذه المواقف إن أرادت أن تحافظ على أنوثتها. و لا أدري إن كنت محقة بهذا. لطالما عشت بهذه الفكرة من دون وعي مني بشكل أو بآخر، أو دعني أقول بوعي مني بشكل أو بآخر. و لم تلعب هذه المشكلة دورا بالنسبة لي شخصيا. و لأقولها ببساطة، لطالما فعلت ما أردت فعله، من دون الاكتراث فيما لو كان وظيفة للرجل. فلم أفكر في ذلك أبدا من هذه الناحية.)
 

و هكذا و كما ظهر من اللقاء برمته، فإن هذه الحنه تبدو سيدة مثيرة للاهتمام... و لم يحدث أن قرأت لها شيئا قبلا، و لم أكن أفكر في أن أفعل، _إلا مقالة عن اللاجئين نسيت ما جاء فيها لغرق الذهن بآلاف من كلمات و صور أخرى عن اللجوء أقرب إلي_، فهي تكتب في مجال السياسة الذي لا أقرأ فيه كثيرا، إلا مقالات و حوارات و نتفا من هنا و هناك... وفي الأعوام الأخيرة أضفت كتابا أو كتابين ضمن خطة القراءة السنوية تشرح توحش عالمنا الحديث، لأجل القبض على التعبير الأمثل العصري عن وضاعته، و آلية تحكمه في البشرية، لا أكثر... و إلا فإن الإفساد في الأرض و سفك الدماء يتشابه طوال التاريخ، و يمكن فهمه من خلال قراءة التاريخ أيضا، بيد أنه لكل زمن اصطلاحاته و لمسته حتى لو تكررت المفاهيم لتكرر موضوعه، أي الإنسان...
القراءة في مجال السياسة أو الاجتماع و خاصة نقد العصر الحديث، تشفي الغليل حين تعثر على الجملة الكاملة التي كانت تعتمل في ذهنك من مشاهداتك... و لكنها لا تملؤني بتساؤلات تجعلني شاردة، فإنما هي أمور واقعية أنظرها، لا غائبة عني، و أنا مسكونة أكثر بالنص و اللغة و التراث... و النتيجة التي وصلت لها كقارئة سلحفائية أنه لا يمكن للمرء أن يقرأ في كل شيء بتوسع إن أراد امتلاك تعمق في موضوع معين... فما تفعله القراءة الشاملة أنها تجعله يتحصل على ثقافة عامة و نزر يسير من كل شيء، و لكنها تحرمه من التعمق النوعي، و الفهم الأمثل لموضوع بعينه و التدبر فيه، و الإضافة إليه فيما بعد، ربما... فالحل في ضبط النف
س بمنهج معين للسير عليه و عدم الاستجابة لإغراءات الكتب و المواضيع التي لا تنتهي، فيتشتت الجهد... و لكن أيضا على المرء الإلمام و لو إجمالا فيما يشغل واقعه فلا يبتعد كثيرا عما هو حاصل... و هناك من الكتب ما هو لذيذ و مثر للخيال و تقرأه لأنه لذيذ و يبعدك عن كل شيء و كفى... و بعضها يعن لك قراءتها لأجل السخرية منها و التشاكل معها فقط...

و هكذا لا تنفك الكتب تشاكس القارئ بعناوينها و موضوعاتها و تضعف مقاومته و انضباطه بخطته _إن كان محظوظا كفاية ليكون له هدف و خطة و ليس حائرا ومشتتا_ ، و المبررات لا تنتهي أن ربما هذا أهم، لا ربما ذاك...

ثم إن هذا التأميل الدنيوي الساذج أن المرء قادر على قراءة كل ما حدثته نفسه به، يكون في بداية العمر... و حين يحصل أن تهتم بموضوع معين، فمع كل مفكر و كل كاتب و كل فكرة تعرض لك في أثناء بحثك عن الموضوع الذي كنت تفكر به، تخادعك نفسك بأنك ستقرأ لهذا و تتعمق في ذاك، و تسوّف و تحلم و تتخيل و تجمع كتبا و قوائم و ملفات الكترونية و تتخم رف التوريد عالجوريدز بأسماء لن تعيش لتقرأ نصفها... و كل باب خلفه ألف باب... و كلما تقدم بك العمر كلما اكتشفت حدود نفسك القاصرة، فتتواضع في رغبتك المستحيلة بالإحاطة بكل مجال، و تكثف جهدك بمجال واحد، و ما يحوم حوله... و كلما غرفت من البحر، كلما وجدت أنها لم تكن أكثر من قطرة صغيرة...
 

المهم و بعد كل هذه الثرثرة الطويلة، أود أن أقول أني لم أقرأ للسيدة، و لم تكن ضمن دائرة اهتمامي قبلا... لكن ما دفعني لمشاهدة اللقاء، هو أني شاهدت الفيلم المسمى باسمها...

 

 

و هو يتحدث عن الفترة من حياتها التي خرجت فيها بنظريتها عن تفاهة الشر، و ذلك بعد أن حضرت محاكمة لنازي، فصدمها ظهوره كموظف عادي متوسط الذكاء... لم يبد متوحشا داهية يملك عمقا شيطانيا من نوع ما، كما كانت تتخيل من شناعة جرائمه، و إنما مجرد موظف ينفذ التعليمات... و هنا كتبت عن ابتذال الشر، و كيف للشمولية أن تحول الشخص العادي لأداة قتل... فالشر هو التنفيذ من دون التفكير بين ما هو خير و شر...
فكرتها على عمقها تبدو مألوفة... لو جردناها عن الظرف المحيط بها، فسيبدو أن هذا هو ديدن البشرية على مر التاريخ و الحاضر... يقول الله تعالى عن فرعون و قومه: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين". فالخفة _كما يخبرنا جبل في معجمه الاشتقاقي المؤصل، الذي أحبه و أعتبر مشروع قراءته المتمهل من أهم ما يحصل لي_:
هي قلة كثافة الشيء في نفسه أو على حامله، و لذلك سمي الطائش خفيفا، لأنه كأنه لا لب له في رأسه يثقله و يعقله...

و ما زال فرعون يستخف الخفيفين، فيتبعوه!
 

و قد حصل أن هوجمت على إثر فكرتها هذه، و أسيء فهمها عمدا، لأنها كانت تشوش على الدعاية الصهيونية من كون ما حصل لليهود شرا استثنائيا شيطانيا، و استثماره... و لكن ما أرادت أرندت التأكيد عليه بالحديث عن عادية الشر، هو إبرازه كفعل بشري، يمكن لأي بشري لا يفكر بما هو خير أو شر أن يقوم به، أيا كانت قوميته تجاه أي شعب آخر... و ألفت بناء على هذه الحادثة كتابها: (إيخمان في القدس؛ تقرير عن تفاهة الشر)...

 

فكرة أخرى، لفتت نظري في الفيلم أنها تتحدث بإنكليزية ذات لكنة أجنبية قوية، بشيء من الإصرار... ثم ذكرت هذا في المقابلة، فهي تصر على إبقاء مسافة بينها و بين اللغة الانكليزية و أي لغة أخرى سوى لغتها الألمانية الأم، و تحاول الحفاظ على لغتها الأم عبر نطقها في اللغات الأخرى... و لذلك تبرز لكنتها و لا تحاول تشذيب إنكليزيتها، لأنه لا بديل عن اللغة الأم كما تقول... و هذا جعلني أفكر عن الفرق بين نظرتها و بين نظرة التحقير و السخرية بيننا نحن العرب لكل من توجد لكنة في انكليزيته منا، و لا يستطيع أن يرطن بها كأصحابها... و أحسبها فكرة موجودة لدى الشعوب التي تخجل من أن تظهر ذاتها في نطقها، فنفس الفكرة نجدها في الفيلم الهندي اللطيف و الرائق English Vinglish...

ثم على النقيض من هذا تجد الترحيب و التحبب بيننا للعربية المكسرة التي ينطقها الأجنبي!

و يا للعجب!

 

الفيلم يستحق المشاهدة، و ليت أن هناك الكثير من الأفلام على هذه الشاكلة...
 

بعد كل هذا، هل سأقرأ لها؟ مدري... على أية حال إن لم أجد متسعا في قائمتي للقراءة لها، فأسعدني أني شاهدت الفيلم واللقاء وتعرفت عليها... فمنذا الذي لا يحب التعرف على السيدات المفكرات المختلفات، سواء قرأ لهن أم لا؟ و قد ثرثرت قليلا عنها، و أضفت بعض الكتب على رف القراءة المستقبلية في الجودريدز و لدي كتاب الكتروني كنت حملته يوما ما، و عشت لحظة التأميل في كل هذا و كأني قرأت و أحطت!

من قال أن الوهم ليس بلذيذ أيضا!

و هكذا شعرت بالرضا فيما يتعلق بموضوع أرندت هذا... و حان الآن انتقالي إلى الكاتب التالي!

 

2 آذار 2016

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\


 

 

 


 

 

 

الفصل الثالث:

 

· أرندت والقراءة والشر وأشياء أخرى

· الفارس ممتط الماموث وأنا

· ما هي حقائق الأشياء؟

· عن الانحطاط وهودجسون

· بيبرس الدوادار

· شهرزاد

· تأملات عن العقل و اللغة

· العيد العثماني

· الحجاج على عرفة

· ضمن نطاق اللغة

· عن مؤذن

· صورة معسكر للعرب

· الحراق إصبعو وابن خلدون وتيمورلنك

 

 

 

الفصل الثاني

 

الفصل الأول

 

الفصل الرابع