كتاب البهاليل ج2

                          

 

 

 

                                        



عن قتل الكلام
 

 

كثيرا ما أشعر أن الأفكار الإنسانية على كثرتها و تنوعها تدور في نهاية المطاف في دوائر لا تخرج منها... و لذلك يحب دماغي الربط بين الأشياء... و خاصة بين الأفلام و الكتب... و أجد في ذلك متعة...
ففي أثناء قراءتي لكتاب (العلمانيون و القرآن: تاريخية النص) لأحمد الطعان، و الذي يتحدث فيه عن المناهج الحداثية التأويلية للنص القرآني في محاولة تفكيكه و نزع القداسة عنه، تجلت على الكتاب عدة أفلام شاهدتها مؤخرا، تدور بمعظمها حول نفس الفكرة...
ففي الفيلم الياباني مفكرة الموت
Death Note، يعثر الشاب لايت ياغامي طالب الحقوق على مفكرة ملك الموت التي من يكتب اسمه فيها يموت من فوره، فقرر تحقيق العدالة بنفسه و ذلك بكتابة أسماء المجرمين و المفسدين... و شيئا فشيئا بات يشعر أنه هو العدالة، يحي و يميت، و لذلك لم يعد يجد غضاضة في التضحية بأناس أبرياء و كتابة أسمائهم، لأجل حماية تصوره عن العدالة... و حين يكشف والده المحقق أمره و يجري حوار بينهما عن مفهوم العدالة... يقول لايت إنما أردت تحقيق العدالة و صنع عالم أجمل فالقانون غير كاف لتحقيقها، فيجيبه والده مستنكرا صحيح أنه ليس بكامل و لكنه ما تواضع عليه الناس و اتفقوا فيما بينهم عليه!


أما برفسور الفلسفة إيب لوكس في فيلم رجل غير عقلاني
Irrational Man، فكان يعاني من ملل وجودي في الحياة التي يراها عبثا محضا، و فجأة يعثر على هدف لحياته بأن يقتل قاضيا فاسدا ليجعل العالم مكانا أفضل، و في حوار مع طالبته يحاول إقناعها بفكرته، و أن القتل هنا ليس جريمة، يبدأ بتساؤلات تشككها حول ماهية الخير و الشر، و ما الذي يجعل فعلا شرا و آخر خيرا، و من الذي يحدد؟ فإن كان ليس هناك من حقيقة إلا الإنسان نفسه، و هذا الكون قائم على العبث، فهل يبقى إلا المعيار الذاتي و الفردي كمرجع للصواب و الخطأ؟ أما الطالبة فلم يكن لديها من جواب إلا جواب الفطرة الإنسانية، بأني لا أستطيع محاكاتك في قدرتك الذهنية و لكني أعلم أن ما تقوله خاطئ... و كشأن كل من يألهون ذواتهم و يعتبرونها معيارا للصواب و الخطأ، فإن قتله لم يتوقف عند شخص معين، فلحماية فكرته كان لا بد من قتل آخر، و بما أن الخير و الشر يستويان في الفناء لديه فما كان هناك ما يمنعه، فما هو اللازم الأخلاقي لعدمي يؤله عقله و يرى نفسه محور هذه الدنيا القائمة على العبث؟

 


و فكرة الفيلم هذا مقتبسة من قصة دوستويفسكي الجريمة و العقاب، حيث كان الشاب راسكولينوف يتساءل ما الذي يجعل الجريمة جريمة، و لماذا لا يستطيع وضع قانونه الخاص و يفرضه على المجتمع، و دوستويفسكي مشهور بمعالجته لفكرة اللازم الأخلاقي بروايته هذه و برواية الأخوة كارامازوف أيضا...


نفس هذه الفلسفة العدمية العبثية التي تشكك في كل ركيزة و تجعل المعيار الذاتي الفردي هو المعيار، هي ما انتقل إلى اللغة... و هو ما لاحظته في كتاب الطعان، فهذا المسار هو ما نقله الحداثيون العرب في أثناء معالجتهم للنص القرآني... فمن أهم الأفكار التي يقوم عليها هذا النوع من الخطاب أن المتلقي له الحق في أن يفهم الكلام كما يشاء، و يستخلص من الكلمات المعاني التي يشتهيها، من دون اكتراث لضابط لغوي أو لساني أو معجمي أو سياقي أو قرينة أو شيء، و أن ما يضمره النص هو المعول عليه، أما ما يبينه و يفصح عنه فلا قيمة له، كما أن اللغة باتت عقيمة و متحجرة و ينبغي تجاوزها و تفكيكها، فما اللازم الذي يربط كلمة ما بمعنى، و لماذا على الدال أن يدل على المدلول، و لماذا على المتلقي أن يلتزم بهذه القواعد التخاطبية المتواضع عليها بين الناس ليفهم النص... و لماذا عليه أن يكترث للسياق و يبحث عن قصد المؤلف، فلنقتل المؤلف، و ليفهم المرء النص كما يشاء...
و هنا يتساءل واحدنا ما الجدوى من الكلام و لم تعد اللغة وسيلة للتخاطب بين المتكلمين، و إنما مجرد كتلة من العبث؟ و لماذا يوجد نص أصلا؟
و لهذا وصلت معهم الكلمة القرآنية للمستوى الصفري، فباتت تعني كل شيء و أيضا باتت لا تعني شيئا... و انتقل كلام الله من النص القرآني، و صار كلام الله هو فهم المتلقي و كلامه... فلم يعد هناك نص خارج الذهن يبذل المتلقي الجهد لفهمه، و الذي قد يخطئ فيه و يصيب، و من ثم يمكن مراجعته و مجادلته في محاولة فهمه هذه... بل صار النص هو الفهم الذاتي، و بالتالي لا خطأ و لا صواب في الفهم، و لا اقتراب أو ابتعاد من روح النص، فكل فهم هو الفهم و كل معيار هو المعيار... و صار الإله هو الإنسان...
و تحول الإنسان في عصرنا من حيوان ناطق، إلى حيوان يهذي...


أشعر أن هذه الأفكار كلها تصب في نفس المسار، و كأن من يتلاعب بمفهوم اللغة كالذي يتلاعب بمفهوم الخير و الشر... و كأن اللازم اللغوي مرتبط باللازم الأخلاقي... و كأن من يقتل الكلام فكأنما يقتل الناس جميعا...

 

23 آذار 2016

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\


 

 

التأويل الوقواقي
 

 

في مقطع ساخر لمرايا عام 1984 يمثل ياسر العظمة دور باحث لغوي مسمى بالوقواق يلقي محاضرة مبتكرة على حد تعبيره، استكشف فيها من كوامن اللغة ما لم يكتشفه غيره، و كان الاكتشاف أنه رد معاني بعضا من أسماء أوربية لمدن أو مؤلفين إلى أصول عربية مع بعض التلاعب بالحروف، متخيلا قصصا حصلت لبعض العرب حينها و أدت لهذه التسميات، و ذلك للتدليل على تأثير الحضارة العربية! فجعل تشيخوف أصلها الشيخ عوف، و شكسبير الشيخ اسبر، و مدريد من عربي يجيب أعجميا لم يفهم عليه بـ مدري، و لوزان السويسرية مثنى لوز، ثم جاء الباحث درابزين خرمسي (وهو اسم فاكهة الكاكا بالشامية) ليكمل المحاضرة الوقواقية، مضيفا كلمة باريس من باري أي شافي و هكذا...
و رغم ما يبدو المقطع صارخا بالسخرية من عبثية و سذاجة تأويلات الوقواق... إلا أن ما لا يدعو للطرافة أن هذا الأسلوب الوقواقي السخيف يمارسه فعلا بعض من الحداثيين في قراءتهم للقرآن الكريم، حيث يأتون للكلمات فيلوونها و يحرفونها معتمدين على التشابهات اللفظية مع شيء من المساعدة بقضم بعض الحروف و تبديل أخرى و إضافة ثالثة صغيرة، فمن يكترث إن تغير حرف أو حرفان في الكلمة! من غير منهج مترابط يمكن محاججتهم به، و من دون أدلة لغوية أو معجمية أو تاريخية حقيقية يـُعتمد عليها، اللهم إلا المخيلة الخصبة، ليخرجوا بالنتيجة المرجوة... المبتكرة! وهو نفس ما فعلته مدرسة المراجعين الهاجريين الاستشراقية التي ظهرت فترة من الزمن معتمدة على مثل هذه التلاعبات اللفظية للتشكيك بمصادر الإسلام و بتاريخ وجوده بل و بأماكن مدنه كمكة! هذه المدرسة التي خفتت من تلقاء ذاتها لمهاجمة الباحثين المستشرقين الآخرين لها قبل أي أحد آخر، بل ومن ابتدعاها قد أهملاها فيما بعد في أبحاثهما التالية، وكأنها كانت طيش شباب!

إلا أن هذا الأسلوب الوقواقي هو أسلوب حياة، و هو الوسيلة المبتكرة لمن أراد ابتداع نص جديد من داخل النص الذي لا يعجبه، أو اختراع تاريخ من التاريخ...

هذا المقطع الطريف لياسر العظمة ذكرني بمقطع طريف كتبه إبراهيم السكران في كتابه (التأويل الحداثي للتراث) _وهو كتاب وجدته جيد جدا أفضل مما كنت أتوقعه، و قد تقاصرت في الحديث عنه، هو و كتب أخرى جميلة أنهيتها و ما تحدثت عنها للأسف، لكثرة ما أكابد حاليا الغرق في الصمت فيغلبني مرات و مرات، و بالكاد أغلبه مرة "كل حين و مين و عشر سنين" كهذه المرة_ أقول أن السكران و حتى يظهر مدى مجانية الافتراض من دون دليل، قرر أن يفتعل نفس الأسلوب، فكتب مقطعا طريفا محاكيا فيه طريقتهم، يقول:
(ويعتمد المراجعون على "لعبة التشابهات اللغوية"، فيأتون مثلا لاسم هاجر أم إسماعيل، ويربطونه باسم "المهاجرين" الذين هاجروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دام الجذر اللغوي واحد أو متقارب، فهذا يعني أنهم منسوبين لهاجر وهم عرب الشمال وليسوا مهاجرين من مكة إلى المدينة.! ويأتون لاسم مكة، واسم مدينة في البترائية العربية “Moka” ويربطون بينها لتكون مكة في الأردن لا في الحجاز.
و الطريقة المثلى لمناقشة أفلام المراجعين الخيالية هي تطبيق منهجهم على نظائر مماثلة، ليظهر لهم حجم الهزال والسخف فيها، فيمكن لنا مثلا أن نطبق منهجهم ونقول: إن مدينة الفاتيكان المقدسة عند الكاثوليك لا يوجد نص تاريخي موثق به يحدد موضعها و أنها في روما في إيطاليا، والواقع التاريخي يطرح خيوطا تدلنا على موقع آخر، حيث أن المؤرخين ذكروا أن مرو يوجد فيها نصارى كما قالوا في قصة مقتل يزدجرد "فأمر المطران فبنى في جوف بستان المطارنة بمرو ناووسا، ومضى بنفسه و معه نصارى مرو، حتى استخرج جثة يزدجرد" (الطبري: تاريخ الأمم والملوك). وفي ذات الوقت ذكر الجغرافيون القدماء أن مرو يوجد فيها مدينة اسمها فنجكان كما يقولون "فنجكان: قرية من قرى مرو" (ياقوت الحموي: معجم البلدان)، فإذا كانت مرو يوجد فيها نصارى قدماء، ويوجد فيها قرية اسمها "فنجكان"، وليس لدينا نص تاريخي يحدد أن الفاتيكان موجودة في إيطاليا، فمن المحتمل أن تكون "الفاتيكان" هي أصلا "فنجكان" التي في مرو، ولكنها نقلت وحرف اسمها، ولكن من الذي نقلها وما مصلحته في ذلك؟ من المحتمل أن يكون هذا النقل تم في "عصر النهضة" الذي انطلق في إيطاليا في القرن الرابع عشر الميلادي لأغراض سياسية.
حسنا هذه القصة المتخيلة السابقة تبرهن أن الخيال في ربط الألفاظ وتبديل مواقع المدن على الخريطة، وتحريك عقارب القرون من قرن زمني إلى قرن آخر؛ عملية مجانية ولا تستحق أي جهد، ولا يمنع منها إلا مستوى من احترام المرء لذاته ولقارئه ولمكانة البحث العلمي في النفس السوية.)
ص123-124

 

 

 

 

16 أيار 2016
 

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

 

ضيق العطن

 

 

يذكر محمد الشيخ في كتابه الحكمة العربية: عن ظاهرة كتابية فريدة سماها العرب في تراثنا بـ "ضيق العطن في التأليف". و معناه اضطراب تعجل المزاج بما لا يفي بالصبر على التأليف. و يورد أمثلة متنوعة: فقد قيل عن ابن الخشاب "إنه كان ضيق العطن في تصانيفه لا يتمها"، و هذا عمر بن السراج البلقيني : "لم يكمل من مصنفاته إلا القليل، لأنه كان يشرع في الشيء فلسعة علمه يطول عليه الأمر"، و هذا ابن محمد النحوي: "كان ضيق العطن ضجورا؛ ما صنف تصنيفا فكمله"، و عن الفقيه الشافعي ابن الدهان: "و كتب بخطه، إلا أنه كان ضيق العطن: ما كتب تصنيفا إلا اختصره برأيه"، و هذا العلامة عبد القاهر الجرجاني ذُكر أنه: "كان رحمه الله ضيق العطن، لا يستوفي الكلام على ما يذكره مع قدرته على ذلك". و يقول الشاعر كشاجم:
غبط الناس بالكتابة قوما ... حرموا حظهم بحسن الكتابة
و إذا أخطأ الكتابة حظ ... قطت تاؤها فصارت كآبة


من كتاب الحكمة العربية؛ دليل التراث العربي إلى العالمية

-----
أقول: و كانت سلمى _رحمها الله_ ضيقة العطن متوحدة الطبع، قريبة النفور سريعة الجفل، شحيحة المودة صعبة الإلفة، مستغلقة على الغريب مشاكسة للقريب، قليلة الفعل كثيرة الفكر، دائبة البحث عن المعنى من دون أن تنشط لتقيده بالكلمة. و قد كانت _ عليها شآبيب الرضوان_ قد عقدت عزمها أنه إن قدر لها بلوغ أشد العمر، _و قد كانت منه قاب قوسين أو أدنى_ لتتوقفن عن سؤال ذاتها "ليش أنا هيك مدري شلون"، إذ تبين لها بانصرام السنين و البرهان المبين أن "المدري شلون" ما هو إلا سجيتها السلماوية التي كتبها الله لها و عليها، و قد شذت بعض بنات أفكارها مخالفة بذلك جموع نفسها فاعتبرت "المدري شلون" هو الجوهر السلماوي نفسه، و لكنه قول لم تعتد به لظهور فساده و توهمه و رجمه بالغيب، فمن الذي يعرف ما جوهره؟! و كانت _غفر الله لها_ تثرثر عن الكتب و تكتب مزقا متفرقة و تحمل أفكارا متناثرة، من دون أن تجد خيط العقد الذي ينظم تشتت فصوصها، أو الكلي الذي يحتوي تبعثر جزئياتها، و بقيت على هذا الحال لا يستقيم لها البال، فلم تكتب و لا حتى كراسة كاملة، متشوقة تارة و مصروفة تارة أخرى، إلى أن أتى اليوم الذي منّ الله بفضله فـ...*
---
* ها هنا جزء مخروم من المخطوط: و قد اختلف المحققون في ما هو مفقود:
- فرجح بعضهم أنه قد: أتى اليوم الذي منّ الله بفضله فشرح صدرها و رفع همتها و فتح عليها و أجرى لها البيان، فأملت على حاسوبها مصنفها الكبير الشهير فريدة الدهر و وحيدة العصر، الذي ما أتى بشبيهه إنسان، و لا جاد بمثيله زمان... و الحمد لله رب العالمين...
- و خالف آخرون، فذكروا بأن الجزء المفقود هو أنه قد: أتى اليوم الذي منّ الله بفضله فأذن لروحها بالرجعى إليه فانتقلت من دار الفناء إلى دار البقاء، راحما إياها من كبد ثقل الذات و عبء فقد الكلمات. و ما المصنف الكبير الشهير إلا لمؤلف مجهول أتى بعدها، قد ذكر في نهاية كتابه تأثره بمزق ثرثراتها و دعا لها، و قد وهم الناسخ فظن أنه كلامها، فنسب كتابه إليها... و لا حول و لا قوة إلا بالله...

28 أيار 2016
 

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
 

مقدمة في ما يسبق الكتابة عادة

 

 

أريد أن أتحدث عن الجزء الثاني من تفسير الطبري، و لكن قد يسأل شخص لماذا الجزء الثاني و ليس الرابع أو العاشر مثلا، و هو سؤال منطقي جدا... أما الجواب فهو لأني أنهيت الجزء الثاني و أن عادتي الكتابة عن ما قرأته، حتى لو لم تكن لي رغبة في ذلك، و قد صارت عادة أن لا أرغب بهذه العادة، و لكني حريصة أن أبقي هذه العادة _أعني عادة الكتابة و ليس عادة عدم الرغبة فيها_ ضمن نطاق العادة، و تجاهل وجود الأخرى _أعني عادة عدم الرغبة بالكتابة و ليس الكتابة_ لأن العادة تعني ألا تفكر كثيرا في أن تفعلها أو لا تفعلها، أما إن تركت عادة الكتابة لأي اعتبار آخر كالمزاج أو الأهمية أو أي شيء آخر، فستتحول حينها الكتابة إلى معضلة فكرية لانهائية... و سأغوص في نفس الدوامة كل مرة هل أكتب أو لا أكتب، و لماذا أكتب عن هذا الكتاب و ليس الآخر... و هل ينطبق هذا اللماذا على هذا أو ذاك... ثم يدوخني التفكير بالأمر و بمحاولة إيجاد معيارية أو تصنيف ما، إذ العقل البشري لا يستطيع إلا أن يصنف الأشياء و يرتبها وفق معايير حتى لا يهترئ من كثرة التفكير في كل أمر منفصل على حدى كلما عرض له أدنى أمر، و ما أكثر الأمور التي تعرض كل يوم... فيضيع الوقت و أنت تفكر في كل الاحتمالات اللانهائية الممكنة حيث أنه يمكن لأي شيء أن يندرج تحت أي احتمال مع بعض التخيل، حتى تمل من الأمر برمته و تصرف النظر نهائيا عما كنت تريد فعله... و هكذا فكما ترون فالاعتياد على فعل أمر مفيد و مريح... و هذا الذي جعلني أريد الحديث عن الجزء الثاني من تفسير الطبري...
و لكن قد يسأل شخص سؤال، و هو نفس ذاك الشخص المزعج الذي دائما يسألني هذه الأسئلة كلما أردت فعل أمر فيعرقل مسيري، و لا أدري لماذا يسألني أنا و يتقصدني دونا عن غيري، أقول أنه قد يقول و لكنك يا سلمى لم تتحدثي عن الجزء الأول، فأين ذهب كل هذا التحذلق و التفلسف عن أهمية العادة أم أنك لم تقرأيه؟ أجيب بأني قرأته و لكني للأسف أعترف بأني لا أطبق عادة الكتابة على كل الكتب، فكثير من الكتب لم أتحدث عنها من سنوات، و لكن مرد الأمر لأني تكاسلت أو ترددت و ليس الأمر ناتج عن أني تخليت عن هذه العادة... فهي في ذهني كتب تأجل الحديث عنها حتى أنشط أو تفلتني بعض أفكاري السوداوية، و لكني لا أعتبر نفسي خرقت العادة، فقط أجلت الأمر إلى أجل غير مسمى، و لا بد أن يتسمى يوما ما... أليس كذلك؟ أعني حتى لو تسمى بالنفي، فما يهم أنه خرج عن كونه معلقا، و صار أجلا مسمى بكونه منفيا لن يحدث... و على كل هذا ليس موضوعنا، إذ سندخل في دوامة أخرى مرتبطة بكون النفي لاشيئا هنا، و وهم تشييء اللاشيء، و الخداع الذي تمارسه اللغة و مواضيع معتة أخرى... فالمهم في الأمر كله أن عادتي هي أن أكتب و لو بضع كلمات عن الكتاب الذي أقرؤه حتى لا أفكر كثيرا فيما أختاره من الكتب للكتابة عنه و فيما لا... بغض النظر عن التقاعس...
فكل هذا الكلام كان لأني أريد الحديث عن الجزء الثاني من تفسير الطبري... للأمانة ليس هذا السبب فقط، فهناك الجزء الخامس عشر من تفسير السيوطي، و لكن ذاك ما زلت أشعر بالحيرة في تصنيفه هل مع الكتب التي أتقاعس عنها أو أجري عليها عادة الكتابة... يا إلهي! سأتوقف هنا فورا و مباشرة قبل أن أغرق ثانية...
السؤال الذي لا أنفك أسأله لنفسي، لماذا لا أستطيع أن أقرأ من دون كل هذا الضجيج في رأسي، و لا أكتب إلا حين يعن لي فقط، هكذا و بكل سلاسة... أظن أن محاولة الجواب ستدخلني في موضوع آخر و هو لماذا سلمى هي سلمى... و خير لي أن لا أدخل في هذا الموضوع... لأنه لا خروج منه...
كل هذا الكلام لأن صديقتي أشارت علي أنه من الأفضل أن أتحدث عن الكتاب و أن أمهد للكلام بمقدمة، فالبدء مباشرة من الحديث عن جزء ثان من كتاب يبدو أمرا غير منطقي... فكتبت هذه المقدمة السلماوية...

 

مراجعة الجزء الثاني من تفسير الطبري

19 أيلول 2016
 

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\

 

 

شهوة التعبير عن الأنا

 

 

 

 "نحن لا نكون كائنات كاملة إلا إذا تمكنا من أن نقول ما يحركنا، وحول أي شيء تدور حياتنا" هكذا يقول تشارلز تايلر في كتابه منابع الذات...
لا أدري كيف أعبر عن الفكرة برأيي، و هي تدور بذهني من فترة فيما يتعلق بوسائل التواصل و التدوين: هذه الشهوة المتوحشة بالتعبير عن الأنا و جلب الانتباه لها، سببه أن الإنسان لا يستطيع أن لا يشعر بأن لكل تفصيل من حياته معنى، و أنه بطل قصته و كأنه يعيش على خشبة المسرح و أنه مركز الوجود... و أحسبها جزءا من كينونتنا كبشر... و إلا سيسقط في العدمية واللاجدوى... و هذه الشهوة ككل شهوة فينا، يمكن أن يتعسف المرء في استخدامها و يعيش لملاحقتها، فيتحول لشخص استعراضي متبجح، أو تافه يصدع رأس الآخرين بسخافاته... يشحد التأكيد على جدوى خياراته و تفاصيله من الآخرين و يقتات معنى وجوده عليهم...
و يمكن أيضا استخدامها فيما خلقت له لو أن المرء تذكر فعلا أنه بطل قصته و أنه مختار من قبل الله ليوجد هو بالذات و أنه يراقبه في كل تفصيل من حياته مهما صغر... و بهذا يكتسب وجوده معناه حقيقة...
على قدر ما تبدو مخيفة فكرة مراقبة الله لأعمال الإنسان و تسجيله لها، على قدر ما يحتاجها الإنسان ليشعر أنه فعلا محور وجوده و أن عمله ذو قيمة و لوجوده معنى بكل تفصيلاته مهما صغرت...
وحينها ستتشذب شهوة الكلام عن الذات، و التعبير عنها سيصير أكثر توازنا حين يخرجها للملأ... و سيخفف من فكرة استجداء المعنى من الآخرين و اكتساب وجوده من اعترافهم... و سيساعده هذا في أن يختار ما فيه خير للحديث عنه أو يصمت...

29 أيلول 2016
 

 

/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\/\
 

 

 

 


 

 

 

الفصل الرابع:

 

· شهوة التعبير عن الأنا

· مقدمة في ما يسبق الكتابة عادة

· ضيق العطن

· التأويل الوقواقي

· عن قتل الكلام

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

الفصل الأول

 

الفصل الثالث