الرئيسية >> مواضيع و مقالات >> منهجية التعامل مع التراث لـ رضوان السيد

 

 

 

 منهجية التعامل مع التراث لـ رضوان السيد

 

فيما يلي سبع محاضرات بعنوان (منهجية التعامل مع التراث) لـ رضوان السيد موجودة على اليوتيوب... و الحقيقة أنها أقرب لتكون تاريخا للتعامل مع التراث و لكن ذكر هذا التاريخ يساعد على التعامل معه بطبيعة الحال... و لأني أحببتها و وجدتها مفيدة جدا و خاصة فيما يتعلق بالاستشراق (بما أن رضوان السيد له باع طويل في هذا المجال و خاصة أنه درسه على يد مستشرقين مباشرة و ألف مؤلفا بعنوان المستشرقون الألمان)... فقد كتبت أهم ما ورد في هذه المحاضرات... و سأضيفها تباعا... و الملاحظ أن المتوفر منها هو ابتداؤه من العصر المملوكي... فهناك ست أخر لم ترفع للأسف..

 

◄►◄►◄►◄►◄►◄►


 

- المحاضرة الأولى: زمن الموسوعات
https://www.youtube.com/watch?v=5BSk9bgVj3s

و هو العصر المملوكي، حوالي ثلاثة قرون، يمتد تقريبا ما بين القرن السابع و العاشر للهجرة، و 12- 13 ميلادي إلى بداية القرن 16... حيث كانت الموسوعات هي ميزة ذلك الزمان... و يعبر عنها بالبحر أو البحر المحيط و المقصود بذلك الضخامة... و طبعا هي تختلف في معناها عن الموسوعة بالمصطلح الأجنبي التي تعني دائرة للمعارف متنوعة، و لكنها في العالم الإسلامي كانت تعني أنها إحاطة بعلم ما من العلوم إحاطة شاملة و بحث سائر مسائله...
و طبعا هذه الموسوعات كانت تستند لكتب سابقة و لكنها جمعت في كتاب واحد...
هناك أنواع من هذه الموسوعات:
النوع الأول المؤلفات الموسوعية التاريخية، من أشهرها كتاب ابن خلدون (كتاب العبر و ديوان المبتدأ و الخبر في أيام العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) و التي اشتهرت مقدمته لأنها تتضمن نظرية في العمران البشري أو ما يسمى اليوم نظرية في الحضارة بداخلها تأملات اقتصادية و سوسيولوجية اجتماعية و نظرية في الدولة و قيامها و سقوطها....
و كتابه موسوعي شامل ليس معناه أنه جمع كل التاريخ و لكن أنه يعالج ذلك كله ضمن رواية شاملة للوجود البشري و الذي كتب عنه فرانز روزنتال كتابا ضخما و هو (علم التاريخ عند المسلمين)... و مصادر كتاب ابن خلدون مراجع تاريخية عربية و إسلامية و أيضا هناك بعض كتب التاريخ المترجمة عن اليونانية و أيضا كتاب مترجم عن اللاتينية لهوروشيوس عن تاريخ اسبانيا...
و من تلامذته و معاصريه المقريزي من حارة المقارزة في بعلبك، سافر لمصر و عاش أكثر حياته... و قد لقي ابن خلدون... و تأثر به في اهتمامه شبه الموسوعي و تطبيقاته للمنهج التاريخي... و المقريزي كتب أهم كتاب في تاريخ العصر المملوكي الذي عاش فيه (كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك)
و جدير بالذكر أن ابن خلدون كان فقيها مالكيا و قاضيا، أما المقريزي فقد كان فقيها حنفيا...

النوع الثاني من المؤلفات الموسوعية هو المؤلفات اللغوية... و من أشهرها كتاب ابن منظور لسان العرب (أي لغة الغرب) و لم يطبع طبعات كثيرة لضخامته و دقة طباعته... و يقول ابن منظور أن مصادره أربعة من كتب اللغة القديمة الأصيلة التي ظهرت في القرون 3 – 4 – 5 للهجرة... و يجمع حوالي 80 ألف مادة... فيه محدثات كثيرة و لكن عماده كلاسيكي، و هو معجم لغوي بحت لا يهتم بالمعارف الأخرى، يعني أنه يهتم فقط بالمعنى الفيلولوجي الدقيق للمسألة اللغوية... و قد توجد فيه بعض الألفاظ المستحدثة من ألفاظ الحضارة و لكنها ليست كثيرة...
و لكن هناك من اهتم بهذه الألفاظ المستحدثة و هو قد وجد بعد العصر المملوكي بـ 100 عام و هو الزبيدي صاحب كتاب تاج العروس في جواهر القاموس، و كتابه هذا هو الكتاب اللغوي الوحيد الأوسع من كتاب ابن منظور، و هو يجمع ما بين القديم المستمد من كتاب ابن منظور، و ما بين أيضا معاجم لغوية أخرى، كما أتى بألفاظ الحضارة، و يمكن أن نعد كتابه بذرة فكرة أن المعجم اللغوي يمكن أن يتحول لدائرة للمعارف إذا روعيت مستجدات الألفاظ و المصطلحات.
النوع الثالث الموسوعات الفقهية، و هي فكرة شديدة القدم و لكنها تكاثرت في العصر المملوكي، مثل كتاب المبسوط للسرخسي في الفقه الحنفي الذي ألف قبل العصر المملوكي و لكنه شرح في العصر المملوكي، كما اشتهر كتاب تلميذ تلميذه فتح القدير لابن الهمام...
و كتب الفقه بنيتها قديمة من القرن الرابع الهجري أو الثالث، و مرتبة من حينها وفق أبواب معينة، و هي تبحث في العبادات و المعاملات... و الفكرة أنه في كل عصر تذكر الاجتهادات الفقهية و ترجح ثم يعاد تشكيل الرأي الراجح في المذهب، مما جعلها تتسع، ثم يختصر هذا لكتاب ليتم تدريسه للطلاب... ثم يعاد شرح هذا المختصر في العصر اللاحق مع الآراء الجديدة... و يعني هذا كله أن التأليف الفقهي بطبيعته موسوعي لأنه ينمو بنمو الاجتهادات و تعدد الآراء و تجددها.
ثم هناك نوع رابع الموسوعات الجغرافية، مثال (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) لابن فضل الله العمري، و هو يقع في 30 جزءا طبع حديثا... و هو ليس كما يدل عليه عنوانه... ففقط 7 أو 8 أجزاء منه تتحدث عن الجغرافيا البشرية و التاريخية لدار الإسلام، بينما هناك الكثير من المجلدات الأخرى خصصها للحديث عن تراجم العلماء... مما يعني أن كتابه يحمل معنى الموسوعة بالمصطلح الحديث من حيث تضمنها مجالا واسعا...
ثم تحدث عن نوع جديد، و هو موسوعة إدارية للدولة المملوكية، و مثالها (صبح الاعشى في صناعة الإنشا) لصاحبه القلقشندي و هو معاصر للمقريزي... و ديوان الإنشاء هو ديوان الإدارة و يعتبر مثل الأمانة العامة لمجلس الوزراء الآن، حيث يتم فيه التنظيم الإداري للدولة، و لذلك يسمى رئيس ديوان الإنشا وزيرا و أحيانا يكون الوزير نفسه رئيس ديوان الإنشا، و أحيانا يستقل عنه... و كتاب القلقشندي هو السجل العام للدولة و مناصبها و طريقة مراسلاتها مع الخارج و طريقة إدارة مصالحها و دواوينها الأخرى و مسائلها المالية و الاجتماعية و الادارية...

و من ثم هناك كاتب موسوعي ظهر في ذلك العصر، و هو الإمام السيوطي المتوفى قبل سقوط الدولة المملوكية بخمس سنوات، حيث أنه كتب عدة موسوعات في كل علوم الإسلام، و ما ترك شيئا إلا و كتب فيه... و الطريف فيما فعله أنه كتب سيرة علمية لنفسه مثل C.V مطولة عن كل ما كتبه... و حسب روايته أنها تبلغ ألف كتاب منها مئة تقريبا من الكتب الكبرى، و سمى كتاب سيرته هذا (التحدث بنعمة الله)، كما تحدث فيه كيف أنه صار مجتهدا مطلقا لا يتبع مذهبا من المذاهب _وهو في الأصل شافعي_ و أن الله أقدره و مكنه من أن يحيط بشتى المعارف التي كانت متداولة في دار الإسلام...

ثم ينهي المحاضرة بالحديث عن تقييم ظاهرة الموسوعات هذه...
حيث اعتبرها بعضهم أنها ظاهرة نهوض constructive مثلما حدث في القرن 17 أو 18 ميلادية في الغرب حين ظهرت جماعة دوائر المعارف الذين كانوا روادا في الثورة الفرنسية و في نشر المعارف العلمية الحديثة في ذلك الوقت.
و هناك رأي غالب آخر أن هذه الموسوعات جمع و ليست ابداعا، و هذا الجمع رغم الترتيب الدقيق لا يدل على الابداع اللهم باستثناء بعض الظواهر النادرة (مثل ابن خلدون و المقريزي و النووي و العز بن عبد السلام) و لكن ما سواها لا تجديد فيه، و إنما مجرد جمع بطريقة غير نقدية... و هذا يقود لمقولة الانحطاط التي قال بها أصحاب هذا الرأي، و التي سيتحدث عنها في محاضرات أخرى...
انتهت المحاضرة التي مدتها 38 دقيقة

ملاحظتين من عندي، (يعني سلماويتين):
- هناك كتاب آخر بنفس عنوان كتاب روزنتال، و هو علم التاريخ عند المسلمين لـ أحمد الشال... و فكرة الكتاب كما يقول مؤلفه في مقدمته أنها نشأت عنده حين قرأ كتاب روزنتال، فقرر كتابة كتاب يعالج قصور كتاب روزنتال و يرد فيه على شبهه و مغالطاته، و يقدم عن هذا العلم بأسلوب يعبر عن التراث و أصحابه... مبينا كيف دوّن المسلمون التاريخ و مناهجهم و طرق نقدهم التي ابتكروها للتحقق من الروايات...

- الحقيقة أني أجد أن هذه الموسوعية لها مزاياها... و أشعر بأني ممتنة لأجدادنا أنهم لم يمارسوا الطهرانية للتراث فلم يعمدوا لحذف الروايات الكاذبة و الاسرائليات و الموضوعات... لأن هذا ما يجعل الصورة للدارسين الذين أتوا بعد ذلك أوضح للعصر و للإشكاليات البارزة في تلك الفترة و أيضا العقلية و الثقافة المنتشرة... فحتى الروايات الكاذبة و الأحاديث الموضوعة بإمكانك أن تستشف منها ما كان يؤرق خصوم المسلمين حينها و ما كان يعنيهم ليغيروا و يشوهوا فيه و يضعوا و يبثوه، أو ما كان يشغل الناس مما جعل القصاص يختلقوه لجلبهم، أو حتى ما اختلقه صاحب الكتاب مثلا ليضاد خصومه و ينشر أفكاره... هذا أمر سأستفيض في الحديث عنه يوما، أعني كيف تقرأ العقلية من خلال هذه الأمور... و حتى لو أني لست مؤرخة لكني لاحظت بعض الملاحظات بطبيعة الحال...
كما أنها حفظت الكثير من الكتب التي نقلت عنها و لم تصلنا...
و بناء عليه فعلى سبيل المثال إن ورود حديث أو أثر أو قول ما في كتاب للسيوطي مثل كتاب تفسيره الذي أقرؤه حاليا (الدر المنثور في التفسير بالمأثور)، لا يضفي عليه الصحة ضرورة إن لم يعقب عليه، فالسيوطي مؤلف موسوعي جامع، جمع كل شيء و حفظه كما في تفسيره هذا من دون ترجيح أو تعليق أو تصحيح أو تعقيب... و بالتالي مجرد وروده في كتابه ليس معناه أنه بالضرورة صحيح أو يعتد به...
و هذه نقطة مهمة ينبغي الانتباه لها في هذا النوع من التآليف التي كان غرضها الجمع... فحين تكون رواية موجودة في كتب التراث، هذا لا يضفي عليها الصحة لمجرد ورودها... فهي ربما تكون موضوعة و مكذوبة أو حتى مقحمة فيما بعد، و هذه مهمة الدارسين و المحققين...

و قد ابتكر علماؤنا طريقة ذكية للتوثيق و معرفة الروايات الصحيحة من السقيمة، و هي عبر السند و يتفرع منه ترجمة الرواة و علم الجرح و التعديل لمعرفة هؤلاء الرواة بالصدق أو الكذب أو قدرة الحفظ و الضبط أم النسيان و ما إلى ذلك، و هو علم واسع و عظيم... و لذلك قالوا من أسند لك فقد حملك، بمعنى أن المؤلف إن ذكر لك سند رواية ما، فعليك أنت أن تبحث و تعلم عن أحوال هؤلاء الرجال و مدى موثوقيتهم و مدى صحة هذا التسلسل بهذا الترتيب، و هل سماع فلان من فلان أم لم يلتق به... و هكذا... و بالتالي تعلم مقدار موثوقية هذه الرواية بنفسك...
 

◄►◄►◄►◄►◄►◄►

 

- المحاضرة الثانية: المخطوطات العربية
https://www.youtube.com/watch?v=WReRppXieSk

المخطوط مصطلح حديث للكتاب غير المطبوع لأنه كتب قبل عصر الطباعة، و نحن نملك تراثا مخطوطا هائلا أغلبه لم يطبع.
ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام أن التدوين _أي الكتابة المنتظمة_ تبلور أواسط القرن 2 هجري، حيث أقبل العلماء في سائر الأمصار على التدوين في ما يتصل بالتاريخ و تفسير القرآن و تدوين الحديث و اللغة التي تطورت لمعاجم...
و قد بدأ هذا في الوقت الذي ظهر فيه الورق و الذي اكتسبوا صنعته من فنيين من أصل صيني، و كان يسمى الورق بـ كاغث، ثم انتشرت صناعة الورق، و سميت بـ الوِرَاقة بكسر الواو، و تطورت مع نهاية القرن 3هجري و بداية 9ميلادي، و ترافق تطور الورق مع تطور الخط العربي.
و المخطوط يتراوح بين حجم صغير كرسالة صغيرة مكتوبة و تسمى جزءا و بين كتاب كبير... و المصحف الذي بدئ بكتابته في القرن 1 هجري كتب على الرقوق و العسب و السعف و الأكتاف و هي الجلود المحروقة و المجرودة و المطورة ليكتب عليها... ثم كتب على أوراق البردي المصنوع في مصر، إلى أن ظهر الورق، فغلب مع الوقت على المواد الأخرى.
بالنسبة لأي مخطوط فهناك دائما نسخة أم بخط المؤلف أو أحد النساخ الذين أملى عليهم المؤلف أو قرأ عليهم، و تتفرع على هذه النسخة الأم عشرات النسخ عبر التاريخ بيد النسّاخ...
و حين نتحدث عن المخطوط فإننا نتحدث عن تاريخ الثقافة الإسلامية، و هذا الحس التاريخي بأهمية الكتابة و المخطوط قد أدركه العرب و المسلمون منذ القدم، مما أدى إلى اشتهار صناعة الوراقة. و صارت هناك محلات مثل دور النشر، فالوراق لديه مجموعة من النساخ، فيأخذ من المؤلف الكتاب أو من أحد نسّاخه، و يقوم بعمل نسخ منه، و تتكاثر في دكانه، ثم يعرض هذه النسخ للجمهور. و كانت هذه طريقة كتابة الكتب و نشرها.
و قد اهتم المسلمون و العرب اهتماما عظيما بصناعة المخطوط و تدوين أسماء المخطوطات في شتى الفنون باعتبارها تشكل تاريخ الثقافة العربية. و أقدم كتاب لتدوين أسماء هذه المخطوطات بشتى الفنون مع ترجمة موجزة للمؤلفين هو (الفهرست لابن النديم) و هو ثبت بأسماء الكتب، و يقسمها إلى فنون و يقدم لكل فرع و فن من فنون المخطوطات كشخص عارف بأهمية التاريخ الثقافي، من التفسير مرورا بالعلوم الطبيعية إلى الصيد الخ.
و المسلمون قد كتبوا ما لا يقل عن 15 مليون كتاب، يقال أنه لم يبق منها إلا بحدود 3 مليون و لم ينشر منها أكثر من 100 ألف، و قد هلك أكثرها في العصور الوسطى بسبب الجوائح و النكبات و تلف الورق أو لعدم وجود تلامذة يهتمون بالكتب: مثلا إن كتب الإمام الأوزاعي الذي يحبه اللبنانيون لأنه توفي في بيروت و عاش فيها مرابطا 30 أو 40 عاما، يقال إن سبب ضياع كتبه و مذهبه و فتاويه _حيث كان صاحب مذهب كبير مثل الأئمة الأربعة_ أنه كان في ساحل نائم من سواحل دار الإسلام و لم يتوفر له تلامذة يستمرون في قيادة مدرسته و ينقلونها إلى الأمصار، فانكمش على نفسه لمدة 100 عام أو 150 ثم زال. و قد ضاعت كتبه لأنه كان على البحر و شدة الرطوبة تبلي الورق، و لم تنقل لبلاد أخرى أكثر جفافا تساعد على بقائها.
فالمخطوطات شديدة الأهمية لأنها أساس كتابة التاريخ الثقافي... و طبعا هناك أشكال أخرى للاهتمام بالمخطوط، و هي الاهتمام بتزويق الخطوط و تجميلها، و نستطيع أن نلقي دروسا عن التطورات في علم التصحيف و كيف تذّهب المصحف و ما هي الخطوط المستخدمة في كتابته، لأن لخط المصحف ثوابت لا يمكن التخلي عنها... و لكننا نتحدث عن المخطوط من ناحية فنية و كيف جرى العمل على إحيائه لكونه أساس التاريخ الثقافي الذي يعني الحفاظ على الهوية و الانتماء.

و قد بدئ بتنظيم هذه المخطوطات على أيدي الأوربيين الذين راحوا يجمعونها بشغف من الشرق بالشراء أو الاحتيال أو الصفقات، ثم يهدونها لجامعاتهم و متاحفهم فتشكل تدريجيا مكتبات عربية و إسلامية لديهم.
و المستشرقون هم من بادر بالاهتمام بالمخطوطات و تحقيقها و طبعها، و ما كانوا بادئ الأمر متقصدين المخطوطات العربية بل كانوا يعنون بموروثات اليونان و الرومان، و حين ظهر علماء الشرقيات كان اهتمامهم منصبا على العهدين القديم و الجديد بشتى اللغات. ثم بدأ الاتجاه للدراسات الإسلامية و التاريخ العربي دون أن يتحرر تماما من الأغراض التبشيرية في القرن 19، و إنما تخلص منها تماما في القرن 20.
و لم يبتدعوا جديدا، و إنما استخدموا ما كانوا طوروه مسبقا كمنهج لتحقيق المخطوطات اليونانية و السريانية، و من ثم نقله عنهم العرب، و هذا المنهج يتركز في كيفية قراءة نص قديم.
أما الدافع فكان ابتداء لتحقيق العهدين القديم و الجديد، و الباحث كان مسيحيا متحمسا لديانته التي يعلم أن أصولها شرقية و أنها ما تزال منتشرة في الشرق و كان تخصصه في الأصل تخصصا دينيا لاهوتيا في الدثائر اليهودية المسيحية... و عندما ظهر الإسلام و ظهرت تدريجيا الثقافة العربية و أفادت من الحضارات القديمة عن طريق الترجمة. و من الترجمة أفاد صنوف من شتى العلماء.

و كما اعتبر الأوربي نفسه حفيد اليونان و الرومان فاهتم بمخطوطاتهم، فكذلك فعل علماء الساميات مع الوقت حيث اعتبروا الإسلام ابن لتلك الديانتين الإبراهيمية.
و نحن هنا لا نتقصد من وراء الحديث عن المخطوطات الحديث عن التواصل الحضاري أو الصراع الحضاري و إنما عن كيف ظهرت فكرة التدوين و الكتاب...
ظهرت فكرة التدوين، حين قامت الدولة فاحتاجوا لتدوين ديوان، و استخدموا أهل البلاد الأصليين في تدوين الدواوين ابتداء، و كانت الدواوين بمثابة سجل لكل شيء في الدولة من عطايا و غيره، هذه كانت البدايات الأولى للتدوين، ثم التحق بها تدوين قصص الأنبياء التي كانوا يفسرون بها القرآن و التي لم تنج من الاسرائليات، ثم ظهر الإخبار عن وقائع و أحداث معينة مثل الحديث عن زوجات رسول الله، أو تصرفات عمر بن الخطاب، أو ميراث أبي بكر في الجدة و لماذا اختلف عليه و ما شابه من أمور.
فانتظمت الكتابة في منتصف القرن 2 هجري، و بالتالي ظهر المخطوط العربي و بسرعة مدهشة انتشر، حتى بلغ تعداده حوالي العشرة آلاف مخطوط زمن كتاب الفهرست لابن النديم المكتوب في منتصف القرن 3 هجري.
و قد سبق و ذكر عددها و ما بقي منها... أما الآن و رغم ما طبع و فهرس، فإنه ما تزال هناك نوادر ما عرفناها، فهناك الكثير من المجموعات الخاصة. و لذلك خدمة لأي مخطوط هو فهرسته أولا بحيث يصير معروفا، و ثانيا نشره بعد تصحيحه.
إن عالم القرن 19 الأوربي، كان يأتي المخطوط بدوافعه الأوروبية، معتقدا أنهم كما نهضوا هم عبر التراث اليوناني و الروماني، فكذلك الحضارة العربية لن تقوم من جديد و تستعيد تلك الأمجاد إلا بإحياء التراث المكتوب، و على هذا الأساس بدأ الأوربيون يطبعون دراسات كثيرة عبارة عن نصوص عربية، كانوا يلحقونها بالكتب الكبرى مثل كتب فخر الدين الرازي أو الزمخشري، ثم ازداد التحقيق، و استطاعوا بعدها صنع تاريخ ثقافي عربي و إسلامي عبر المخطوطات التي اجتمعت أغلبها في مكتبات أوروبا أو في السليمانية في اسطنبول، هذا التاريخ يشبه في دوافعه التاريخ الثقافي الأوربي القائم على إحياء المخطوطات اليونانية. حتى بلغت حوالي الألف كتاب من الكتب الرئيسية التي نشرها المستشرقون نشرات علمية مستوفية للشروط العلمية التي أخذوها من أساتذتهم علماء الدراسات السامية و علماء الدراسات اليونانية و التزموا بها.
و لكن ما عادوا يطبعون كثيرا مثل الأول، لأن العرب تولوا مخطوطاتهم و أخذوا هذا الأمر عنهم، فانخفض نشاط الأوربيين بحدود الثلث أو الربع، بينما صار عندنا نحن العرب طوفان من المنشورات للكتب المحققة و التي هي عبارة عن مخطوطات.
إذن هذه المحاضرة كانت عن أمرين متداخلين:
التاريخ الثقافي العربي
و المخطوط العربي و منزلته في هذا التاريخ العربي الذي هو المادة و ليس الموضوع
انتهت المحاضرة التي مدتها 34 دقيقة


ملاحظة سلماوية:
كلامه عن دكاكين الوراقة و النساخ ذكرني بفيلم تونسي جميل جدا و هو أصله ثلاثية لم أشاهد منها إلا اثنين... و ما ذكرني به هو فيلم طوق الحمامة المفقود - Le collier perdu de la colombe... في زمن ازدهار الحضارة الإسلامية حصلت مغامرة غرائبية لحسن، و هو مريد عند شيخ بارع بالخط، ابتدأت بجمعه لكل كلمات الحب المستخدمة في اللغة العربية، و من ثم بحثه عن بقايا مخطوط طوق الحمامة... من المشاهد البديعة، كانت سوق الوراقة و النساخ... و حقيقة أن الفيلم يستحق المشاهدة...
 

◄►◄►◄►◄►◄►◄►


-
المحاضرة الثالثة: التراث و نظرية الانحطاط
https://www.youtube.com/watch?v=xXKFd0OO3hE
 

منذ أواخر القرن التاسع عشر و مع الصعود الإمبريالي الأوروبي و غزواته للشرق ظهرت في موازاة تلك الغزوات القهارة مقولة أن التحديث ضروري للثقافة العربية و للدين الإسلامي لأنهما مرا بمرحلة انحطاط بلغت حوالي الألف عام، يعني منذ القرن 4 – 5 للهجرة، و ظلت مستمرة حتى مطلع القرن 20 الميلادي أي 14 للهجرة.
أما ما كانت أسبابه و ما هي ظواهره، فهذا ما تجادل فيه العرب و المسلمون و المستشرقون و مؤرخو الحضارات منذ 70 أو 80 عام. و قد قرأت أول مرة عن الانحطاط العربي الإسلامي في كتاب قصة الحضارة لـ ويل ديورانت.
لكن مقولة الانحطاط ليست مقولة بسيطة تعتمد على القهر، فحين تقهر شعبا يعني أنك أقوى منه، أي أنت الحضارة و هذا الشعب إما أنه لا يملك حضارة أو أنه يملك حضارة جامدة أو منحطة أي غير صالحة للزمان الذي نعيش فيه.
و أصل الفكرة إدوارد جيبون المؤلف الانكليزي الذي كتب كتابا عظيما عن صعود الدولة الرومانية و انقضائها (اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها) في القرن 17، ثم كتب اسوالد اشبنغلر عام 1913 نظرية في انحطاط الحضارة الغربية (تدهور الحضارة الغربية) عشية الحرب العالمية الأولى حيث كان النزاع اشتد بين الدول الأوروبية و ظهرت نذر الحرب العالمية و هي أول حرب يقتل فيها عشرات الملايين من البشر.
فنظرية الانحطاط في الحضارة هي نظرية غربية، لكن كثيرا من المسلمين و العرب سلموا بها، بعضهم ليقول إنه لا بد من النهوض لأن حالتنا بائسة و غير مرضية، و بعضهم لأنه أراد الانتماء لحضارة أخرى ما دامت هذه الحضارة قد سقطت و لم تعد صالحة لبناء حياة بشرية عليها.
و بالفعل منذ ذلك الحين أي القرن 19 و مطالع القرن 20 بدأ البحث في أسباب هذا الانحطاط و كيف يمكن الخروج منه. و لم تكن تلك الدراسات علمية بحتة تقصد إلى تحليل الظاهرة و أسبابها و محاولة تجاوزها بل كانت مخلوطة بكثير من الأديولوجيا و الأفكار المسبقة. مثل داركور الذي ألف كتابا حول أن الإسلام يستعبد المرأة و الفلاح و أنها بالتالي حضارة عبودية إقطاعية و لذلك حصل انحطاط فيها عندما توقفت اندفاعاتها الإمبراطورية و لم تعد تستمد هوية من الخارج بسبب ظهور تيارات تصر على الأصالة.
فلماذا شخص مثل إرنست رينان أو داركور هذا يقولون بالانحطاط في الحضارة الإسلامية؟
يعضهم يقول ذلك بدوافع إثنية و عنصرية، أن العرب و الساميين كما قال رينان عقليتهم من نوع معين و لا يعتمدون التعقل و الاستمرارية و إقامة المؤسسات، مثلهم مثل اليهود الذين هم من أصول عبرانية سامية و لذلك و بسبب عجز العقل السامي عن الإبداع حصل الانحطاط، فإذا كان يـُراد النهوض فينبغي الخروج من الإسلام... هذه النظرية رد عليها الكثيرون و سفهوا رينان و أجابه المستشرقون بأنه لو كانت العقلية السامية مذنبة فلماذا ازدهرت الحضارة الإسلامية باعترافك أكثر من 6 قرون و القائمون عليها أمس هم أنفسهم اليوم؟
و عندما توارت النظرية العنصرية في الانحطاط ظهرت نظرية التاريخ الفكري أو التاريخ الثقافي الذي يحاول أن يفارق التاريخ المادي الذي تعتنقه التيارات التقدمية و الماركسية، و هو يعلل الانحطاط بخنق الفلسفة في الإسلام و خنق العلوم البحتة و التطبيقية و يذكر مثالا على ذلك كتب الغزالي و خاصة تهافت الفلاسفة و فتاوى ابن الصلاح في تحريم المنطق، و يأتي محمد عابد الجابري و يقول لم يبق من هذا التقليد العقلاني بعد ضرب أهل السنة للمعتزلة و بعد انفصال الشيعة و انعزالهم، لم يبق إلا تيار ابن رشد و هو تيار مغربي أندلسي و انتقلت آثاره بالترجمة اللاتينية إلى أوروبا، فهناك مسلك من اليونان و الرومان عبر جسر الإسلام الذي هو ليس أكثر من جسر إلى الغرب. و بحسب هذه النظرية فالانحطاط سببه التيارات الفكرية النصوصية و النقلية و إشكالية نصرة النقل على العقل المتواجدة عند أهل السنة من الأشاعرة و الصوفية، بينما التيار العقلاني هو للفلاسفة و للمعتزلة، كما هناك العقل العرفاني المتنور للإسماعيلية و القرامطة و ما شابه.
و أحد أسباب مقولة الانحطاط أيضا هو محاولة لتبرير الاستعمار فأنت تغير على بلد و تقول أن هذا البلد متخلف بالمقاييس الأوروبية للتقدم و أنا أملك رسالة حضارية أريد أن أحكمهم لأحضّرهم حتى يعودوا أمة عظمى مثلما كانوا سابقا في تراثهم الذي أعرفه و في كتاباتهم التي أعرفها. فالمقولة نوع من التبرير للاستعمار أن هؤلاء قوم غير أكفاء و لا مؤهلين لا بحكم موروثهم و لا بحكم حاضرهم لقيادة أنفسهم بأنفسهم و رعاية شأنهم العام بأنفسهم و إقامة السيادة المحترمة بأنفسهم، و لذلك لا بد من مساعدتهم بالمعنى الحضاري، حتى يكون هناك إصلاح سياسي و اقتصادي و اجتماعي و إصلاح ديني.
مقولة الانحطاط، قابلتها مقولة أخرى حملتها أقلية من علماء الغرب و هي أن المسلمين في القرن 18 كانوا ناهضين، و الذي حدث أن الغزو الأوروبي لمصر عام 1799 هو الذي ضرب ذلك النهوض لصالح حداثة أوربية بعد ما كان هناك نهوض و حداثة ذاتية، و هذه الحداثة الأوروبية قوبلت من جانب نخبة من العرب و المسلمين بالقبول و الاستحسان و حاولوا ملاءمتها مع أوضاعهم، و حاولوا النهوض عن طرقها و إن كانوا قدموا الجانب المادي على الجانب الفكري و الثقافي في تقبل الحضارة الأوروبية، و هؤلاء عرفوا بجماعة التنوير و الإصلاح.
هذا الهم النهضوي الذي قاده الليبراليون و العلمانيون و النهضويون من المسلمين أفلس بعد حوالي القرن من الزمان، لكن إفلاسه كان له نتائج، فقد كان بنى بُنىً قوية في داخل المجتمعات العربية و الإسلامية. و هو يمتلك فكرة محددة للتقدم و هي أن النهوض ليس عبر الأمة بمجموعها، و إنما تتقدم النخب و تأخذ بيد الأمة، و لذلك سادت الانقلابات العسكرية التي تريد قيادة المجتمع و الدولة في الاتجاهات الحديثة الجديدة، و هذا ما وقع في تصور هاملتون جب عندما كتب كتابه عن الإسلام و الحداثة أو عن تاريخ الفكر الإصلاحي في الإسلام.
و ما بين مطامح النهوض و ما قيل عن استمرار أسباب الانحطاط و الجمود عادت اندفاعة نقدية لتتعامل مع قضية مقولة الانحطاط من وجهة نظر شديدة الراديكالية في الأربعين سنة الماضية، على أيدي أمثال الأساتذة عبد الله العروي، محمد أركون، محمد عابد الجابري، حسين مروة، الطيب تيزيني. كل هؤلاء قالوا إنهم يريدون وضع برامج للتعامل مع الموروث الفكري و الثقافي و الديني، و قسموا هذا التراث لأقسام _كما فعل حسين مروة_ قسم تقدمي يجب أن يبقى، و قسم رجعي يجب أن يـُنفى. ثم بعد ذلك تعقدت المحاولات و لم تعد بهذه البساطة، فمنظومة الجابري في أربعة مجلدات عن بنية العقل العربي و تكوين العقل العربي و العقل الأخلاقي العربي و العقل السياسي العربي هذه الكتب الأربعة يقول إنها توضح منهجا للتعامل مع التراث في شتى النواحي يقوم هذا المنهج على تفجير التراث و تحليله إلى العناصر الأولية، طريقة للخروج منه و المضي إلى العقلانية التي نشرها ابن رشد و أفادت منها أوروبا، و لذلك فإن العرب و المسلمين و بالذات أهل المغرب هم الأولى بأوروبا حتى من سكانها المعاصرين باعتبارهم أنهم وقعوا في أصل نهوضها.
 

مقولة الانحطاط نفسها ما تزال تتكرر بصيغ مختلفة و إن تكن صغيرة، فساعة يقولون لنا إن الإسلام الأصولي قوي و يستشري و يتكاثر و لا يُكافح إلا بإسلام معتدل، و ساعة يقولون لنا إننا لا نستطيع تحمل تدخل دينكم في السياسة أو في الشأن العام و نريد تحريرا للإسلام قبل إمكانية التعامل معه و نحن نسمي التحرير reform إصلاح. و كل هذه المحاولات و كل هذه التفسيرات ما تزال تضع شكوكا في حقيقة مدى إسهام الدين الإسلامي و الموروث الثقافي الإسلامي في المعاناة الحاضرة لنا وسط التبعية و وسط الاجتياحات و الاحتلالات.


أنا متأكد أننا ما كنا في لحظة تاريخية منحطين و لا نحن أكثر انحطاطا أو نخبوية من المرحلة السابقة. لكن هذا الكلام يفرق عن مقولة الانحطاط و أنه لا بد من الخروج منه من دون أن تستثني الدين الإسلامي بما في ذلك القرآن، و يرد عليهم المحافظون أن القرآن essence روح الحضارة الإسلامية و ينبغي أن يبقى، و هؤلاء المحافظون ما زالوا يمثلون كثرة كاثرة بين الناس.
 

كيف نواجه فكرة الانحطاط؟
لا يمكن مواجهتها مناطحة، لأنها فكرة و ليست شخصا، لكن أيضا ليس بسبب ذلك فقط، بل لأننا بالفعل في وضع سيء اجتماعي و سياسي و اقتصادي. فعندما تدافع عن إسلام عمر بن الخطاب، يقول لك أنا أتحدث عن إسلام العصر العثماني الذي كان مملوءا بمشكلات كثيرة، و التي لعبت دورا في نشر نظرة تشاؤمية إلى العالم الإسلامي حضارة و واقعا و تاريخا.

و يضاف لذلك _و هذا ليس بالأمر المجهول_ أن الصراع الثقافي لا يتم على هذه المقولة أو تلك في الداخل البحت، بل إنه يتم بالتساند أو التناقض مع قضايا عالمية و مع أشخاص معروفين في العالم يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن هذا التفسير أو ذاك، و لهذا تصبح مقولة الانحطاط مقولة معقدة لا تستطيع أن تجيب عنها بنعم أو لا، فنعم قياسا على ماذا، أو لا قياسا على ماذا؟
و عادة القياسات تكون سياسية، أو اللاقياسات تكون سياسية، أما فيما يسمى بالتاريخ الثقافي و الفكري فلا أدري كيف سنحي المعتزلة دون أن نسمح لأهل السنة في جانبهم العقدي بالإحياء، و من قال لك أن استحضار ابن خلدون أو الشاطبي أو القرافي أو أي يكن من هؤلاء الكبار، من قال لك إن الواقع يسمح بحضوره و استحضاره و الاستعانة به في الصراع على المجتمع و الدولة و مع من يكون و في أي فريق يكون. هذا أمر يدل على ما بلغته الأزمة الإديولوجية في العالم العربي، هذا المخاض العسير الذي نخوض فيه جميعا و الذي أدى لهذه الأفكار السوداوية كما أدى إلى مضاداتها، و إن يكن للمستشرقين السبق في الذهاب إلى جمود الإسلام و إلى قلة قدرته على التغيير.
عندي هنا كتاب (تاريخ المكتبات الإسلامية و من ألف في الكتب) للشيخ عبد الحي الكاتب، و هو محدث مغربي كبير، و عندي (دراسات في الفكر في الكتب و المكتبات) للدكتور عبد الستار الحلوجي، و أستطيع أن أحضر عشر كتب في نفس الموضوع، كما يمكن لنا أن نتلمس شيئا مما أقصده من مسألة التقدم و الانحطاط أنه لا بد من القياس على شيء آخر. و إذا نظرنا إلى هذا الانحطاط مع بروز حركات التغيير العربي فأعتقد أن الوعي بالانحطاط هو غير هذا الواقع، و بالتالي عندما يتغير الواقع الهيجيلي أو الأدورني أو الهابرماسي أو أي واحد، عندما يتحرر سيستطيع أن ينتج كثيرا و بحرية.
 

الدراسة تطورت في العشرين سنة الأخيرة من حديث يتخذ سمة العلمية في قضية الانحطاط الحضاري و الثقافي الإسلامي، إلى مسألة صراع الحضارات. و بالتالي نقلها من الحيز الفكري و العلمي و التاريخي إلى حيز السياسة. فالمسألة ليست مجرد دعاوى أو شبه مستشرقين أو مبشرين و لكنها أكثر من ذلك هي استراتيجيات، فقد تكون المسألة لا تتعدى التأكيد المبالغ فيه على الخصوصية العربية الإسلامية، و قد يكون النهوض قد حصل و لكنه مخالف لمصالح تلك الدول، و قد يكون الانحطاط حاصلا لكنه ليس بسبب الدين الإسلامي و القيم التي فيه و المبادئ و المحرمات و المباحات و الطريقة القياسية في الفقه و هذه الأسباب كلها، قد يكون شيء منها موجودا بما في ذلك انحطاط التصوف و تحوله إلى طرق و مزارات و خانقوات، إنما أن تبدأ من هنا لتنتهي إلى إدانة عقيدة الأكثرية الإسلامية باعتبار أن فيها الصوفية و فيها الأشاعرة و أنهم هم الذين قتلوا المعتزلة أو قتلوا فكرهم أو قتلوا الفلاسفة قبل ذلك و الاحتجاج دائما بكتاب تهافت الفلاسفة للغزالي!

 

و لذا أجد أن المشكلة عندما نبحثها من هذه الجوانب التي تحدثنا عنها فيها، في ضوء هذا التراث المخطوط العظيم و الكبير من جهة، و من جهة هذه الاجتياحات التي واجهتها المنطقة في الصراع بين الشرق و الغرب منذ القرن 11 و 12 للميلاد، ثم هذا التاريخ الطويل من الصراع بين العثمانيين و الأوربيين نجد أن الأمر _حتى لو كان هناك مظاهر انحطاط_ يتعدى هذا الظاهر ليصنع مقولة، هذه المقولة يمكن أن نذهب إلى أنها مقولة أيديولوجية أو دوغمائية، هدفها بالفعل إفقاد هؤلاء الناس الثقة بأنفسهم، أو فرض نوع من العزلة عليهم أو مكافحة دينهم و ثقافتهم و لكن بطرائق مختلفة عن طرائق المبشرين،
قبل شهرين كان هناك مؤتمر من مؤتمرات الجامعة الأمريكية ببيروت بالاشتراك مع المعهد الألماني للدراسات الشرقية عن مقولة الانحطاط ،و كان هناك حوالي 25 أستاذا، منهم من وقف مع هذه المقولة و دلل عليها من المدن و الكتب و الطرق الصوفية و جمود الأشعرية الخ، و منهم من وقف ضدها و ذكر أن الانحطاط ليس حاصلا و استشهد بمخطوطات الطب و الهندسة و الرياضيات و كيف بقي انتشارها و كيف أن العلوم لم تخمد و لم تجمد و أنه حين يقرأ هذا الكتاب الضخم Contingency in a Sacred Law لمؤلفه Baber Johansen يلاحظ أن الفقه الإسلامي تطور تطورات كبيرة حتى في العصر العثماني، و انقضى المؤتمر على مقولات، ما استطاع أحد الطرفين أن يجتذب الطرف الآخر إلى معسكره لأن كلا منهما مصر على رأيه، و يختلط فيهم العرب و الأجانب، فليس العرب مع الأصالة و الأجانب مع عدم الأصالة، بالعكس فقد برز نوع من الاختلاف بين الطرفين و انقسموا بحسب الآراء العلمية ليس بحسب الإثنيات أو الديانات أو التيارات الثقافية.
و ما دمنا بصدد تأسيس مقولة الانحطاط و بنائها و كيف نشأت أذكر أنه في عام 1958 أقيم مؤتمر مشابه بلاهور بباكستان عن ظاهرة الانحطاط و كيف يمكن تخليص المسلمين منها، و كان هناك مؤتمر بفرانكفورت للمستشرقين يناقش هذه المقولة.
 

هذه المقولة تأبى أن تموت ما دام وضع العرب و المسلمين سيئا، فدائما هم متهمون لأنهم من جهة ضعاف و لأنهم من جهة يستثيرون بالأعمال الإعلامية الكبرى مثل عمل بن لادن، و في الحالتين يجد الغربي و الأوروبي نفسه مرتاحا نسبيا، فليس لديه تحد ثقافي أو حضاري، و لا يرجع ذلك إلى أن التحدي الثقافي و الحضاري غير موجودين، بل يرجع الأمر من وجهة نظري للقطيعة، فالإسلام و حركاته الحديثة ليس نتاج المرحلة التقليدية، و كراهيته للغرب صناعة هذا العصر و لا علاقة لها بأصول الإسلام. ما أقصده أننا عندما نبحث في النهوض و الانحطاط أو السقوط و الارتفاع فلا ينبغي أن نقيس ذلك تاريخيا و نلجأ للتاريخ، لأن التاريخ أيا كانت ظواهره فإنه عرضة لشتى التأويلات و التفسيرات، فلنكن عمليين و لنواجه مقولة الانحطاط هذه بطريقة عملية. و في الواقع هذا ما فكر فيه كثيرون و لذلك كانت دائما مكتبة الإسكندرية تقوم بمؤتمر سنوي نظري للمخطوطات العربية لدعمها و تطويرها و تصدر عن ذلك المؤتمر كتب متخصصة، و يخصصون ندوة صغيرة على هامش المؤتمر العام للجدال في مسألة الانحطاط، لأنه أمر يجعلنا غير مسؤولين عن فترة ألف سنة من تاريخنا، و لا أعرف لماذا نحن منزعجين من هذه المرحلة التي ظهر فيها رجال كبار و ظهر فيها صعاليك، و لم تـُحتل الأرض في أيامهم و إنما احتلت قبل ذلك و بعد ذلك، و العثمانيون ليسوا مذنبين فيما يتعلق بالتأخر الحضاري و لا مذنبين فيما يتعلق بالاجتياحات العسكرية لأنهم قاموا بجهدهم.
الذي أريد الوصول إليه أن مقولة الانحطاط لا تؤخذ بشكل شامل فتـُقبل أو ترفض، و إنما ينبغي دراسة التطورات المتأخرة في الأزمنة العربية الإسلامية و دراستها من وجهة نظرة السوسيولوجيا التاريخية، و الوصول من طريق ذلك إلى فهم جديد لا يركز على كون الأمر انحطاطا أو ليس انحطاطا، و لكنه يحدث وعيا بالمشكلات الحقيقية من الناحية الثقافية و الفكرية، و ليس بالمشكلات الوهمية مثل صراع الحضارات أو صراع الثقافات أو ما شابه. و على كل حال تبقى مقولة الانحطاط شديدة الأهمية و الخطورة لأنها تعطي عذرا لكثير من الناس و تعطي عذرا لأناس يتناقضون معهم، و ستظل موضع خلاف ما دمنا في رقدتنا، و نحن ننهض الآن و الحمد لله و لذلك أظن أنه يمكن لهذه التحركات العربية أن تحل المشكلة خير مما حلها أتباع الأصالة و التراث أو أتباع العلمنة و التقدم.
 

انتهت المحاضرة التي مدتها 39 دقيقة

(هذه المحاضرات كانت عام 2011، و لا أدري هل ما زال متفائلا أم لا...)

◄►◄►◄►◄►◄►◄►


-
المحاضرة الرابعة: المرحلة الأوروبية في دراسة المخطوطات
https://www.youtube.com/watch?v=_Z2TWRFBRjk
 

في هذا الدرس نعالج مرحلة التعامل الأوربي مع التراث العربي، و هي تنقسم حتى نصل إلى الحقبة التي بدأ التراث العربي المخطوط ينشر إلى عدة مراحل:
- المرحلة الأولى: تتعلق بالصراع الذي نشب منذ القرن 7 ميلادي عند ظهور الإسلام مع بيزنطة، ثم في القرن الثامن جرى فتح الأندلس و بعد ذلك جرى اقتحام الجزر الايطالية خصوصا صقليا و باليرمو، في هذه الفترة الصراعية بين القرنين 7 و 9 تعرف الأوروبيين على الإسلام باعتباره دينا مخاصما، و هناك أدبيات هائلة الاتساع حول الرؤية البيزنطية للإسلام و الرؤية السريانية المحلية التي نشأت في بلاد الشام و مصر للإسلام و ظهوره.
- المرحلة الثانية: هي التي نعنى بها، عندما بدأت بعض المخطوطات و المؤلفات العربية تنقل إلى اللاتينية، و هذه عملية متبادلة، و قد تعلم كثير من الأسبان اللغة العربية ممن بقوا على دينهم، ثم ظهرت ابتداء من القرن 12 مدرسة للترجمة في سلمنكا، و في المرحلة نفسها بدأت ترجمة كتب لابن رشد و غيره إلى اللاتينية عبر العبرية أو بشكل مباشر، يعني كان هناك تراجمة يهود يعرفون اللغات الثلاث يترجمون إلى العبرية ثم إلى اللاتينية من العربية، ثم كان هناك أوربيون يترجمون من العربية إلى اللاتينية بشكل مباشر. و ما كان ابن رشد أول من نـُقل، و إنما اهتموا في الأصل بنقل المترجمات عن الإغريقية و بالتخصصات العملية مثل الطب و الفلك و الكيمياء ثم وصلوا إلى الفلسفة. و بلغت هذه المرحلة ذروتها بمحاولة ترجمة القرآن إلى اللاتينية.
- المرحلة الثالثة: بدء التأثير و التأثر بالإسلام و بالموروث الكلاسيكي الذي تُرجم في عصور الإسلام من الإغريقية مباشرة أو عبر السريانية إلى العربية و طوره العلماء العرب و المسلمون في شتى العلوم البحتة و التطبيقية و في الفنون و الآداب و في الفلسفة على وجه الخصوص. هذا الموروث اهتم به الأوروبيون بشكل رئيسي، ثم اهتموا بالتطويرات العربية لهذا الموروث في الفلك و الرياضيات و الفيزياء و الطب و الهندسة الخ
- المرحلة الرابعة: هي مرحلة الطباعة، عندما ظهرت الطباعة في أوربا، بدأ الأوربيون يطبعون نصوصا عربية تهمهم، مثل الحاوي في الطب للرازي و مؤلفات الطب لابن سينا و مؤلفات أخرى في الهندسة و الفلك و الرياضيات و أيضا بعض النصوص الفلسفية ذات الطابع الكلامي و اللاهوتي. كان هناك أمران ،فمن جهة طبعت النصوص مترجمة إلى اللاتينية، ثم صارت تطبع نصوص عربية بمعنى أنه قد صنعت حروف عربية بالطرق البدائية للطباعة بعد اختراع جوتنبرغ قبل نهاية القرن 15، و في القرن 16 ازدهرت هذه الطريقة، و ظهرت أولى النصوص العربية التي ما تزال موجودة في المكتبات، و منها القرآن الكريم و منها العهدان القديم و الجديد. و لم تنتشر الطباعة في العالمين العربي و الإسلامي إلا بعد القرن 17.
كل هذه المراحل الأربعة هي مراحل كان يجري فيها التعامل مع التراث العربي العلمي البحث و التطبيقي من موقع التعلم و الشرح و الاستفادة، و التراث الديني و الكلامي و الفقهي من موقع المجادلة و المخاصمة للإسلام، لأن هذه الخصومة للإسلام كانت فيها ثلاث محطات:
1- محطة الفتح العربي لممتلكات الدولة البيزنطية في مصر و الشام و المغرب ثم اسبانيا و الجزر الايطالية و نشوء الجبهة في بلاد الشام في شمال حلب مع البيزنطيين و التي استمرت قرونا متطاولة. هذه المواجهة العسكرية تلتها مرحلة أخذ فيها العرب و المسلمون نصوصا من المواطن التي احتلوها، نصوصا يونانية أو مترجمة عن اليونانية إلى السريانية بالإسكندرية و حران من جهة، و من الدولة البيزنطية أو من اسبانيا أو الجزر الايطالية و ترجموه من السريانية و اليونانية إلى العربية و كله تراث يوناني، و بعد ذلك بدأ هذا الإنتاج العربي مع دخول المحطة الثانية.
2- المحطة الثانية الحروب الصليبية و هي مرحلة مواجهة عنيفة و مواجهة مباشرة للفتوحات العربية في أوربا.
3- المحطة الثالثة في هذه المواجهة هي تغلغل العثمانيين في أوربا و الذي ظل حتى تقدم الجيوش العثمانية في أوروبا حتى أواخر القرن 17، و حاصروا فينا للمرة الأخيرة عام 1683 و ظلوا في البلقان إلى مطالع القرن العشرين.
- المرحلة الخامسة: هي التي تهمنا. كان لا بد من هذا التقديم لنعرف كيف دخل الموروث العربي و النصوص الثقافية العربية، كيف دخلت اللغة العربية في صورة كتب و مؤلفات و مترجمات إلى أوربا عبر المراحل الأربعة التي ذكرتها، أما المرحلة الخامسة في القرنين 18 و 19، وجدنا في مكتبات الجامعات و المعاهد الأوربية الغربية و الوسطى و روسيا ثم فيما بعد الولايات المتحدة مجموعات مخطوطات كبيرة.
طبعا هناك مخطوطات موروثة عما أتي به من اسبانيا من خلال الجزر الإيطالية و الحروب الصليبية و لكنها قليلة، و لكن الكمية الأكبر من المخطوطات ذات المجموعات الكبرى كلها اقُتنيت و أتي بها من العالمين العربي و الإسلامي في القرنين 17 و 18 ثم في القرن 19 و في الولايات المتحدة في القرن 20، جُمعت في خزائن كبرى و فُهرست، و ما تزال حتى الآن تدرس دراسات علمية. و هي تبلغ حوالي 100 ألف مخطوطة عربية في شتى الفنون و الفروع و الآداب و العلوم و الفرق الإسلامية و الحضارة. و كما قلنا في دروس سابقة كُتب في الحضارة الإسلامية منذ القرن 2 هجري و حتى أواخر القرن 13 هجري حوالي 20 مليون مخطوطة ضاع أكثرها، و يتراوح الذي ما يزال موجودا في العالم الإسلامي و غير الإسلامي في حدود 3 مليون، منهم الحوالي 100 ألف من المخطوطات الشديدة الأهمية في مكتبات أوروبا و الولايات المتحدة.
حين نصل إلى التعامل الأوربي مع المخطوط العربي في المرحلة الخامسة فنحن نتحدث عن طريقة جديدة و شأن جديد، فأوروبا في القرنين 18 و 19 تقدمت تقدما هائلا، و بدأت تجتاح العالم بثقافتها الجديدة و تقنيتها و جيوشها، و في الوقت نفسه ظهر هذان العصران عصر النهضة في القرنين 16 و 17 عصر الأنوار في القرنين 18 و 19، و لهما معنى محددا حيث أعادت أوروبا تحديد هويتها و انتمائها، و ظهر هذا المصطلح الذي يعتبر أوروبا وحدة ثقافية كبرى ناهضة، و أن نهوضها هذا و هويتها هذه تستند إلى موروثات يونانية بدرجة أولى و رومانية بدرجة ثانوية، و بدأ في القرنين 17 و 18 نشر المخطوطات اليونانية باعتبار أن إحياء هذا المخطوط اليوناني هو بعث نهوضي أوروبي يتضمن عنصرين، العنصر الأول الذي يقول إن هذا التقدم الأوروبي يستند إلى تقدم قديم و إنه مستمر. العنصر الثاني محاولة للاستقلال و أحيانا لمواجهة الهوية المسيحية لأوربا في عصري النهضة و الأنوار، يعني إعادة تعريف الهوية مقترنة بنوع من العلمانية بسبب الصراع الذي نشب عبر ثلاثة قرون و انتهى إلى انقسام المسيحية إلى معسكرين كبيرين المعسكر الكاثوليكي و المعسكر البروتستانتي المنشق عنه. وقتها كان يعاد تحديد هوية أوروبا استنادا إلى المورث اليوناني روحا و أفكارا و نصوصا. و لا ننسى أن الرهبان في العصور الوسطى كانوا يعرفون بعض اللغات السامية و لكنهم ما كانوا يعرفون اليونانية، و كانوا يترجمون المترجم إلى العربية يترجمونه إلى اللاتينية، و لكننا نشهد منذ القرن 15 و 16 و 17 محاولة للتعرف على اليونانية القديمة ثم للترجمة منها مباشرة إنما بعد طبع المخطوطات اليونانية طباعة علمية.
و قد ابتدعت طرق في تحقيق المخطوطات في العناية و كيف يمكن طباعة النص اليوناني أقرب ما يكون على ما تركه عليه أرسطو و شراحه و تلامذته.
هذه الطرق و التقنيات تستند إلى فكرة نهضوية تقول إن هذا الموروث مفيد في النهوض في إحياء الروح الأوربي القديم، أقدم من المسيحية، و مفيد في عمليات التقدم، و الأهم أن هذا التراث كان قد بدئ بتجاوزه و لم يعد يلعب دورا كبيرا في التقدم، و إنما في الروح و الأفكار، و تتثبت هذه الأطروحة التي تقول إنه إذا كان لا بد من إعادة تعريف للهوية الأوربية الثقاقية و من ربطها بالموروث اليوناني و ليس أي موروث آخر فإنه لا بد من بعث هذا التراث اليوناني المخطوط.
و بدأوا بعد هذا البعث يقارنون بينه و بين ما ورثوه من العرب من ترجمات بالعربية أو مترجمة إلى اللاتينية.
و عندما بدأوا يكتسحون العالم بدأوا يعملون مع الثقافات الأخرى ما عملوه مع ما اعتبروه ثقافتهم القديمة، و كان من ضمن ذلك موروث العهد القديم و المخطوطات العبرية و الآرامية و السريانية بالدرجة الأولى، ثم المخطوطات العربية التي كانت مجموعات كبرى اجتمعت لديهم، اشتراها قناصلهم من المدن العربية و الإسلامية الكبرى و اشتراها التجار و الرحالة الباحثون الذين كانوا مهتمين بالدرجة الأولى بها، و أرادوا أن ينهضوا بهذه الأمم، و اعتبروا أنفسهم أصحاب رسالة أحيانا باسم التبشير و أحيانا باسم النهضوية الانسانوية، و في الحالتين أرادوا أن يعملوا في التراث العربي ما عملوه مع تراثهم الخاص و ما عملوه مع التراث اليوناني و التراث الروماني، بمعنى أنهم اعتبروا أنه لكي تفهم حضارة العرب و المسلمين و تعرف هؤلاء المسلمين المعاصرين لك الذين تحاول استكشاف نفسياتهم و استغلال ثرواتهم و احتلال بلادهم و تريد إعادة صياغتهم على مثالك و تريد هدايتهم إلى المسيحية الأوربية، لا بد أن تعرف المصادر الأصلية لتراثهم بدأ بالقرآن و وصولا إلى طباعة المخطوطات و ترجمتها إلى لغاتهم بعد طباعتها بطريقة محققة تشبه تحقيق المخطوطات اليونانية.
و لسوء الحظ أو حسنه، هذا الإدراك الأوربي الإشكالي و الذي يتضمن ثلاث نواح: ناحية تقنية من طباعة مخطوطات محققة من النصوص العربية الكبرى دينية و ثقافية و علمية و تطوير تقنية تشبه التقنية التي استخدموها في طبع المخطوطات اليونانية. و تضمن ناحيتين معنويتين ثقافيتين، أن الثقافة العربية و النفسية العربية أو الفارسية أو التركية لا تُعرف إلا من خلال نشر هذه المخطوطات، و أن هذا النشر و هذه الدراسات التي تـُعمل بعد النشر و استنادا إليه، إنما تؤدي إلى فهم العرب و المسلمين و إمكان التعامل معهم بطريقة سليمة أو إمكان تحويلهم بطريقة حضارية.
فإذن كان التعامل من التراث العربي من الجانب الأوربي هو تعامل بقصد المعرفة و بقصد التحويل و بقصد اكتمال محاولاتهم في اكتساح العالم.
أواسط القرن 19 كانت كما قلت مجموعات كبرى من المخطوطات قد اجتمعت و بالذات في البلدان الأوربية الكبرى مثل انكلترا و ألمانية اسبانيا و فرنسا و ايطاليا و هولندا، و كان علماء كبار قد صاروا يعرفونها، و النسب العلمي لكثير منهم يعود إلى المدرسة الشرقية التي أنشأتها الثورة الفرنسية عام 1795 في باريس و اشتهر سلفستر دي ساسي مديرها لأكثر من 30 عاما، و تعلم عنده بريطانيون و ألمان و إيطاليون، و كتب كتابا في النحو العربي و نشر كليلة و دمنة و نشر مخطوطات أدبية أخرى و تعلم عنده من العرب رفاعة الطهطاوي الذي فوجئ بصناعة المخطوطات، و اهتم بجمعها. و قد ظهر فهرس مكتبته بمصر في ثلاث مجلدات قبل عشرين أو ثلاثين عاما و هذا يدل على أنه أفاد في باريس ليس فقط من تعلم الطريقة الأوربية و إنما أيضا في طريقة كتابة كتبه و كيف يحقق مخطوط و ينسخ مخطوط من أصله المكتوب بخط اليد و يقارن مخطوطات الكتاب الواحد فيما بينها لينشأ نص أقرب ما يكون إلى ما تركه المؤلف، و هذه فكرتهم، ثم يطبع هذا المخطوط.
الأساتذة الألمان الذين تدربوا على أيدي أساتذتهم علماء الدراسات السامية ثم علماء الدراسات العربية بعد أن تمايزت التخصصات في مدارس الإستشراق المختلفة طبعوا نشرات محققة استنادا إلى المخطوطات المحققة التي كانوا يمتلكونها في بلدانهم، و هي مئات الكتب بين 1847 و نهاية الربع الأول من القرن العشرين. في هذه الفترة الخصبة ما بقي كتاب عربي أساسي في التاريخ أو الفقه أو التفسير أو اللغة أو المعاجم اللغوية أو في العلوم إلا و نشر بطريقة محققة قام بها محققون أوروبيون كبار. ثم كتبوا دراسات عنها بحيث أمكن مع مطالع القرن 20 أن تظهر دراسات عامة في تاريخ الثقافة العربية استنادا لهذه المخطوطات الموجودة أو المنشورة، و ما نشر يستعصي على الحصر و التي نجد منها تاريخ الطبري و طبقات ابن سعد و معجم البلدات لياقوت و تفسير البيضاوي و تفسير الزمخشري و تفسير الطبري، و نجد منها الرياضيات للخوارزمي و العين للغافقي، و لسان العرب لابن منظور، و القاموس المحيط للفيروز آبادي.
الملحوظ من حيث المنهج الأضيق و من حيث التقنية، أنه سادت في هذا النشر كما قلت مسألة إحياء التراث من أجل النهوض، و أنهم يقدمون أيضا خدمة لأنفسهم و للعرب، و ثانيا التزام المدرسة التاريخانية historicism بمعنى أن التاريخ _الذي هو في نظر الألمان صار علم العلوم في الدراسات الإنسانية_ إنما يستند إلى النصوص الفيلولوجية مقروءة قراءة علمية أو قراءة وضعانية postivisim ، و يتكامل هنا الألمان مع الفرنسيين، فالألمان الذين ابتدعوا مفهوم العلوم الإنسانية في انفصال عن العلوم البحتة و التطبيقية و النصوص الفلولوجية و التاريح، و الفرنسيون الذين أضافوا لذلك الاهتمام السيوسيولجي الدقيق و المدقق و الوضعاني بمعنى اعتبار أنه لا أثر للدين و العقائد في هذا التاريخ الإنساني و محاولة اكتشاف الإنسان و انجازه في هذا التاريخ في انفصال عما كان يُكتب في اعتباره تاريخا دينيا لأوروبا أو تاريخا دينيا للعالم. و هذا المنهج التاريخاني أفضى لأن يستند إلى هذه النصوص التي ينبغي أن تحقق و تنشر بعناية، ثم تجري الدراسات على أساسها للتفسير و لفهم التاريخ الإنساني استنادا لهذه النصوص. هذا الأمر هو الذي تحكم سواء في طباعتهم للنصوص بناء على فهمهم لأهميتها في هذا التصوير التاريخي، أو في منهجهم لفهم التاريخ الثقافي و التاريخ العلمي و التصوير لشخصية معينة لشخصية من الشخصيات التي نشروا تراجم عربية لها استنادا إلى المخطوطات.
عندنا إذن ثلاث بوابات يفضي أحدها للآخر
1- التفكير النهوضي الذي يتسم بطابع رسالي أو تبشيري أحيانا
2- المنهج التاريخاني الذي يبتعد عن المناهج الدينية التبشيرية في فهم نصوصنا، و يستند إلى الفلولوجيا و إعادة كتابة تاريخ دنيوي وضعاني موضوعي.
3- نشر هذه المخطوطات بالفعل باعتبارها الطريقة الأفضل لفهم ثقافة معينة استنادا إلى موروثها هي و إلى نصوصها هي و إلى أفهام أبنائها هي.
و بعد أن صارت الكتب الكبرى في الحضارة العربية و الإسلامية واضحة لديهم و صاروا يملكون تصورا عاما عنها، بدأوا يكتبون تلك الدراسات المتعلقة بالتاريخ الديني و التاريخ الثقافي و التاريخ الاجتماعي و التاريخ الاقتصادي العربي و الإسلامي، إما استنادا إلى المخطوطات مباشرة أي يوردون نصوصا من المخطوطات أو من جهة أخرى يتابعون عملية النشر بعد كتابة الدراسة، كما فعل فلهاوزن استنادا إلى تاريخ الطبري و تابع دي غويه على متابعة اشتغاله على تاريخ الطبري الذي ما نزال نعتمده و منذ ثمانينات القرن 19 لليوم، حيث طبع تاريخ الطبري في المطبعات العربية عدة مرات و لكنها كلها تستند غلى نشرة دي غويه و سخاو و ما ساعدهم فيه فلهاوزن و تلامذته، و فلهاوزن نفسه بدأ بكتابة تاريخ الإسلام الأول استنادا إلى السيرة النبوية سيرة ابن هشام التي نشرت، ثم كتب كتابه الشهير الدولة العربية و سقوطها عن الدولة الأموية مع خلفية عن أصل راشدي و ماذا حدث بعد سقوط الدولة الأموية. معتبرا إياها الدولة العربية النموذجية التي نجمت مباشرة عن الموروثات العربية و عن الإسلام.
فإذن علينا و نحن ندرس هذا التعامل العلمي الأول في القرن 19 مع المخطوطات العربية أن ندرك أنها اقترنت أولا بتصورات عامة حول ثقافة الأمم و طرائق فهمها، و اقترنت ثانيا بنشر للمخطوطات العربية و الإسلامية الفارسية و التركية، و اقترنت ثالثا بفهم معين، حتى أن كتاب فلهاوزن الدولة العربية و سقوطها يشبه كتاب غيبون عن الدولة الرومانية و سقوطها، فهم أرادوا أن يفهموا أن التاريخ الإسلامي باعتباره تاريخ قوميات كما كانوا يفهمون تاريخهم في القرنين 17 و 18.
فالدراسة الكبرى لآدم متز عن نهضة الإسلام أو كما ترجمها عبد الهادي أبو ريدة "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري" تفهم الجوانب الإنسانويةof Islamic civilization humanism، بينما عند فلهاوزن نجدها قومية مربوطة بنزوع إنسانوي.
و هكذا نجد أن التصورات الأوربية أفادتنا كثيرا من الناحية التقنية في تعريف بالمخطوطات و نشرها، و لكنها أيضا فرضت أفهاما معينة على طرائق كتابة التاريخ و الآداب و الثقافة و الفقه و التفسير و الحديث، و أخضعت هذه الدراسات للطرائق الأوربية، و أيضا أخضعت لفهم أوروبي يشبه فهمهم لأنفسهم في الانقسام إلى شعوب و أمم و قوميات و علاقات الإنسان ببيئته و علاقة الإنسان بالدين و كيف تتطور هذه العلائق، كلها تأثرت بهذا العمل الأوربي العلمي على مدى قرن من الزمان و الذي سمي تسمية عامة بالاستشراق، و الذي كان ألمانيا فرنسيا انكليزيا ثم صار أوروبيا ثم صار عالميا، و هذه المدراس الكبرى في الفهم ما لبثت أن طرأت عليها تحولات بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها أسهمت هذا الإسهام الكبير، إسهام الريادة و البدايات في التعامل مع التراث العربي نشرا و فهما.
انتهت المحاضرة التي مدتها 38 دقيقة

ملاحظة سلماوية: هذه الدراسات الريادية الأولى كان لها تأثير في نتائجها ليس فقط على الدراسات الإستشراقية بل أيضا على الدراسات العربية التي أتت... بحيث أن بعض الأفكار و التحليلات و الأحكام عن التراث في التاريخ أو الفقه أو الحديث باتت ملتصقة فيها، حتى اعتمدها الكثير من العرب الحداثيين و كأنها مسلمات و هذا أمر سيتحدث عنه في المحاضرة التالية... و الملاحظ أيضا أن هناك من الدراسات الإستشراقية الحديثة ما أخذت تختلف في طرائقها عن الإستشراق الكلاسيكي، و باتت أكثر فهما للتراث الإسلامي من داخله و فهم روحه، أو لا أدري ما هو التعبير المناسب، لكن تحليلاتها أكثر دقة و تعمل على تصحيح و نقد بعض الأفكار التي كان قد وضعها آباؤهم الأوائل و كأنها مسلمات... و مثل ما ذكرته في منشور سابق عن الغزالي من تصحيح فرانك غريفل لفكرة أن الغزالي سبب تأخر العلوم، أو مثلا فكرة السير الذاتية في الأدب العربي التي سأتحدث عنها لاحقا إن شاء الله حين أنتهي من الكتاب الذي أقرؤه... و لا أدري مدى اتساع هذا النوع من الدراسات مقارنة بغيرها.

 

◄►◄►◄►◄►◄►◄►


-
المحاضرة الخامسة: العلماء العرب و نشر المخطوطات

 https://www.youtube.com/watch?v=c16x645NBSA

 

كنا قد تحدثنا في الدرس الماضي عن التعامل الأوربي مع التراث العربي، جمعا في المكتبات و فهرسة بحيث صارت كل مكتبة تعرف ما عندها في مختلف و شتى الفنون، و اشتهر من بين الفهارس كثير، مثل فهرس ألورد Ahlwardt لمكتبة الدولة في برلين في عشر مجلدات. ثم إن هؤلاء الأوربيين أسهموا أيضا سواء بالنسبة لمصر أو بالنسبة لاسطنبول في بدء جمع المخطوطات و العناية بها، كدار كتب الخديوية في القاهرة، و السليمانية باسطنبول، و كل ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. و ليس هذا هو الموضوع الذي أردت التحدث عنه، بل أردت التحدث عن أن هذا الدخول الأوربي إلى الشرق كان ذا آثار هائلة جدا على شتى المستويات و منها مستوى التعامل مع الموروث الثقافي العربي و مع التراث الثقافي العربي و بالتحديد مع المخطوطات العربية، لكن هذا يرتبط بعملية أخرى و هي ظهور المطابع، و هي أيضا موروثة عن أوروبا. يقال إن الصينيين أقدم من عرف صناعة الطباعة و إن العرب عرفوا في العصر المملوكي نوعا من أنواع الطباعة، لكن الطباعة المتداولة لدينا منذ القرنين 17 – 18 هي مأخوذة بشكل مباشر عن تقنية الطباعة التي ظهرت في أوربا و تطورت إلى الحدود التي نعرفها و هي حدود هائلة و رهيبة أفضت إلى وسائل الاتصال و النشر.
أول ما بدأ الأوربيون يحققون المخطوطات العربية، بدأت هذه المخطوطات تصل إلى المدن و العواصم العربية الكبرى التي كانت الطباعة قد بدأت تظهر فيها. و كتابة العالم لكتبه بخطه أو بخطوط تلامذته هي مسألة عريقة تعود إلى القرن 2 هجري، 8 ميلادي، و هناك أناس كانوا بل و ما يزالون يتبركون حتى الآن مثل موريتانيا _التي كانت تسمى بشنقيط_ بخطوطهم بكتابة بعض كتب الفقه أو الحديث أو التفسير.
هذا النشر الطباعي كان مغريا بداية للدول التي بدأت تنشر سجلاتها أو الجرائد الرسمية الصادرة باسمها أو قوانينها أو بياناتها لمواطنيها، و ترددوا قليلا في طباعة القرآن، لكنهم طبعوه في القرن التاسع عشر في مصر قبل اسطنبول بينما كان الأوربيون قد طبعوه في القرن السادس عشر.
وصلت الطباعة إلى هذه الدول و عندهم مخطوطات كثيرة، و وصلت إليهم المطبوعات التراثية الأوربية الأولى، في الخمسينات و الستينات من القرن التاسع عشر، و منها أمور شديدة الأهمية و الهول، مثل مقدمة ابن خلدون و تفسير البيضاوي و الاشتقاق لابن دريد طبع فستنفلد Wüstenfeld ، و معجم البلدان لياقوت لفستنفلد أيضا، و المكتبة الجغرافية العربية لدي خويه De Goeje في عشر كتب أساسية و رئيسية، فما اهتموا بتعلم صناعة التحقيق من الأوربيين . و نحن نتحدث عن الستينات و السبعينات من القرن التاسع عشر. حيث بدأوا يأتون بهذه الكتب و يعيدون صفها و طباعتها كما هي، فلا كانوا يعودون لمخطوطات و لا كانوا يبحثون إن كان لها نسخ مخطوطة عندهم في مكتباتهم، بل يعيدون طبع ما طبعه الأوربيون.
هذه المطبوعات كانت للنخبة، أما المطبوعات الشعبية كالشروح المتأخرة، و بعض الشروح على كتب التفسير أو الفقه، و بعض الأدعية، كانوا يأتون بنسخها من دار الكتب المصرية أو من موروثات بعض الشيوخ الذين كانوا يقتنون هذه المخطوطات و يطبعونها، كما سبق و أن طبعوا تاريخ الطبري أو طبعوا لسان العرب. و هذه المطبوعات تعتمد على فهم الطابع و هو يصفها صفا حجريا بالطريقة التي يعرفها الطبّاعون آذناك.
فـ 80% من المنشورات المستندة إلى مخطوطات أو نشر مخطوطات هي نفس المخطوطات التي بدأت تنشر في حيدر آباد أو القاهرة أو اسطنبول في مطبعة الجوائب أو مالطا أو بيروت أو دمشق، حيث تنشر نفس الكتب و يعاد صفها، فيعاد نشر ما نشره المستشرقون الأوربيون، بغض النظر عن الأهمية، لأنهم كانوا يعتبرون أن هؤلاء الأوربيين متقدمون عليهم و بما أنهم قد نشروا هذا النص فلا بد أن يكون النص مهما، و بدون عناية كبيرة. و إلى جانب هذه العملية كان كل من يجد كتابا صغيرا و حتى يقول أنه أسهم بشكل مباشر يطبعه، و هذه عادة أصحاب المطابع الخاصة غير مطابع الدولة، إذ مطابع الدولة كان يوظف فيها محررون محترمون يستطيعون قراءة المخطوطة و خطوط الناس بشكل جيد، أما المطابع الخاصة عادة كان يقوم بها مثقف هاوي _قبل أن تظهر المطابع التجارية_ فيأتون ببعض المؤلفات الصغيرة في الأدعية أو التفسير و في الحواشي الفقهية يطبعونها أيضا. هذه كانت المرحلة الأولى حتى ثمانيات القرن التاسع عشر.
عام 1884 عندما ذهب الإمام محمد عبده منفيا خرج من مصر إلى بيروت و تونس وجد كتاب الموافقات للشاطبي مطبوعا في مطبعة الدولة بتونس. و هذا الكتاب مهم جدا في شرح نظرية جديدة في شرح مقاصد الشريعة، و لا نعرف المخطوطات التي استند إليها، و لم يكتب ناشرو الكتاب من محرري مطبعة الدولة مقدمة، و لم يقولوا لماذا اهتموا بنشر هذا الكتاب في أربعة مجلدات، و لا اهتموا في أن يقولوا على أي مخطوطات اعتمدوا. و نص الكتاب مقروء و جيد، و لكن المواضع الغامضة متروكة بيضاء، و يبدوا أنهم ما كان لديهم إلا هذه النسخة التي نشروا عنها هذا النص. و لكن هذا يدل على أنهم بدأوا ينشرون مستقلين عن المستشرقين، و إن كانوا لم يستعيروا بعض طرقهم التحقيقية في المقارنة بين المخطوطات. أنا أذكر هذا النموذج لأقول إن القرن 19 شهد مرحلة ثانية من الاهتمام العربي بنشر المخطوطات، متأثرة تأثيرات خفيفة إلى متوسطة بطريقة المستشرقين في النشر العلمي. و عندنا دراستان جيدتان، واحدة لمحمود الطناحي رحمه الله و واحدة لصلاح الدين المنجد رحمه الله عن أوائل المطبوعات العربية في القرن التاسع عشر، و هي كما قلت، الأولى مرحلة نسخ للمخطوطات التي نشرها المستشرقون، و الثانية بدأوا يهتمون فيها بالتعرف على الطرائق العلمية في نشر المخطوطات، و ذكرت الموافقات للشاطبي، و هناك ما هو أوضح من ذلك أن محمد عبده نفسه اهتم بنهج البلاغة للإمام علي، و اهتم بإعادة نشر الموافقات على عدة مخطوطات لأنه عرف طرائق المستشرقين لأنه أقام في فرنسا و ذهب إلى إنكلترا و تعرف على الألمان، و كانوا يترددون عليه عندما صار مفتيا عام 1895، و هو الذي أوحى بجمع المخطوطات في مكتبة الأزهر.
ثم جاء القرن العشرون و أنشئت الجامعة الأهلية بمصر التي صارت بعد ذلك جامعة القاهرة أي جامعة الدولة في العشرينات من القرن العشرين، و بدأ هذا التلاقح مع المستشرقين، فمنذ أيام الجامعة الأهلية 1907- 1908 بدأوا في تخصصات العلوم الإنسانية و في التاريخ الإسلامي، و بدأ المصريون الباشاوات الذين أنشأوا الجامعة المصرية هذه يستعينون بالمستشرقين من أساتذة الجامعات في هذه التخصصات، ليدرّسوا في الجامعات المصرية. و كان بعض هؤلاء المستشرقين ينشر مخطوطات في بريل، فصار ينشرها في القاهرة و بالتالي علموا تلامذتهم، كما تعلم هؤلاء من مؤتمرات المستشرقين التي كانوا يحضرونها في أوربا، أو قلدوا في نشراتهم للمخطوطات الأعمال التي رأوا المستشرقين قد عملوها.
و من هذا الجيل الأول للنشر و التحقيق العلمي: أحمد تيمور باشا و أحمد زكي باشا المصريان، عبد العزيز الميمني الهندي، محمد كرد علي عالم شامي من دمشق و الذي صار بعد ذلك رئيس المجمع العلمي بدمشق. كل هؤلاء الذين نشروا مخطوطات في الربع الأول من القرن العشرين و كانوا يعرفون المستشرقين جيدا و يعرفون نشراتهم و استندوا إلى طريقتهم و تعلموها منهم. و بعضهم أنكر ذلك مثل عبد العزيز الميمني مثلا و محمود شاكر و أحمد شاكر فيما بعد، و قالوا هذا تراثنا و نحن نعرف كيف ننشره، و لا نحتاج إلى مستشرقين. لكننا حين نقرأ النصوص التي نشروها و ما كتبوه في مقدماتها نعرف أنهم قلدوا تقليدا مبدعا و محترما هؤلاء المستشرقين.
أما المؤسسة الأولى التي يمكن الحديث عنها أنها اهتمت بالنشر التراثي عندنا هي مطبعة حيدرآباد الدكن بالهند، ثم الجامعة المصرية التي أنشأت سلاسل كبرى تنشر التراث العربي إلى جانب دار الكتب المصرية و التي في مرحلتها الأولى عندما أنشأت القسم الأدبي، نشر فيها أحمد تيمور و أحمد زكي باشا و عبد العزيز الميمني و آخرون و أحمد أمين فيما بعد. و هؤلاء كانوا يستندون إلى معرفة عميقة بالتراث العربي و معرفة جيدة بطريقة المستشرقين. و تلامذتهم و تلامذة المستشرقين المباشرين تخرجوا من الجامعة المصرية فأنشأوا مدرسة جامعة القاهرة فجامعة الإسكندرية التي اتسع نشرها الهائل للتراث العربي.
و في الواقع سواء دار الكتب في القسم النشري عندها أو جامعة القاهرة و ما أنشأه تلامذتها مثل لجنة التأليف و الترجمة و النشر لأحمد أمين و ما نشروه في دار الكتب و ما تعلموه من المستشرقين و هي بالمئات، هاتان المؤسستان دار الكتب و جامعة القاهرة أخذتا أحسن ما في التقليد الأوربي، ثم المجمع العلمي بدمشق برئاسة محمد كرد علي صديق المستشرقين، هذه المؤسسات الثلاث هي التي اقتبست و طورت طريقة المستشرقين، أولا في النشر و ثانيا في الدراسة. و هذا كان الجيل الثالث.
قلنا الجيل الأول طبع مخطوطات قد طبعها المستشرقون من قبل دون إعادة النظر و دون نشر حتى مقدماتها الأوربية، و الجيل الثاني بدأ ينشر مخطوطات بشكل مستقل و لكن ليس بطريقة علمية أو أنه لا يشرح لنا طريقته، إلى جانب كثير من الغث من كتب الأدعية و الحواشي الفقهية المتأخرة، و الجيل الثالث _ و هذا كله خلال خمسين سنة_ هو جيل دار الكتب المصرية و الجامعة المصرية و مجمع اللغة العربية بدمشق _أو كما كان يسمى قديما المجمع العلمي العربي_ و في هذا الجيل بلغت الطريقة الإستشراقية ذروتها و جرى تجاوزها من جهتين، الأولى اتساع النشر و التحقيق و من جهة أخرى كتابة الدراسات بنفس الفكرة الأوربية.
و بدأ هؤلاء الأعلام الكبار متل طه حسن و أحمد أمين و عبد الحميد العبادي و تلميذهم شوقي ضيف و أحمد تيمور باشا و أحمد زكي أحمد باشا و محمد كرد علي و عشرات غيرهم على تماس بالجامعة المصرية أو بدار الكتب أو بالمجمع العلمي العربي بدمشق، بدأوا يعتبرون أن التراث العربي الإسلامي هو أساس النهوض لإعادة تحديد هوية الأمة و إعادة تحديد انتمائها و كتابة تاريخها الفكري و الثقافي، و لابد من نشر المخطوطات، و استنادا إليها نراجع الأفكار و نراجع الانطباعات على أساس النصوص، يعني حتى الجزء التاريخاني و الانسانوي من هذه الفكرة الأوروبية جرت مراعاته.
و نحن نعرف ذلك بالإضافة إلى المخطوطات الكثيرة التي نشرت فيما بين الحرب العالمية الأولى و الخمسينات نعرف بداية كتابة تاريخ ثقافي عربي استنادا إلى دراسات المستشرقين و استنادا إلى المخطوطات التي كانت طباعتها قد بدأت بطريقة علمية، ككتاب تاريخ أدبي للثقافة العربية كتبه جرجي زيدان 1912 – 1913 و تاريخ للغة العربية لنفس الرجل، و تاريخ لآداب العرب لمصطفى صادق الرافعي، و كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي، و الكتاب العظيم الذي بدأ أحمد أمين عام 1928 بتأليفه بعنوان فجر الإسلام في مجلد، فـ ضحى الإسلام في مجلدين فـ ظهر الإسلام في مجلدين، و هكذا. و هو يعتبر تطويرا لمرحلة جديدة، و قد تجاوز بكثير عمل جرجي زيدان، و إن كان لجرجي زيدان فضل الريادة. فالتاريخ الفكري العربي كـُتب، و يقول طه حسين في المقدمة التي كتبها لأحمد أمين أنهم اتفقوا أن يكتب أحمد أمين التاريخ الفكري و يكتب طه حسين التاريخ الأدبي و يكتب عبد الحميد العبادي التاريخ السياسي، و لم ينفذ جزأه من المشروع إلا أحمد أمين، لكن تلميذ طه حسين، شوقي ضيف كتب التاريخ الأدبي، و عبد الحميد العبادي لم ينفذ كتابة التاريخ السياسي و لكن نفذه تلميذه حسن إبراهيم حسن. و كل واحد من هؤلاء الأعلام نشر مخطوطات و كتب و دراسات، و كلها على طريق البعث الفكري. فمحمد كرد علي نشر عدة مخطوطات فمن عام 1908 نشر رسائل لابن المقفع ثم 1914 و آخر طبعة لها 1954، و نشر عدة مخطوطات لغوية، و كتب كتابه في حضارة العرب و الإسلام، و في خطط الشام و كلاهما كتابان عظيمان استندا في الفكرة و التنفيذ إلى أعمال المستشرقين و دراساتهم.
فلدينا هنا هذا النهوض الكبير الذي أدى إلى انتشار الطريقة الإستشراقية التي صارت طريقة عربية لكثرة ما جدد فيها العرب على مدى حوالي الخمسين عاما، منذ الجامعة المصرية الأهلية 1907 – 1908 إلى إنشاء معهد المخطوطات العربية 1949 الذي ما يزال قائما جزءا من الإدارة الثقافية للجامعة العربية ثم صار جزءا من الألكسو (منظمة الثقافة و التربية و العلوم) إلى جانبه هذه المطبعة العظيمة مطبعة حيدرآباد التي أنشأت 1886 و نشرت مئات المخطوطات العربية بطريقة علمية من جانب مستشرقين أو علماء هنود، و لدينا مئات منشورات المخطوطات اللغوية و الثقافية و الأدبية و الدراسات بالمجمع العلمي العربي بدمشق أو مجمع اللغة العربية كما سمي قبل ثلاثين أربعين عاما، و بعد ذلك كثرت المؤسسات عند العرب حتى صارت تستعصي على الحصر و لكن هذا هو التأسيس لقراءة المخطوط العربي و لجمع المخطوطات العربية من جانب العرب أنفسهم، بعد خطوات المستشرقين الأولى، ثم بوضع أسس و دراسات في التحقيق.
و ما يزال المستشرقون يكتبون في المخطوطات و لا يطبعونها فقط، بل يكتبون في طرائق و تقنيات نشر المخطوط و مصطلحات المخطوط و مصطلحات الكتابة العربية و أصل الكتابة العربية و ما شابه. لكن صار الغالب من هذه الكتابات التقنية للعرب، مثل عبد السلام هارون الذي كتب في تحقيق المخطوطات و أحمد شاكر و محمود شاكر و صلاح الدين المنجد و عبد الستار الحلوجي و أيمن فؤاد سيد و محمود الطناحي، و عندنا حوالي ثلاثين كتابا كل كتاب ينافس الآخر في طريقة نشر المخطوط العربي و الدراسة الداخلية للمخطوط العربي و نقد النصوص التي تنشر المخطوط العربي، و لدينا مجلة متخصصة كانت منذ الخمسينات تصدر عن معهد المخطوطات في جامعة الدول العربية في متابعة النشرات و مجموعات المخطوطات في العالم العربي و العالم، و الآن صار عندنا 7 – 8 مجلدات اسمها تراثنا أو التراث العربي و كلها تعنى بنشرات المخطوطات و بنقد تلك النشرا ت و متابعتها.
كانت المدرسة الناجمة عن هذا النشر الواسع و العلمي للمخطوط ظهور فكرة التاريخ الثقافي العربي على أساس المخطوط، و طبعا المستشرقون رواد في ذلك، و ذكرت لكم في الدرس الماضي ما كتبوه في التاريخ الثقافي و التاريخ الفكري، و أول ما كتب من جانبهم. لكن أهم ما كتب من جانبهم هو كتاب بروكلمان تاريخ الأدب العربي و هو تاريخ للثقافة العربية على أساس المخطوطات الموجودة في مكتبات العالم كله بما في ذلك العالم العربي و الإسلامي، و صدر كتاب بروكلمان في ثلاث مجلدات ضخمة في الثلاثينات و الأربعينات في القرن الماضي، ثم ألحقت به ثلاث ملحقات ضخمة. و ترجم هذا إلى العربية، ثم ترجم إلى العربية كتاب سزكين الذي أكمل به كتاب بروكلمان و حققه و نقد فيه و صحح و اكتشف و سماه تاريخ الكتابة العربية. و تابع العرب هذه الأعمال أيضا بأعمال مشابهة تجاوزتها أحيانا أو قلدتها بطريقة جيدة أحيانا أخرى. إلى جانب الموسوعة العظيمة Encyclopaedia of Islam التي طبعت قبل الحرب الأولى بالألمانية و الفرنسية و الانكليزية، و بعد الحرب الثانية بدئ بالطبعة الثانية و انتهت إلى 12 مجلدا ضخما، و هي موجودة على النت، و هذه استندت عمليا إلى التراث العربي و الإسلامي، و تتضمن حوالي 80 ألف مادة، موسوعة في التاريخ السياسي و الفكري و الثقافي و الاجتماعي و الحضاري لعالم الإسلام على مدى 13 إلى 14، قرنا فالطبعة الثانية وصلت لحدود الخمسينيات من القرن العشرين في التأريخ للأشخاص و الأحداث و الأمور ذات المعنى، و ترجمت هذه أيضا في أكثر أجزائها إلى العربية، و هناك الآن نسخ محققة و مصححة و نقدية لموسوعة الإسلام يقوم بها الأتراك و أنجزوا تقريبا كل الموسوعة في أربعين مجلدا، و زادوا فيها كثيرا جدا فيما يتعلق بتركيا و العثمانيين، و الإيرانيون زادوا كثيرا جدا فيما يتعلق بإيران و التراث الفارسي الإسلامي و غير الإسلامي.
بقي مسألة واحدة نتحدث عنها قبل أن تتغير هذه المسائل كلها في الثمانينات فيما يتعلق بنشر التراث أو بالأفكار الكامنة حول نشر التراث حيث لم تعد فكرة النهضة عبر النشرات التراثية تلعب دورا. هذه الفكرة الباقية غير التاريخ الثقافي هي فكرة الأصالة التي قدمها الشيخ مصطفى عبد الرازق في الجامعة المصرية في كتابه تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية و تابعه عليها تلامذته. فقد صار عندهم نوع من العقدة إلى حد ما. فالعلماء العرب و المسلمون و في الجامعات المصرية حيث كانوا يتلاقحون كثيرا مع المستشرقين، صار عندهم مشكلة: أنه حتى في تصورنا لتاريخنا الثقافي يظهر لنا _المستشرقون_ أن أحسن الأفكار هي الأفكار المنقولة عن اليونانية من جانب فلاسفة الإسلام... و لذلك كانت لمصطفى عبد الرازق ردة فعل على هذا، فحدد مجالات الأصالة، و اعتبر علماء أصول الفقه هم الأكثر أصالة، يتلوهم علماء الكلام، يتلوهم الصوفية، و آخر فئة الفئة الرابعة هم فلاسفة الإسلام الذين اعتبرهم المستشرقون طويلا هم تراث الإسلام الحقيقي، و تراث الإسلام الحقيقي كله مسروق أو مستعار من اليونان أو إلى حد كبير. لكن مصطفى عبد الرازق خرج نهائيا عن هذه الفكرة، مع أنه درس عند المستشرقين في باريس، و صار في آخر سنتين من عمره شيخ الأزهر و هو أخو علي بك عبد الرازق الذي ألف كتاب الإسلام و أصول الحكم الذي اشتهر و كما كثرت الردود عليه.
ففكرة مصطفى عبد الرازق في التاريخ الثقافي أنه التأريخ للإبداع الثقافي، و الإبداع الثقافي يعني ما هو الأصيل و ما هو الدخيل، هذه وجهة نظره _و طبعا هذه فكرة غير مفيدة_ لكن أساتذتنا الذين أدركناهم بالأزهر كانوا ما يزالون يحملون هذه الفكرة. فأستاذنا علي سامي النشار كان يعتبر أكثر الإبداع و الأصالة في الفكر موجود عند الأشاعرة و أستاذنا محمود قاسم رحمهما الله كان يعتبر أن ابن رشد هو شيخه و الفلاسفة الإسلاميون هم شيوخ الأصالة، أبو العلا عفيفي كان يعتبر الصوفية هم شيوخ الأصالة، و عبد الرحمن بدوي ظل على فكرته الأصيلة رغم أنه تلميذ مصطفى عبد الرازق و التي تقول أن فلاسفة الإسلاميين هم شيوخ الأصالة و أصل هذا التراث.
في الستينات تغيرت هذه الأفكار، فما عاد التراث العربي يطبع لأنه أصل للنهوض أو يسهم في النهوض أو لأنه يعرض نواح أصيلة في الحضارة العربية و الإسلامية، بل صار يطبع تثبيتا لأطروحة الدين الإسلامي و يطبع ما هو مهم بالنسبة للمسلمين و الدين الإسلامي و لا يطبع ما لا يفيد في المسائل الأدبية أو المسائل التي يعتبرونها مسائل زندقية أو منحرفة، فهناك طوفان من النشر منذ الستينات و حتى اليوم و لكنه لا ينتمي إلى الميراث الفكري و التقني الذي خلفه لنا المستشرقون و طوره العلماء العرب في القرن العشرين كما سبق أن تحدثت إليكم.

 

انتهت المحاضرة التي مدتها 35 دقيقة


ملاحظة سلماوية: من الأمور التي تغيظ فعلا حين قراءة كثير من الأعمال الإستشراقية، هو تلك النبرة التي تبرز التراث الإسلامي برمته و كأنه كان مجرد جسر، فليس فيه شيء سوى أنه حفظ تراث اليونان و شرحه لينقله للغرب، فهذه كانت مهمته و مبرر وجوده، هذه الفكرة الرافعة للضغط، التي لا ترى في الدنيا إلا غربا و عالم يدور في فلكه... و لذلك لا أدري لماذا اعتبر رضوان السيد فكرة الأصالة و التفريق بين ما هو إبداع و تقليد التي لفت النظر لها مصطفى عبد الرازق أنها فكرة بلا فائدة... صحيح أن التطرف في الفكرة ليس أمرا محمودا، كما فعل علي سامي النشار في كتابه المهم نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام فمن الطبيعي أن تتلاقح الحضارات، و لكن أيضا الفكرة ليست بلا فائدة كما ذكر رضوان السيد، بل أجد جانبا مهما فيها أنها تلفت النظر إلى النواحي الأهم الإبداعية في حضارتنا، و ما يعبر عن روحها الحقيقة هو ما بني على نصها (القرآن و السنة) الذي هو مركزها و مستندها و أساسها الذي نشأت عليه و كانت سببا في نشوء مناهجنا العلمية و فلسفتنا اللغوية و الكلامية، و هذا التصنيف لأجل زيادة الاعتناء به و البناء عليه... بدل تغييبه و اعتباره و كأنه أمر ثانوي أو جانبي _كما يعتقد الكثير من الحداثيين_، و تسليط الضوء كله على ما ارتبط بنص اليونان، أي ما له علاقة بالغرب... ثم كما يرى طه عبد الرحمن ليس العقل اليوناني كوني مطلق، حتى نقول أن اشتغال العربي أو المسلم باليوناني و ترك صنع فلسفته الخاصة هو نوع من الاشتغال بالمطلق... و لذلك لا أتفق مع رضوان السيد فيما قاله...
و لذلك أيضا و برأي شخصي فإني أجد أن الدراسات الإسلامية الإستشراقية التي لا تتبنى هذه النظرة المركزية الغربية، و إنما تدرس الحضارة الإسلامية من داخلها و تحاول فهمها بأدواتها و منطلقاتها من دون تعسف المقارنات، تبدو أكثر دقة و فهما و نتائجها أكثر فائدة.
 

◄►◄►◄►◄►◄►◄►


-
المحاضرة السادسة: المخطوط العربي و التاريخ الثقافي العربي

 

(ملاحظة، تم حذف المحاضرات من على النت، و لكني احتفظت بأهم الأفكار فيها)
--
التاريخ الثقافي فكرة ألمانية أساسها أن المناهج العلمية ليست واحدة بل موضوع كل علم يقتضي فيها بناء المادة و المقدمات و يقتضي منهجا للقراءة و الدراسة. و هي نقاشات ظهرت على هامش المدرسة الوضعانية الفرنسية التي دعت لتطبيق المناهج العلمية التطبيقية التجريبية على العلوم الإنسانية و أرادت أن تتبع منهجا واحدا و المبادئ الذهنية و الرياضية.
لم يوافق الألمان على أن الظواهر الإنسانية يمكن اخضاعها للتجربة و البراهين الرياضية، ففي العلوم الإنسانية نريد أن نفهم، بينما في العلوم التطبيقية البحتة تريد أن نتقدم. هنا ظهرت فكرة التاريخ الثقافي التي تعتمد المنهج التاريخاني، يعني الفيلولوجيا و التاريخ معا. النص و الحدث التاريخي مرتبطان ببعض. فالتاريخ الثقافي هو فهم لمجال معين يحدد أمة ما عن طريق الحياة الفكرية و الشعورية في الحدث الظاهر ثم قراءتها قراءة فاهمة. و الثقافة هي الظاهرة التعبيرية المتشابهة لانتمائها إلى مجال مستقل فيه وعي جمعي و تحديد للأولويات و لغة معينة سائدة في الحدث.
و قد عرف العرب و المسلمون التاريخ الثقافي من كتب المستشرقين التي تتحدث عن الثقافة العربية، مثل كتاب تاريخ الأفكار الرئيسية في الإسلام لكريمر و كتاب الدولة العربية و سقوطها لفلهاوزن...
كان السباق للفكرة جرجي زيدان و أحمد أمين و محمد كرد علي... و كان يحدو محاولاتهم أمرين:
1- إثبات أن هناك ثقافة عربية شاملة كانت متقدمة و يمكن أن تعود متقدمة الآن
2- مادة هذا التاريخ و عقله كانت المخطوطات
كتب جرجي زيدان تاريخ التمدن الإسلامي، و تاريخ آداب اللغة العربية. أما الفكرة فكانت من الأوربيين، و أما المادة فكانت من ثلاثة مصادر 1- دراسات الأوربيين و خاصة كتابي النمساوي ألفرد فن كريمر و البريطاني دي لاسي أوليري الذي كتب عن تاريخ الفكر العربي و عن التقدم العربي و الإسلامي في العلوم التطبيقية، 2- و من المخطوطات، 3- و من الكتب النهضوية التابعة لمدرسة محمد عبده...
كان جهد زيدان جيدا و لكن القصور فيه أنه اعتمد على كتابات المستشرقين أكثر من المخطوطات و هذا يعني أن الرجل كان متأثرا بالآراء الاستشراقية، بيد أنه يبقى رائدا لأنه أول من استخدم الفكرة، فأغرى آخرين باستخدامها.
و هو ما حصل مع أحمد أمين و هي أرقى محاولة للتأريخ الثقافي في بداية القرن العشرين، قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام: فجر الإسلام، ضحى الإسلام، ظهر الإسلام. و في فجر الإسلام تحدث بشيء عن الجاهلية متأثرا بجرجي زيدان و لكن بشيء من الأصالة لأنه اعتمد على القرآن و على النقوش و الحفائر، ثم درس الظاهرة الإسلامية، و في كل حقبة كان يمر مرورا سريعا على السياسيين، و يركز على التيارات الفكرية... و حين تختل عليه المصادر كان يرجع للدوائر الإسلامية للمستشرقين. و رغم كل الشوائب التي في كتبه إلا أنها بقيت المحاولة الأكثر جدية في تلك الفترة.
والمحاولة الثالثة هي لـ محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي بدمشق، في كتاب الإسلام و الحضارة العربية، و هو كتاب في التأريخ الثقافي، و قد نقل فيه عن المستشرقين كثيرا بينما قلت أراؤه الشخصية رغم علمه.
هذه الثلاث محاولات كانت في النصف الأول من القرن العشرين. و كتاب أحمد أمين هو الواسطة و الأفضل بين الاثنين و الأنضج.
و الملاحظات العامة عليها: 1- الاهتمام بالمخطوطات
2- اعتمدوا على مصادر المستشرقين دون أن يأخذوا منها موقفا نقديا
و قد امتدت ظاهرة فكرة التأريخ الثقافي قرابة الخمسين عاما ابتداء من عام 1913.

 

◄►◄►◄►◄►◄►◄►

 

- المحاضرة السابعة و الأخيرة: التراث والحداثة؛ قراءات التراث

 

(ملاحظة، تم حذف المحاضرات من على النت، و لكني احتفظت بأهم الأفكار فيها)
--
مرحلة التاريخ الثقافي مع أطروحة الأصالة التي اعتمدت على دراسة المخطوط و التي كانت موضوع المحاضرة السابقة، كانت قد تمت في أربعينات القرن الماضي و الخمسينات. ثم دخلنا مرحلة جديدة و هي مرحلة القطيعة. إما قطيعة التراث من جانب اليساريين، أو قطيعة مع المناهج في التعامل مع التراث من جانب الإسلاميين. في الستينات ابتدأت هذه القطيعة في الفكر العربي، مستمرة ثلاثين عاما من الستينات للتسعينات...
الكتب المقاطعة لمناهج المستشرقين في البحث قبلا، كانت مثل كتب محمد محمد حسين ، و محمد البهي الذي اعتبر الاستشراق و المستشرقين نوعا من الاستعمار و معاد للإسلام، و انتقد القراءات اليسارية التي تفسر التراث تفسيرا تقدميا، و دعا إلى تجديد ذاتي عربي و إسلامي غير متأثر بالمستشرقين و بالغربيين و باليساريين و لا القوميين العرب.
لقد كان محمد البهي يعرف الاستشراق فقد درسه بألمانيا... لكن من أتوا بعده و كانوا من الحزبيين قد اعتمدوا عليه من دون أن يعرفوا الاستشراق من منابعه، مثل أنور الجندي، محمد عمارة، و كان أن حصلت الثنائية شرق و غرب.
كتب اليساريون أيضا كتبا في التراث، و لكنه لم يكن تاريخا ثقافيا و إنما عن كيفية التقدم بالطريقة الاشتراكية انطلاقا من مقولة إيديولوجية بكيفية التخلص من عوائق التقدم و منها سيطرة الفكر الديني، و أنه لا بد من التخلص منه لنتقدم دون عقبات... و كانت أكبر المحاولات في هذا السياق هي ثلاث قراءات، قراءة محمد أركون، محمد الجابري، حسن حنفي... تنطلق جميعها من أطروحات تتقارب جوانبها، و الفكرة الرئيسية فيها هي التخلص من التأثيرات الضارة للموروث على الحداثة العربية، لكن تنوعت طرقهم.
أما أركون ففكرته أن هذا الموروث ابتداء من القرآن و انتهاء بالنص الشعبي العادي في العصر العباسي كله قد فات أوانه و تحول في جزء كبير منه إلى عائق يمنع _بسبب سيطرته على الأذهان_ من تحديث المجتمع و الديمقراطية، و لذلك عندنا مهمتان، الأولى هي كسر هذا الانغلاق الذي أحدثه التراث و ذلك عبر عدة أساليب
و الثانية هي نقل الثقافة المعاصرة بكافة مناهجها و أساليبها و أساطيرها و عقلانيتها إلى العالمين العربي و الإسلامي. هذا الكسر الذي تحدث عنه أركون قد مر بمراحل... ففي المرحلة الأولى لم يكن أركون حاسما. و كان الحديث عن القرن الرابع الهجري _مثل كتاب آدم متز الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري_ و على الانفتاح على الثقافة اليونانية و البيزنطية و المشرقية، فازدهر مثقفوها و فلاسفتها، الفارابي و سليمان المنطقي و ابن ملكة، الخ، و ازدهرت المعتزلة و ازدهرت الشيعة، فقال أركون أن هذا خيار ممكن، أي تستهدي بتلك المسارات بإنشاء ثقافة عربية منفتحة، ثم المرحلة التالية لأركون حمل فيها على كل النصوص الإسلامية و سلك إزاء القرآن مسلكا خاصا، لكنه أراد رفض بقية الموروث عن طريق تحطيم الأورذوكسيات، فيأتي مثلا لكتاب الرسالة للشافعي أو أي كتاب تراثي اختاره فيفككه، و ثم المرحلة التي تليها و هي قراءته للقرآن الكريم، و هنا ما عاد عدوانيا كما كان في السبعينات و إنما ركز على أن القرآن لم يـُقرأ بشكل صحيح أو أنها كلها قراءات تقليدية، و هو يريد قراءة حديثة يستورد فيها العلوم الأدبية و التاريخية الحديثة و إنجازاتها و مناهجها فيها، فالقرآن عنده أنه كتاب تاريخي جميل حافل بالأساطير لكن قيدته المؤسسة الدينية التقليدية و قيده وعي الجمهور و الأعراف، و لذلك ينبغي الخروج من الاثنين _المؤسسة و الجمهور_ لقراءته قراءة جيدة. لكن بقي القرآن استثناء عنده من بين كل الموروث، و لم يرد إلغاءه إلا في السنوات الأخيرة قبل وفاته، فقد اشتد عنفه تجاه الحركات الأصولية الإسلامية و الصحوية المتشددة، و لكنه عاد أخيرا إلى محاولته الأولى، لأنه وجد أن الناس تزداد تدينا، فما عاد عنده أمل لتحطيم الأرثذوكسيات أو مغادرة الدين، فانصرف مرة أخرى إلى القرن الرابع الهجري و الإنسانوية و يمكن الاستهداء فيهما بالمصادر الإسلامية.
أما الجابري فكان عكس أركون، فأركون يميني ليبرالي غربي، و الجابري قومي له مقاربة مختلفة، فقد اعتبر التراث بطبيعته هذه عائقا، و لكن يمكن أن يكون مفيدا و ذلك إن فهمت تياراته من جهة، و إن أخذنا بتفسيره للتيار التقدمي في الإسلام،
و لذلك قسم المناهج التي تسيطر على التراث العربي إلى ثلاثة:
المنهج البياني: و هي السنة بشكل عام
المنهج العرفاني: و هم الصوفية و الشيعة بشكل عام
المنهج البرهاني: و هو ابن رشد و المغاربة و الأندلسيون
و قد عظم المنهج البرهاني، و لكنه لم يرد استرجاعه و إنما استرجاع روحه، و كما أسهم في التقدم الأوربي يمكن للرشدية أن تسهم في التقدم العربي، و هذا الجانب من الموروث فقط الذي أراده... أما البيان فكله جمود، و أما العرفان فقد تآمر على الإسلام و العقل، و ينبغي تنظيف التراث العربي منه... و كذلك على البيان الذي تجمد بحيث لم يعد الإفادة منه. و عندنا بديل عنه و هو الرشدية. و في آخر حياته كتب تفسيرا للقرآن يقرأ فيه القرآن من وجهة نظر جديدة.
أما حسن حنفي، ففي البداية قدم محاولات شاملة نظرية، لكنه في مرحلته الثانية بالثمانينات بدأ يأتي لكل علم من العلوم الإسلامية فيعيد قراءة نصوصه بما يحررها من التقليد و الجمود و الأخطاء و يطلقها و هو يختلف عن الآخرين اليساريين و ما شابه، فهو يعنى بالتدين الشعبي و يحسن به الظن، و يعتبر بالإمكان توجيهه لإدخال العرب في الحداثة. و يأتي حسن حنفي النص فيقرأه قراءة أخرى، و ينفي عنه ما يراه رجعيا و يبقي منه ما يراه تفسيرا تقدميا، و هو يعتقد أن الإسلام باق و لا يمكن أن نلغيه و لكن نحن نعيد القراءة ليظهر روحا جديدا.
هذه هي أشهر المحاولات الحداثية...
و القطيعة التي قال بها اليسار التقدمي للتراث، قد نزع إليها أيضا التيار الحزبي الإسلامي، و إن اختلفت درجة تلك القطيعة و نوعها...
لكن بقيت كل هذه الأمور لدى الطرفين في دوائر النخبوية، و لم يقتنع أحد أن الموروث هو سبب التراجع...
و لذلك تبدو مرحلة الثورات حلا لكل تلك الصراعات الثنائية... فمرحلة القطيعة هذه قد انتهت و إنما قراءتها لأجل النقد... و المرحلة الآن هي مرحلة التصالح مع أنفسنا.
انتهت المحاضرة.
---
ملاحظة سلماوية:
النتيجة النهائية تبدو مختزلة جدا هنا، لأنها كما قلت أفكار مختصرة عن المحاضرة التي لم تعد متوفرة في النت، لذلك سأنقل بعض التوضيح من كتابه (التراث العربي في الحاضر؛ النشر و القراءة و الصراع) و هو كتاب صدر له عام 2014 من هيئة أبو ظبي للثقافة و التراث، و فيه بسط و استفاضة لموضوع سلسلة محاضراته كلها هذه (منهجية التعامل مع التراث)...
يلخص النتيجة من كل هذه المحاولات في ص158:
1- الموروث في هذه المرحلة صار جزءا من الهوية الذاتية و الخصوصية و بذلك صار إشكالية أو مشكلة كتب فيها الكثيرون و ناضلوا إما لتثبيت الموروث بين مكونات الهوية أو تحرير الموروث من التقليد أو تحرير الحاضر من الموروث.
2- في هذه المرحلة انفصل المحقق عن الدارس، فليس بين هؤلاء من قام بنشر نص تراثي، ربما لأنهم يعتبرونه عملا تقنيا بحتا، و ربما لأن إعدادهم العلمي الأول لا يساعد على ذلك، و هذا فرق ظاهر بين هذه المرحلة و المرحلة السابقة التي بدأت في مطلع القرن العشرين.
3- قراءة التراث في هذه المرحلة جاءت ضمن مشروعات فكرية و ثقافية عامة، لكنها لا تدخل من باب التمدن أو الدرس الثقافي أو الدرس الأدبي كما كان شأن أعمال كثيرة في المرحلة السابقة.
4- قراءات التراث في هذه المرحلة طغى عليها صراع التأويلات لأنها تمت في ظروف صراعية سواء في الأوساط الأكاديمية أو السياقات السياسية و الثقافية و حتى السياق العالمي.
5- المقاربات الإيديولوجية برزت في مجالات قراءة التراث و غلبت على المعرفي، و بعضهم عمد لتوظيفها المباشر.
6- إيديولوجيي الستينات والسبعينات أنجزوا قطيعة مع التراث و مع الغرب فالتقوا من حيث يعلمون أو لا يعلمون مع الإسلاميين أعداء الاستشراق.
----
انتهى كلامه... ما لفت نظري أنه لم يتحدث من ضمن تياراته التي ذكرها عن مشاريع مثل أبو يعرب المرزوقي و طه عبد الرحمن و آخرين التي تهتم بالتجديد عبر البناء على التراث بدل القطيعة، و لذلك سأقول أني أحسبها تعتبر امتدادا لفكرة الأصالة و الإبداع النهضوية السابقة التي نشأت في بدايات القرن العشرين و حتى نهاية الخمسينيات، ثم خفتت في الستينيات، و لكن حاليا عادت بقوة أكبر، لتعيد الثقة بالتراث، و تبرئته من التسبب بالتراجع و الأزمات...

و أتفق مع رضوان السيد بأن هذه المرحلة التي اهتمت بالقطيعة أو الهدم يفترض أن تصير من الماضي و أنها على مشارف الانتهاء، و أن المرحلة القادمة ينبغي أن تكون مرحلة التصالح مع أنفسنا و تراثنا و البناء...

على أية حال قد فهمت أخيرا لماذا تبدو كثير من كتب قراءة التراث التي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين أكثر أصالة و انضباطا في مناهجها و أعمق فهما للنصوص التراثية و استنتاجا منها، و لذلك أيضا أصعب و أقل انتشارا، حيث أن المنهجية الفضفاضة غير المحكمة في كثير من القراءات الحداثية هي أقل جهدا للفهم و بالتالي أسهل انتشارا... أقول هذا بعد أن أنهيت كتاب علي سامي النشار (مناهج البحث عند مفكري الإسلام) و هو كتاب عظيم مبهر نادر المثيل كنت قد تقاعست و بكل شر في الحديث عنه، إنما كتبه مؤلفه في الأربعينيات من حقبة الأصالة و الإبداع.

◄►◄►◄►◄►◄►◄►


 

 

 

· المحاضرة الأولى: زمن الموسوعات

· المحاضرة الثانية: المخطوطات العربية

· المحاضرة الثالثة: التراث ونظرية الانحطاط

· المحاضرة الرابعة: المرحلة الأوروبية في دراسة المخطوطات

· المحاضرة الخامسة: العلماء العرب ونشر المخطوطات

· المحاضرة السادسة: المخطوط العربي والتاريخ الثقافي العربي

· المحاضرة السابعة و الأخيرة: التراث والحداثة؛ قراءات التراث

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali