الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام

 

 
 

 

نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام و... أغنية!

علم الكلام ج1

 

نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام - الجزء الأول  علي سامي النشار

 

 

إن هيمنة الحضارة الغربية و تفوق معاييرها، في مقابل تراجع الحضارة الإسلامية، أدى لسخط و شعور بالدونية و تحقير لنتاج حضارتنا الإسلامية من قبل أبنائها، والزهد في محاولة الاستفادة منه و البناء عليه بعيدا عن المعايير الغربية التي فرضت هيمنتها على الفكر الإنساني، و بعيدا عن التقوقع و الجمود الذي فرضته عقود طويلة من التخلف.
و هذا الكتاب و هو الجزء الأول من نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام لـ علي سامي النشار من كتب خمسينيات القرن الماضي، هو من بدايات الكتب التي كسرت ذلك القالب الذي حشرنا فيه الغرب، و نفض الغبار عن ذلك الإرث الذي أهمله بنوه.
و إليكم التفصيل:
· الكتاب يتصدى للحديث عن بدايات نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، و لكنه و على عكس ما تتوقعه لا يقصد ابن رشد و ابن سينا و الفارابي و هذه المجموعة المعروفة، فهؤلاء كما يرى أنهم ليسوا أكثر من مقلدين و تابعين لفلسفة اليونان و لا يمكن اعتبارهم مبدعين لشيء جديد و لا انعكاسا لخلاصة الفكر الإسلامي. بل على العكس إن سبب شهرتهم هم المستشرقون، فبالنسبة للمستشرقين الذين ينطلقون من حضارتهم الغربية و يرون أن الكوني مرادف للغربي، فإن كل ما اقترب من حضارتهم يعتد به و كل ما ابتعد عنها و خرج فلا أهمية له و متخلف...
و لكن دراسة مناهج الحضارات الإنسانية لا ينظر إليها هكذا. فالغربي هو جزء من الكوني و ليس مرادفا له. و هذا يجعلنا نفهم لماذا انتشرت مقولات ترفع ابن رشد في مقابل الانتقاص من الغزالي الذي تصدى لفلسفة اليونان و وسم بسبب هذا بأنه سبب التخلف و منع التفكير! لأن من يقولون هذا يفهمون كلمة التفكير بمعنى محصور فقط وفق فلسفة اليونان أو منطلقا منها.
· النشار في المقدمة ذكر لنا أن الحضارة هي المنهج، و ما يميز حضارة عن أخرى هي مناهجها، (و المنهج هو طريق البحث عن الحقيقة في أي علم من العلوم أو في أي نطاق من نطاقات المعرفة الإنسانية)، و الفلسفة الإسلامية و التي تعبر عن روحها حقيقة هي التي تنطلق من الكتاب و السنة، كما قال مرة محمد محمد يونس علي في كتابه (علم التخاطب الإسلامي) (إن أفضل ما توصف به الحضارة الإسلامية أنها حضارة نص)، و قد تجلى أكثر ما تجلى عند المسلمين في علم الكلام (و هو علم الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية)، و علم أصول الفقه (و هو القواعد التي نتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية) و هي تقابل منهج الفيلسوف و منطقه، و علم الاجتماع و فلسفة السياسة و فلسفة التاريخ و مناهج التثبت من الرواية بالجرح والتعديل، و في فلسفة النحو التي تأثرت بأصول الفقه ونبعت من بنية اللغة نفسها. و هذا يحيلني للنقطة التي تليها.
· الكتاب برمته يدور حول أمرين رئيسيين، الأول تبيان الفروق الدقيقة من الناحية العقدية بين نتاج متكلمي المسلمين و الفرق الإسلامية على اختلاف تياراتهم من جهة و بين فلاسفة اليونان و اليهودية و المسيحية و العقائد المشرقية الغنوصية و الثنوية من جهة أخرى. و الأمر الثاني هو إثباته أصالة نشوء الفلسفة الإسلامية، بمعنى أنها لم تتأثر بمؤثرات خارجية، و إنما نشأت من متطلبات إسلامية داخلية صرفة.
· بالنسبة للفروق فإن الكتاب يدخل في تفاصيل التفاصيل و إسهاب لدقائق النظريات و بأسلوب واضح و مفهوم رغم صعوبته بحيث كنت أشعر بأن دماغي داخ لكثرة التفكير... و مع ذلك كانت قدرته على الشرح رهيبة.... لكن هذه العناية بالتفاصيل لم تكن على سوية واحدة، فقد رجحت كفة فلاسفة اليونان على اختلاف أسمائهم و نظرياتهم و كيف نقلها علماء المسلمين، و أيضا رجحت كفة المعتزلة على اختلاف علمائهم و الفروق بينهم، على كفة كل التيارات أخرى... و بالتالي فإن الكتاب لا يشمل كل ما وعدنا به للأسف...
· أما بالنسبة للأمر الثاني و هو محاولته إثبات أصالة النشأة، فإن للمؤلف جهد طيب في هذا الأمر، و لكني أجده قد غالى في محاولة الإثبات حد التطرف، و الهوس في نفي أي تأثير للفلسفات اليونانية، حتى في بعض المواضع التي تبدو واضحة! بحيث أنه ذكرني بالمستشرقين المهووسين بدحض أي ملمح و لو كان صغيرا لتأثير الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية و أنها فقط وليدة المعجزة اليونانية كما يسمونها. و لا أدري لماذا كل هذا الهوس في النفي من قبل هؤلاء الباحثين، أليس من الطبيعي أن تتأثر الحضارات البشرية ببعضها البعض! أقول ربما هي ردة فعل منه موازية في عنفها للهجمة الشرسة على الحضارة الإسلامية... و هذا يقودني للنقطة التالية.
· في هذه المحاولة منه، يكمن ما لم يعجبني في الكتاب. فالمؤلف صاحب هوى! و معنى أنه صاحب هوى أي يميل كل الميل و لا ينصف تجاه من لا يحبهم، حتى أنه لا يتورع عن شتمهم و كأن لديه تارا شخصيا معهم! في مقابل عذره لمن يحبهم حتى لو صدر عنهم ما يخالف ما يعتقده هو... فهو لديه نظرية مسبقة و يحاول إنزالها و تلفيق الأحداث على وفقها حتى تظهر النتيجة المعدة سابقا، مما جعله وقع في كثير من الأخطاء... فضلا عن أن تعصبه هذا لمحاولة إثبات الأصالة رافقه كره شديد و غريب لبني أمية، _مع أن مؤلفه سني أشعري_ جعله يربط بين الأحداث بطريقة مهلهلة و يخرج باستنتاجات عجيبة و غير مقنعة أشبه بالأفلام الهندية على حد تعبير أحد القراء.
و هذا ما جعله يطلق أحكاما مجحفة و مستفزة على بعض الصحابة و التابعين، حد اتهامهم في دينهم و شيطنتهم، معتمدا أحيانا على روايات مكذوبة و أحيانا ليس من روايات سوى كرهه الشديد. فأبو سفيان الغنوصي العنيف مع معاوية الكريه قد عملوا على نفث سمومهم تجاه الإسلام للقضاء عليه، و كعب الأحبار مدع للعلم و مثير الفتن و أظهر الإسلام ليعمل على تقويضه، و الأوزاعي صار عميلا وضيعا باع دينه و دنياه لبني أمية، حتى عمر بن عبد العزيز اعتبره من أدعياء العدالة و ممثلا بارعا... فعدله لم يشفع له إقحام نفسه في نيته، و إيجاد تهمة له، فصار ممثلا!

و لماذا كل هذا؟ لإثبات نظريته في نشوء الفرق من متطلبات داخلية بالترتيب الذي يريد أن يراه هو! فقمع بني أمية و نشرهم للجبرية كما يزعم هو ما أدى لنشوء الفرق المضادة من قدرية و ما سواها. و فلان قد يكون معاصرا لفلان فيحكم بأنه لا بد تأثر منه، بينما فلان آخر ربما عاصره لكنه يحكم بأنه ليس من دليل على تأثره به! هذه الأحكام الطائشة التي تقتحم النوايا يقابلها تفهم كبير و التماس أعذار لأصحاب فرق أخرى لبعض من نطقوا بالكفريات، من قبيل أنهم لم يدركوا إلى أين تودي مقولاتهم أو أنهم لم يقصدوها أو أنهم معذورون لأنهم أرادوا مضادة بني أمية فأخطأوا النجعة... بل الأغرب هو التماس بعض من كانوا على وفاق مع بني أمية الذين أثاروا حفيظته مثل الحسن البصري من قبيل أن معذور فهو لم يرد أن يقضوا على دعوته. يعني كما يقال "خيار و فقوس".

الكلام عن الصحابة و التابعين بهذه الطريقة و من دون دليل أو حتى فائدة كان من الممكن أن يجعلني أعامله بنفس أسلوبه و أقول كتاب فاشل و مليء بالهراء و التلفيقات، و لكن إنصافا للحق، الكتاب فعلا ممتاز في جانب كبير منه، و أيضا أخفق في جانب آخر... و هذا يقودني للفكرة التالية.
· ما أكرهه في هذا النوع من منهج الشيطنة و الاتهام بالنفاق لبعض الصحابة و التابعين بسبب أفعال لهم أدت فيما بعد لفتن ونتائج سيئة، بالإضافة لقلة الأدب مع صحابة رسول الله، أنه من شأنه أن يحرمنا الاستفادة من التعلم من الأخطاء و عدم تكرارها... و كأن المرء سيعصم من الوقوع بكل هذا فيما لو أنه كان مثلنا نحن الذين نرى أنفسنا لسنا بمنافقين... مع أن الواقع الحالي يخبرنا أن كم من فعل مخلص أدى لنتائج كارثية، ما كان المرء يدرك أنه ستؤول إلى ما تؤول إليه. فكم هو سهل الحكم على الفتنة بعد مرور كل هذه القرون و ما كان هو التصرف الأمثل لاتخاذه... لكن التجربة و الواقع يخبرنا، أنا ما كنا لنعرف ماذا سنتصرف لو وقعنا فيها، فحين تكون في قلب المعمعة من الصعب أن ترى بنفس الوضوح، و إلا لكنا وجدنا طريقة لحل ما نحن غارقين فيه من تشرذم و صراع مما يجعل أكثر العاقلين و المخلصين حائرا مُسقط في يده لا يدري كيف يتصرف... هذا يقودني للفكرة التالية...

· الحقيقة أن منهج (و عين الرضى عن كل ذنب كليلة ... و لكن عين السخط تبدي المساويا) الذي اتبعه، قد أفادني، حيث جعلني متشككة و منتبهة لكل ما يقوله لا أكتفي بمقولاته، فكل ما ذكر شخصا مع أفكاره، أخذت أبحث في الشبكة عما يقول آخرون عنه... مما زاد حصيلتي المعرفية... اللهم إلا المعتزلة فلم أبحث كثيرا مكتفية بما قال...
· هذا العرض المتتابع للفرق جعلني أنتبه لمشكلة عويصة في الأفكار... و هي لزوم منهج المرء و ما يستتبعه كلامه... بمعنى أنه يكون لدى العالم نظرية معينة أو منهج معين، و لكن لأنه بشري فهو لا يستطيع أن يحيط علما بكل الإمكانات و التأويلات التي تحملها بذور كلماته حين تلتحم في عقول الآخرين، فإنه قد ينشأ حين يتلقفها الآخرون أفكار هي أمور تلزم من مذهبه لم يقصدها، بل كثيرا ما قد تصل إلى نقيض ما عناه ابتداء و دعا إليه... مثل المعتزلة الذين أرادوا بحسن نية تنزيه الله بشكل مطلق حتى يبتعدوا عن التجسيم الذي كان منتشرا، فسلبوا منه صفاته، حتى صار وجوده سلبيا...
· شعرت أن مشكلة المعتزلة في كثير من جوانبهم لها شطرين، كونها مشكلة لغوية و كونهم ينزلون مقاييس الدنيا المتصورة على أمور غيبية لا متصورة، مما يؤدي بهم إلى استنتاجات غريبة و دخول في متاهات هم أنفسهم لم يعنوها... في بداية الكتاب كعادة المؤلف في أحكامه ذكر أن المعتزلة يعانون من تحجر عقلي _رغم تلطفه معهم و معذرته لهم _ ، و لكن حين قراءة أفكارهم بالتفصيل المسهب الذي عرضه، جعلني أشعر بأن كلامه فيه شيء من الصحة، بمعنى أنهم محدودون في فهمهم للكلمات، فمثلا هم نفوا الكلام عن الله لأن الكلام كما قالوا لا يكون إلا بجارحة أي من جوف و لسان و شفتين، و الجوارح عن الله منفية. لكن السؤال الذي وجه لهم أن من قال أن الكلام لا يكون إلا بهذه الطريقة؟ كما نرى فهذا فهمهم القاصر الدنيوي المحدود لكلمة الكلام... لكن الله يتكلم كيف يشاء.
· انتبهت أيضا إلى أنه قد يكون عالم أو تيار مجدد في عهده ثم تهترئ مقولاته بعد عدة أجيال و تصير أمرا جامدا و قالبا متحجرا و مثقلا بكل تلك التأويلات التي انبنت عليه و صارت لازمة له، مما يستدعي مجددا آخر يكسر القالب و يؤسس لفكر جديد، فيهترئ بعد أجيال و هكذا دواليك... و ليس من أحد منزه عن هذا... فإن كان التمس الأعذار لكل من الجهم و النّظام بأن ما لزم عن كلامهم و أدى للكفريات لم يعنوه، فلماذا لم يلتمس لآخرين مثل هذا! مثلا كعب الأحبار هل كان ليرجم بالغيب أن ذكره لما يعرفه من علم الكتاب من شأنه أن يتحول فيما بعد إلى عبء ثقيل من الإسرائيليات التي بنى عليها الوضاعون و الدجالون و نفثوا تجسيدهم، مما احتاج لجهد جبار في التنقيح فيما بعد؟
· مشكلة فكرية أخرى شعرت بها، أن كثرة دراسة النظريات و الفلسفات تفسد براءة الكلمات في نظر الدارس، فمثلا لمن يغوص في دارسة العقائد الثنوية (التي تقول بأن الكون مقسم لنور و ظلمة) و الغنوصية (هي التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا، بمعنى أنها تـُلقى في النفس من دون دليل أو برهان عقلي) تصبح كلمة النور أو الظلام في نظره ملوثة و أشبه بالتهمة، و أذكر هنا مرة أن أستاذ التاريخ الإسلامي، ذكر بيتا للإمام الشافعي:

و أخبرني بأن العلم نور ... و نور الله لا يهدى لعاصي

 ثم عقب بأنه لا يمكن أن يكون للإمام الشافعي، لأن فكرة النور هذه من الأفكار الثنوية الغنوصية! و حينها استغربت من هذا التأويل العجيب له!
و لذلك رأيت ربط المؤلف و اتهاماته الغنوصية فيها تعسف و هوس المعرفي المثقل بالنظريات... أضف إلى هذا أن ضريبة كونك متأخرا في الترتيب البشري، و بسبب كون أفكار البشر تتشابه عبر الزمن لتشابه بنيانهم الداخلي و مشاكلهم، فهذا ما يجعلك عرضة للتصنيف وفق فلسفة أو تيار ما من قبل الدارسين، حتى لو أنك لم تسمع به في حياتك، و سيقال أنك متأثر به... و سأضرب مثالا على أمر ذكره و حصل معي:
كتاب مثل (لغز قابس) يقول المؤلف أنه قد أمد المسلمين بالمذهب الرواقي، مؤكدا المبدأ الأخلاقي الرواقي من كون المعرفة ليست غاية في ذاتها، بل غاية الإنسان الفضيلة، بمعنى أن دراسة العلوم لا توصل إلى الأدب الصحيح و لا الفضيلة حتى لو أنها ضرورة بحد ذاتها... و أن هذا أثر على المذهب الأخلاقي الإسلامي...
بيد أني أنا سلمى حين قرأت لغز قابس ذات مرة، وجدت أن لديه بعض الأفكار مشابهة لتلك التي في رأسي، و ليس أنه زرع الأفكار في رأسي، بل هو من شعرته أخذ بعض أفكاري، و خاصة هذه الفكرة عن عدم كفاية العلوم للوصول للفضيلة... و بالله عليكم كم شخصا منا استنتج هذا من جراء محيطه من العلماء سيئي الأخلاق! و لكن بما أن اليونان قد وجودوا قبلنا، فيبدو أن الفكرة قد طوبت باسمهم و صارت ملكا حصريا لهم، بحيث حين يأتي دارس يوما و يدرس أفكارنا، سيقول أنا كنا متأثرين بالرواقية الأخلاقية هذه التي ما بنعرف شو بدها...

إن هذا دائما ما يجعلني أشعر بالجكر الشديد جدا، فقد أفسد المتقدمون علينا الأفكار!
لكن لحظة، ألم يقل عنترة عبس شيئا كهذا:

هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
المتردم هو ما يتردم أي يرقع و يصلح، بمعنى هل ترك الشعراء معنى لم يسبقوا إليه و يتحدثوا عنه؟

الآن سيقول عني ذاك الدارس المهووس الذي اتهمني بالرواقية قبل قليل بأني متأثرة بعنترة ... أرأيتم، هذا ما يجعلني أتجاكر أكثر و أكثر
· الكتاب استطاع أن يضعني في عمق الجو الثقافي لتلك الفترة و تلاطمه الشديد بتياراته و أفكاره الوافدة من كل حدب و صوب، و أعطاني تصورا شاملا عن سبب نشوء علم الكلام و ظهور المعتزلة للرد على تلك التيارات بالعقل البحت، و ظهور مسألة خلق القرآن ثم ظهور الأشاعرة لتعديل الكفة المغالية لدى المعتزلة و العودة للقرآن و السنة، و جعلني أتصور الوسط الذي نشأ فيه الإمام الفخر الرازي صديقي، حتى كتب تفسيره الكبير ذاك المليء بالرد على أصحاب الدعوات و لماذا أحيانا يخوض بأمور جدلية لا طائل منها، لكن اتضح لي أن الجو كان مشحونا بكل هذا... و حقيقة أن الأمة الإسلامية حينها اجتاحتها انحرافات و دعوات أخطر و أكثر دهاء مما في زماننا في هجومها على العقيدة و أسس الدين، و مع ذلك بقي الدين صامدا حتى يومنا هذا... فلا ينبغي أن نخاف عليه إن شاء الله... و أيضا حقيقة شعرت بالحراك الثقافي و العلمي في تلك الفترة و كأنه كان كخلية نحل لا تفتر...
· من الجيد القراءة في الفلسفة اليونانية، إذ انتبهت أن الهالة حولها أكبر من مضمونها بكثير، متل حلوى (راس العبد)، شكلها أفخم من ماهيتها المنفوخة على فاشوش... حتى لتتساءل في أحيان ما الذي بوأهم تلك المكانة؟
· أسلمة النظريات و الأفكار الوافدة _هذا التصرف الرافع للضغط_ تبدو قديمة، و يتضح هذا من محاولات بعض علماء تلك الفترة لجعل كثير من الفلسفات اليونانية تخرج بطابع إسلامي.

· من اللطيف ذكر أنه أول كتاب يمر معي و مؤلفه يكتب مراجعات صغيرة للكتب التي ذكرها في فهرس المراجع.
· الكتاب ذكرني بكتاب ادوارد سعيد الإستشراق، فذاك كسر المركزية الغربية، و هذا شعرت به قد كسر مركزية الفلسفة اليونانية.
· أحد خيبات الكتاب الكبيرة التي شعرت بها، أنه رغم كون مؤلفه أشعري متعصب لأشعريته بشهادة نفسه، و يعتبرهم آخر ما وصل إليه العقل الإسلامي الناطق بالقرآن و السنة و المعبر عنه في أصالة و قوة. لم يكن للأشاعرة و علمائهم و لا حتى لعلماء أصول الفقه الذين ذكر فضلهم في المقدمة و لا علماء اللغة أي حضور إلا نادرا و لا حتى ذكر شيئا عن الماتريدية... فقد أنساه اليونان و المعتزلة أي أحد آخر!


كفاني ثرثرة عن الكتاب، فهو غني جدا و مليء و ربما لن أنتهي من الكلام إن لم أجبر نفسي على التوقف حالا...
و باختصار هو كتاب ممتاز و لكن مع ثقوب كبيرة... و أفضل القراءة عن نفس الموضوع لمؤلف آخر بدل أن أعيد قراءته، حتى أرى مقاربات مؤلفين آخرين حول نفس المواضيع والشخصيات و الأفكار... بعيدا عن هذا الهوس...

إنما كان هذا الجزء الأول، و بقي لي جزآن أحدهما عن الشيعة و الآخر عن التصوف...


في النهاية أريد أن أختم هذا الموضوع الطويل بأغنية تراثية خليجية...
حين سمعتها شعرت بأنها تجسيد للكتاب... فبعد قراءتي له استطعت تقدير لماذا اختار الشاعر حمد الله بهذه الصيغة، فكل عبارة من هذه لم تصاغ إلا بعد قدّ في الصخر و جهد جهيد في مواجهة تشوهات التيارات المتلاطمة... فتشعر بها ككأس ماء زلال قد خرج إليك بعد حروب فكرية طاحنة و شرسة على مدى عقود...
من كلمات الشاعر عبد الله بن علوي الحداد الذي كان عالما أشعريا يمنيا.
 

الحمد لمن قدر - راشد الحملي


الحمد لمن قدر خيرا و قضانا* ... و الشكر لمن صور حسنا و جمالا
فرد صمد عن صفة الخلق بريء ... رب أزلي خلق الخلق كمالا
ذو المجد و بالجود و بالجد تجلى ... ما مال عن العدل و لا نال ملالة
ذو القوة ذو الطول و ذو الفضل مليك ... من قال سوى ذاك فقد قال محالا
لا شبه و لا مثل ولا كفو لمولاي ... لا ولد و لا والد لا عم و خالا
لا ضد و لا ند و لا حد لربي ... الآن كما كان و لم يلق زوالا
لا قبل و لا بعد و لا وقت زمانا ... لا مانع لا حاجة لله تعالى
أرسلت إلينا نبيا عربيا ... للخلق هداه و للشرك أزالا
يا رب أنلنا و أنلهم برضاك ... ما دام سقيما و بها حل حلالا **
إياك طلبنا و لنعماك سألنا... وهاب مجيب لمن همّ سؤالا
 

* الكلمة غير واضحة حين سماعها، هل هي قضانا أو قبالا؟ أما قضانا فهي من قضى الشيء: بمعنى قدره و صنعه، و منه القضاء و القدر، و لو كانت قبالا _كما هو منتشر بالنت و لم أقتنع بها لعدم وضوحها_ فوجدت أن القبيل هو الكفيل و العريف، و نحن في قبالته أي في عهدته و عرافته. على كل تبدو الأرجح قضانا، لأنها أنسب للسياق بينما

تلك كلمة غير مألوفة.

 

** لست متأكدة مما سمعته

 



 

سلمى

تشرين الثاني 2013

 

◄►◄►◄►◄►◄►◄►

 

نشأة الشيعة

ج2 من نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام

 

نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج2

 

يتحدث في هذا الجزء الثاني عن الشيعة و التشيع...
الكتاب جيد في تحليله للأفكار الفلسفية الشيعية للفرق المختلفة و محاولة تبيان منشأها و كيف انقسمت و الفروق بينها و بم تأثرت من فلسفات و عقائد...
لكن وجدت أن الجانب التاريخي في الكتاب كان أطول من اللازم و فيه من التشعبات ما جعلني أتوه مرات و مرات، و لكن ربما السبب هو الارتباط الوثيق للتاريخ بالعقائد لأنها بمعظمها تدور حول أشخاص و تسلسلهم...
الكتاب لا يشمل الفرق المتأخرة و عقائدهم و إنما فقط البدايات و النشأة...
هذا باختصار
و ربما أعود لأكتب أكثر عن الكتاب و ربما لا...


سلمى

كانون الأول 2013
 

 

 

 

◄►◄►◄►◄►◄►◄►

 

التصوف... النشأة و أشياء أخر

ج3 من نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام

 

نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج3

 

ربما أفضل خدمة يقدمها المرء لنفسه حين يختلط عليه معنى فكرة ما هو أن يقرأ في تاريخ نشأة الكلمة التي تدل عليها و كيف تطورت و بهذا يستطيع أن يمتلك تصورا عنها... الصوفية هي واحدة من الكلمات الضبابية المختلطة في رأسي... إذ أن كثيرا من الأفكار و الأشعار و التصرفات المتناقضة من الناحية العقدية و الأخلاقية نراهم يطلقون عليها الصوفية... و الجزء الثالث من مشروع النشار (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) تحدث بإسهاب و بأسلوبه المنظم و الممتع عن نشأة الصوفية في الإسلام و أصل المصطلح ثم تطوره...
يمكن أن أقول أن الكتاب عبارة عن قسمين، الأول منه مقدمة عامة طويلة عن التصوف، أما القسم الثاني من الكتاب و هو الأكبر فقد خصصه للحديث بالتفصيل عن تصوف القرنين الأول و الثاني الهجري ومدارسه... واعدا إيانا بأن يكمل في الجزء الذي يليه كيف تطور المصطلح ليصل إلى ما وصل إليه، و لكن على ما يبدو للأسف أن المنية وافته رحمه الله أو شيئا ما حال دون صدور الأجزاء الموعودة من كتابه... و قد استفدت من المقدمة كثيرا فقد أضحى المصطلح واضح المعالم في ذهني... لافتا النظر لأمور دقيقة و مهمة و لم يسبق أن قرأتها قبلا في مكان آخر... و هذا تلخيص لبعض الأفكار، و إن كان ليس من عادتي تلخيص كتاب ما، و لكن يعن على البال أحيانا كسر بعض العادات:


· التصوف بدأ أول ما بدأ باتباع حياة زهدية من القرآن و سيرة رسول الله، و لم تكن كلمة تصوف مستخدمة، بل الاستخدام ابتداء كان لكلمة الزهد، ثم دعي تصوفا ثم تطور ليصير علما... علم أخلاق من ناحية، أو فلسفة متكاملة تجاه الحياة من ناحية أخرى.
· قسم النشار التصوف إلى ثلاث أقسام:
القسم السني: بدأ زهدا ثم تصوفا ثم انتهى إلى علم الأخلاق، بمعنى أنه انتقل من مرحلة عملية إلى مرحلة نظرية، فتكلموا بالأذواق و المواجيد و خطرات القلوب و مراحل الصوفي... و قد وضعه في صورته الكاملة أبو حامد الغزالي، و هذا التصوف مستمد من القرآن و السنة.
القسم السلفي: كان من رواده ابن تيمية الذي على حد تعبير النشار "كتب أجمل الصفحات في التصوف على طريقته" ثم ظهر كاملا و متناسقا عند تلميذه ابن القيم.
القسم الفلسفي: و هو الذي مزجوه بعلوم اليونان و الحكمة المشرقية و شيء من التراث الهندي، مزجوا ذلك بفلسفة ظاهرها إسلامي و باطنها غير إسلامي.
· هذا التقسيم وجدته لا بأس به، فهو يبين أن كلمة التصوف حين تطلق لا تدل على شيء واحد فهو تيارات ومذاهب و أساليب، قد تصل حد التناقض... و أن الكلمة أشمل و أعم من وضعها في خانة واحدة... و لكن للأسف الشديد فالكتاب لم يستفض في هذه الأقسام، لأن هذا الكتاب يغطي فقط القرنين الأوليين الهجريين حيث أن هذه الأقسام كلها لم تكن ظهرت بعد، فقد كانت المرحلة ما زالت تحوم حول الزهد و بداية نشأة بعض الأفكار الصوفية... و لذلك لم أستبن الفرق بين القسم السني و السلفي، لعدم تقديمه أمثلة... و لكن من اللطيف حديثه عن تصوف ابن تيمية و ابن القيم، فهذا يفسر لي الاستشهادات التي طالما قرأتها من كلام ابن القيم المحسوب على التيار السلفي، و التي تتحدث عن ذوقيات القلوب و الأرواح...
أما بالنسبة للتصوف الفلسفي فالفكرة جعلت الأمور تتضح أيضا، و إن كان الحديث عنها مقتضبا بأمثلة يسيرة في الكتاب هنا و هناك في معرض الكلام، و ذلك لأنها متأخرة عن الفترة التي يغطيها الكتاب... الشطحات التي قد تصل حد الكفر و الهوس بالأرقام و أيضا الطلاسم و الغموض و أفكار أخر... تلميح عن فلسفة ابن عربي و الحلاج الذين يعتبرهما من القسم الثالث لا الأول، معتبرا ابن عربي فيلسوفا باطنيا جيد الصنعة و لم يكن عالما بالدين، وأن قتل الحلاج تداخلت فيه أسباب سياسية مع أسباب فقهية و لم يخبرنا عن الأمر كثيرا للأسف، و لمـّح من بعيد إلى اسمي الششتري (و هو خير من يتحدث عنه لكونه محققا لديوانه) و ابن سبعين و علاقة الاهتمام بالأعداد بالفيثاغورثية... كل هذا كان تلميحا بسيطا... و هو ما جعلني أحزن و يخيب أملي... رحمه الله... أين أجد الآن كتابا بهذه الجدية بالدراسة و الأسلوب الممتاز ليكمل لي الفكرة!
· أمر آخر من الفقرات المميزة التي أحببتها كثيرا، حديثه عن الاستشراق و التصوف... و تقسيمه لمدارس المستشرقين في معالجتها للموضوع، و تفنيده لكثير من مزاعمها و اعترافه بكثير من جهودها:
المدرسة الألمانية: مدرسة فيلولوجية تفسر الموقف التصوفي من ناحية تحليل مصطلحاته و تعبيراته، و رأسها فون هامر. و من أهم أفكارها محاولة إرجاع كلمة التصوف لأصول سنسكريتية أو يونانية تلميحا لأن هذا أصل التصوف في الإسلام... لكن نولدكه حسم الصراع و أعادها لكلمة الصوف العربية.
المدرسة الانجليزية: حاولت تفسير التصوف على أنه ظاهرة جزئية من تصوف عام، و هو بنظرهم عام مشترك بين جميع الجماعات الإنسانية، و رائدها نيكلسون الذي كان سياسيا استعماريا بنفس الوقت مما أثر على نتائج أبحاثه.
المدرسة الفرنسية: أو مدرسة التفسير الروحي المسيحي للتصوف الإسلامي، أي أنها امتداد لرسالة المسيح في العالم الإسلامي، و رائدها ماسنينون، و مشهورة طبعا علاقة ماسنينون بالحلاج... و النشار يعتبر هذه المدرسة فاتنة بكتابتها و لكنها ليست علمية مما أوقعها في متناقضات كثيرة.
المدرسة الإسبانية: حاولت أيضا أن تجد المسيحية في أصول التصوف الإسلامي، و من روادها آسين بلاسيوس صاحب كتاب رابعة العدوية، و لكن النشار يرى هذه المدرسة غير محايدة.
النشار و هو المشغول في كتابه بفكرة الأصالة في النشأة حد الهوس كما قلت سابقا في الجزء الأول، يتساءل مستغربا و مغتاظا، أن لماذا كل هذه الجهود للمستشرقين لإعادة التصوف الإسلامي لأصول من أصولهم؟ و كأنه ليس بين ظهراني المسلمين كتاب و سنة رسول يحضان على الأخلاق و الزهد و الذوقيات، و يؤسسان لحياة روحية متكاملة! ثم يذكر بعض الملامح الجوهرية الرئيسية التي تميز التصوف الإسلامي عن غيره في النشأة مما جعله إثباتا أن النشأة لم تكن متأثرة بأفكار زهدية أخرى، و التي وجدتها ملاحظات ممتازة:
-
أهم ما يميز التصوف الإسلامي، أو ربما الأدق أن أقول أهم ما يميز الحياة الزهدية الإسلامية لأن فكرة الصوفية لم تكن ظهرت حينها، أقول أهم ما يميزها هو الزواج، فالرهبنة لم تكن محبذة و لا حتى موجودة في الرعيل الأول منهم و حتى أكثرهم زهدا و بعدا عن الدنيا من الرجال و النساء كان متزوجا و له أسرة... و لم تكن فكرة وجود زوايا خاصة أو تكايا لهم موجودة، بل كانوا يعيشون مع زوجاتهم و أولادهم.
- الجهاد في سبيل الله الذي كان يمارسه الكثير من الزهاد، و المرابطة على الثغور، و هذا يختلف عن حياة الرهبان.
- التكسب و طلب الرزق عند كثيرين منهم و عدم العيش عالة أو من سؤال الناس.
- مخالطة الناس و وعظهم و عدم الاعتزال.
- حتى السياحة و السفر التي كانت لدى المتصوفة، ابتدأت عند الأوائل منهم لأجل طلب الحديث و العلم و ليس إتباعا للنساك المشرقيين الجوالة.
· من أفكار الكتاب الملفتة ذكره عن التشابه بين فكرة الصوفية بمعناها المتأخر التي فيها سلسلة من الشيخ و المريد "من لا شيخ له فشيخه الشيطان" مع وجود علم صوفي سري ينتقل للمريد بعد أن يصل لمرحلة معينة، و بين الباطنية الذين ينسبون علما خاصا للإمام... ثم التداخل بينهما في بعض الفرق الصوفية...
· و أيضا من الأفكار التي وجدتها غريبة، ارتباط التصوف _من القسم الثالث_ بعلم الكيمياء و السحر و بعض النيرنجات و التنجيم و الطلاسم، للوصول إلى الاسم الأعظم الذي من يملكه يحيي و يميت! و ذكر أمثلة عنهم جابر بن حيان... لا أدري مدى دقة الفكرة، لكني وجدتها طريفة، و خاصة أنها ترافقت مع قراءتي لرواية بندول فوكو لـ أومبرتو إيكو و التي كانت مكرسة للحديث عن الفرق السرية التي تبحث عن السر الذي يجعلها تمتلك قوة السيطرة على العالم، و كل الطرق العجيبة و الشاذة و المنحرفة التي تفعلها لوصولها إلى ذلك...
· من الكلمات الغريبة التي مرت في الكتاب كثيرا كلمة "النيرنجات" و بعد البحث وجدت أنها تعني مزج جواهر القوة الأرضية بعضها ببعض لينتج أشياء غريبة.
· أما بالنسبة للقسم الثاني من الكتاب، و هو الحديث بإسهاب كيف نشأ التصوف في بداية القرنين الأوليين الهجريين، و بسطه لمدارس الزهد، من مدرسة للصمت و أخرى للجوع و ثالثة للوعظ و رابعة للرباط على الثغور، ثم الفروق بين مدرسة الكوفة و الشام و البصرة و ما إلى ذلك... فلم أجده موفقا فيه رغم استمتاعي بقراءته...
 

هذه كانت أهم النقاط في الكتاب، و لدي بعض التعليقات:
· الأمر الذي لم يعجبني في كتب النشار الثلاثة هو كما ذكرت حين تحدثت عن جزئه الأول، كلامه غير

 اللائق عن بعض الصحابة و شيطنتهم، حد اتهامهم في دينهم و نواياهم بأنهم كانوا ينوون هدم الإسلام! مثل معاوية و عمرو بن العاص رضي الله عن صحابة رسوله أجمعين، مع أنه سني المذهب... و حديثه عن الفتنة بين الصحابة و كأنها حصلت البارحة بطريقة انفعالية لا تليق بدراسة ككتابه، و لا حتى أنه حلل ما حصل إلا بكلمة مؤامرة _ الكلمة التي بت أكرهها لاستسهال استخدامها بدل التعمق في التحليل _ من قبل بعض الصحابة لتقويض الإسلام! و كأن الصحابة كانوا إما ملائكة معصومين أو شياطين رجيمة متآمرة!

و كأنه ليس تصطدم الاجتهادات و تتضارب الأقوال في أوقات المحن، و كأن الصحابة لم يكونوا بشرا فيخطئون و يحارون، و خاصة أنهم كانوا ما زالوا في طور دولة وليدة، يواجهون كل شيء لأول مرة... ثم و الأهم ما الذي سأستفيده أنا التي أتت بعد كل هذه القرون من هذه الطريقة العاطفية المؤججة الشاتمة في الكلام، الخالية من استقاء العبر. كما أني لن أتحدث عن عين سخطه التي لم تر أي منجز في الدولة الأموية سوى أنها كانت فترة جور و قمع!
· اكتشفت أن الدراسات _ أي دراسة أعني _ فيها جزء كبير من الخيال و تقوم على كثير من الظن و

 التخمين من قبل الدارس، حيث يملأ بها الثقوب التي لا توفرها الوقائع، أو يشكل عبرها الوقائع لتخرج بالطريقة المرادة... ففي كتابه اعتمد على الكثير من النتائج التي توصل إليها من روايات و أخبار و قصص لا تعرف مدى مصداقيتها، و خاصة أنك تجد نفس الواقعة تتكرر كل مرة على شخص مختلف، و بعضها محتمل عليها أنه قد اخترعها المتأخرون و نسبوها للمتقدمين كما قال بسبب طريقة صياغتها، و حتى أن بعضها لا يصدق العقل حدوثها من الشطحات و العجائب... و لكنه بنى عليها، لأن المعلومات المتوفرة عن كثير من الشخصيات و حياتها قليلة، كما يعلل بين فينة و أخرى...
طبعا هذه طبيعة الدراسات... لا غرابة في هذا... لكن البراعة في أن يملك الحجة في إقناعك... و الحقيقة أن بعض كلامه مقنع و بعضه ليس كذلك... فما يتوصل إليه امرؤ من نتيجة لا يعني أنه أكثر من ظن... و الاستشهاد بكلامه على أنه برهان، هو أمر غير صحيح، فهو لا يعطي البرهان _الذي يورث اليقين العلمي_ و إنما هو أمر قابل للجدل و الأخذ و الرد... و يؤيدني بهذا طه عبد الرحمن كما ذكر في كتابه حوارات من أجل المستقبل... حين تحدث أن ما يقدمه أي فيلسوف هو أمر حجاجي و ليس برهاني...

· في القسم الثاني في محاولة تقسيمه للزهد إلى مدارس في القرن الأول و الثاني لم يبد موفقا، فلم أجد الفروق التي يحاول أن يظهرها لجعل الأمر كمدارس و تيارات، فالتشابه في كل شيء كان واضحا... و هذا على ما يبدو جعله يعمد للمبالغات غير المقنعة حتى  يقسم الأمر لمدارس... فمثلا ما هو الفرق بين ما سماه مدرسة الجوع و الثانية الصمت و الثالثة التوبة... و كل الفرقاء كانوا يتبعون نصائح رسول الله في عدم الإسراف في الطعام و عدم قول إلا ما فيه خير أو الصمت و التوبة من الذنب! و لم أجد فروق تذكر بين تعليمات الصحابة حتى يقسمهم لمدارس...

· أعجبني زهد القرن الأول فالثاني... إذ أنك تجده لا إفراط فيه و لا تفريط... و لكن السؤال الذي فكرت به هل يصح أن يسمى بتيار خاص أصلا كاسم الزهد؟ يبدو لي أنه كان الأقرب للحياة التي كانت على زمن رسول الله مع صحابته... و لذلك لم أقتنع كثيرا بتكلف الباحث في تقسيماته و تبيان و كأن هناك تيارا زهديا مختلفا عن ملمح الحياة الإسلامية العام في تلك الفترة... فهذا النوع من الحياة قد كان الأصل لأنه تشبه بسنة رسول الله و ما سوى ذلك هو الخروج عنه و الذي يفترض بتسميته تيارا ما...

ثم يلاحظ المرء بدء التغير مع نهاية القرن الثاني عن منهج رسول الله، و ابتداع أمور غريبة عجيبة و سلوكيات لا تتوافق مع سنة رسول الله التي يقولون أنهم يتبعونها، و ربما هي سلوكيات فردية نابعة من شخصية المرء، حيث بعض الشخصيات لديها نزعة للتطرف و الهوس في أي أمر تفعله، و البعض لديهم في أصل جبلتهم ميل للزهد و اعتزال الحياة، و هذا عادة ينبع من طبع و مزاج خاص، و لكن الانحراف يظهر حين يكرس الاستثناء و يتحول لمدرسة أو تيار يتبع... ألم يأت أناس على زمن رسول الله قد تقالوا عبادته، فأرشدهم أنه يصوم و يفطر و يقوم و ينام و يتزوج النساء فمن رغب عن سنته فليس منه! و ربما هذا ما جعل بعض التابعين ينتقدون من رأوا من تلامذتهم يرتدي الصوف تشبها ببعض النساك، فقد رأوا أين قد تفضي هذه الأمور، حد الخروج عن التوازن الذي أتى به الإسلام و الوصول لسلوكيات يمجها الذوق السليم...  كمثل هذه القصة المنسوبة إلى إبراهيم بن أدهم و التي أثارت امتعاضي بشدة، و التي بدأت تعبر عن التغير الذي بدأ يظهر في فهم الزهد مع نهاية القرن الثاني، و الله وحده الأعلم بمدى صحتها، فلا أسهل من اختراع قصة ثم نسبها لشخص ما و خاصة أن معظم الأقوال و القصص لا سند فيها:

قال إبراهيم بن أدهم: ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: مرة كنت في سفينة، و فيها رجل مضحاك كان يقول: كنا نأخذ العلج في بلاد الترك هكذا و كان يأخذ بشعر رأسي، و يهزني، فيسرني ذلك؛ لأنه لم يكن في السفينة أحد أحقر في عينه مني. و الأخرى: كنت عليلا في مسجد، فدخل المؤذن، و قال: أخرج. فلم أطق، فأخذ برجلي و جرني إلى خارج المسجد. و الثالثة: كنت بالشام، و علي فرو، فنظرت فيه فلم أميز بين شعره و بين القمل لكثرته، فسرني ذلك. و في حكاية أخرى عنه قال: ما سررت بشيء كسروري أني كنت يوماً جالساً فجاء إنسان و بال علي.

يا للهول! أنا مصدومة...

· كما قلت في الجزء الأول أن المؤلف مهووس بإثبات الأصالة، أصالة النشأة... و هذا مبنى ثلاثيته برمتها... و هذا ما جعله يتعسف في تأويل كثير من الأحداث للخروج بالنتيجة المرادة... لذلك لم أقتنع كثيرا أن انقداح فكرة ارتداء الصوف و اتخاذ شكل خاص يميزهم لم يكن تأثرا ببعض الرهبان و نساك بعض الديانات المشرقية... و إلا لِمَ عاب بعض التابعين على تلاميذهم التشبه بهم؟ و لم يقدم تبريرا مقنعا لهذا الأمر.

و لذلك أجد وجهة نظر في ما قاله لي أحدهم في نقاش حول الفكرة حيث لفت نظري إلى أنه ربما أصح الأقوال هو قول المدرسة الانكليزية التي حاولت تفسير التصوف على أنه ظاهرة جزئية من تصوف عام، و هو بنظرهم عام مشترك بين جميع الجماعات الإنسانية، تلك التي تنطلق من وجود صراع بين الروح و الجسد، و بالتالي حين دخلت في التاريخ الإسلامي، فإن هناك من المتصوفة من ركزوا على السمات المشتركة بين التصوف المعروف قبل الإسلام وبين بعض المعاني الشرعية الأصيلة، من غير مخالفات ظاهرة أو مع بعض المخالفات والبدع الخفيفة، و متصوفة أخذوا النصوص الإسلامية ودمجوها في المنظومة الصوفية بفلسفاتها الدخيلة والمناقضة لعقائد الإسلام وشعائره...
و الحقيقة أني وجدت كلامه مقنعا إلى حد ما، أكثر من كلام النشار الذي يحاول اثبات أصالة النشأة بطريقته المهووسة، لأن طبيعة العلاقات البشرية التأثير و التأثر، و هذا ليس أمرا غريبا و لا يستدعي الانبراء للتنكر منه... على كل لا أدري، ربما يحتاج الأمر لبحث أكثر في تاريخ المصطلح...


·
الكتاب ممتع فعلا و هو دراسة مفيدة، رغم تشككي في بعض أحكامه و عدم اتفاقي مع بعض نتائجه، و يستحق القراءة و تشعر بالأسف أنه انتهى و لم يكمل القرون الآتية... و لكنك لا تعيش معه رحلة روحية صوفية تماما و إنما الأكثر أنها رحلة بحثية، لأن لغته دراسية، اللهم إلا حين يتحدث عن أشخاص لا يعجبونه، فهو لا يتورع عن شتمهم، يبدو أنه رحمه الله كان شخصية حادة الطباع... و مع ذلك استطاع أن ينفذ إلي شيء من تلك الحياة النقية... رابعة العدوية و مالك بن دينار و سفيان الثوري و غيرهم... هذا النوع من الزهد الذي تمثل ورعا و تواضعا و تعففا عن كثير من سفاسف الدنيا، و حبا لله و طاعة له، و نظرة للوجود تنعكس على حياتهم من اتباع للصمت و الجوع و رياضة للنفس و لجمها و ابتعاد عن المال الحرام، و رقة في القلب ظهرت بأقوال و أشعار تخترقك... و لا أنكر أن عيشي معهم في جوهم النقي هذا لفترة جعلني أتفكر حزينة في واقعنا، حيث زاد ابتلاؤنا بإعجاب كل ذي رأي برأيه... أن لماذا لم يعد هناك كثير من الرجال هكذا، يطوّعون أنفسهم فيتواضعون و يقل تكالبهم على الدنيا و الظهور و تبطل عنهم إشاعة أنهم كالخراف أقصر طريق لقلوبهم شراهتهم، و يرتقون بخلقهم و ينخفض صوت النفس المستعرضة التي تزعق طوال الوقت أنا هنا، و تترقق قلوبهم فيسعون الناس بدماثتهم... لماذا؟

على كل لا رغبة لي في التشاؤم، ففي الموجودين منهم على قلتهم الخير و زيادة... بارك الله بهم و زاد في عددهم...
أختم الكلام عن الكتاب بأبيات مبتدأها فقط تنسب لرابعة العدوية، على أربعة أشكال... كلها جميلة، لم أستطع أن أختر من بينها، فوضعتها كلها...
:\

 

عرفت الهوى - عثمان الرشيدي

 

أحبك حبين - ريم البنا

 

أحبك حبين - فرقة ابن عربي

 

عرفت الهوى - بشار زرقان

 

---

نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام بأجزائه الثلاثة

لمؤلفه المصري: علي سامي النشار

دار المعارف

 

 

سلمى

آذار 2014

 

 

 

نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:

· علم الكلام و أغنية ج1

· نشأة الشيعة ج2

· التصوف... النشأة و أشياء أخر ج3

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali