الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  المستشرقون الألمان

 

 

المستشرقون الألمان

 

المستشرقون الألمان   رضوان السيد

 

أحيانا تتكون لدى المرء خواطر مبهمة من جراء القراءة في مجال ما، تكون مثل نواة لضرورة البحث أكثر في مدى مصداقية هذه الخاطرة...
فأنا أشعر بالانجذاب نحو الاستشراق الألماني و بكونه مميزا عن سواه _و قريب منه الهولندي و السويدي_... و لست متأكدة من سبب هذا الشعور، هل مرده ما كان يلفت نظري من عناوين أبحاث المستشرقين الألمان في موسوعة بدوي أم ماذا؟... و طبعا حين أتحدث عن هذا الانجذاب فإني أعني أكيد الاستشراق القديم بمواضيع دراساته، و ليس الاستشراق المعاصر و الذي أشعر بابتذاله حيث يدور بمعظمه حول المرأة و الإرهاب و هذه المواضيع المملة و كأنه انحسر ذلك الدأب الدراسي في دراسة المخطوطات و التاريخ و علوم الشريعة... و انحسرت تلك المعرفة الموسعة للمستشرق بالعربية و علومها... أقول ربما لأن هذا مجرد شعور يحتاج لبحث أكثر...
الشعور المبهم الآخر هو انجذاب نحو أي شيء ممهور عليه اسم رضوان السيد، مع أني لم أقرأ له كثيرا و لكن من القليل مما قرأته له من مقالات متفرقة و كتاب حققه جعلني لا أتوانى عن شراء أي كتاب من نتاجه حين أصادفه... و لست متأكدة من سبب هذا الشعور و لكن المواضيع التي يعالجها و أسلوبه لا تجعلك إلا ترغب بأن تقرأ له المزيد... الجدة في البحث و التمكن و موسوعية المعرفة و الأسلوب الشيق و الأهم هو الإحساس باستمتاعه بما يحدثك عنه...
و لذلك اخترت هذا الكتاب... و لكنه لم يكن كما توقعته تماما، فمشكلته هو صغر حجمه و شدة اختزاله، بحيث أني في بعض الأماكن لم أتبين الفروق بسبب الاختصار... و بالتالي لم أشعر بأن الكتاب أجابني باستفاضة عن سبب تميز الاستشراق الألماني، و إنما لامس السؤال ملامسة بطريقة لا تشبع النهمة... لذلك يمكن اعتبار الكتاب مقدمة مكثفة في الاستشراق الألماني فقط... و لكن لا أنصح به لمن ليس لديه فكرة مسبقة عن الموضوع لأنه سيتشتت...
 

و طبعا هذا لا يعني أنه لم يعجبني، بالعكس قد أعجبني و فيه تحليلات و أفكار ذكية و ملفتة للنظر:
- ربما الفكرة الأهم التي وجدتها تميز الاستشراق الألماني، هو عدم ارتباطه بتطلعات امبريالية، بعد أن كان تبناها لفترة أثناء الحرب العالمية ثم تركها... و انكفاؤه على الكتب و المكتبات و بالتالي ابتعاده عن المواضيع الحديثة و الأمور التطبيقية المعاصرة التي انشغل بها مثلا الاستشراق الأمريكي نتيجة لتحول الولايات المتحدة لإمبراطورية عالمية، بينما الاستشراق الألماني إنما عني بالمواضيع الكلاسيكية:
"ولذلك فقد كان هناك انصراف شبه تام لدى الألمان، رغم تجاوز الفيلولوجيا، و التاريخانية، عن الاهتمام بالسياقات الإسلامية الحديثة. و قد يكون بعض ذلك عائدا إلى أنه لم يعد لديهم أو لدى دولتهم مشروع استراتيجي، يقتضي اندفاعا في دراسة الحاضر أو الماضي من منظور الدولة و الفكرة أو الدولة و الانتشار. و لذا يبدو لي أن اعتناق منهج (التاريخ الثقافي) للثقافات و الحضارات في عالم الإسلام، له صلة بهذين الأمرين في الوقت نفسه: تجنب الخوض في العلائق المعقدة بين الدولة و الثقافة، و اعتبار التاريخ الثقافي تخصصا يقتضي عملا دؤوبا يلهي عما عداه"


- اكتشفت أن كثيرا من الأفكار التي يكررها المثقفون يصدعون بها رؤوسنا و كأنها فتح غير مسبوق فيما يتعلق بنتاج تاريخنا الثقافي و يريدون أن نسلم بها رغم وهنها، لها منشأ استشراقي قديم، و ما هم إلا مكررين لها و مقلدين، مثلا تلك الفكرة العجيبة _التي لم أفهم على أي أساس سطحي ابتدعت_ و هي كون الأشاعرة سبب تراجع الفكر الإسلامي!!! فقد اتضح أن المستشرق الألماني شبيتا "هو صاحب الفكرة أن انتصار الأشعرية مثّل تراجعا في التفكير الفلسفي في الإسلام، و أن المعتزلة هم أحرار الفكر في الثقافة الإسلامية".

و لأجل الصدفة فقد قرأت اليوم نقيض هذه الفكرة في كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام لعلي سامي النشار: فهو بحماس يتحدث كيف أن الأشعرية هي آخر ما وصل إليه العقل الإسلامي و أثرت الحياة الإسلامية و خصبت آراؤها الفلسفية و الفقهية و الأصولية، بينما المعتزلة كانوا في تحجر عقلي... و أظن في هذا مبالغة أيضا...


- أيضا هناك ملاحظة طريفة استوقفتني... يقول رضوان السيد عن ترجمة عبد الرحمن بدوي لديوان بورغشتال "الذي ترجمه الدكتور عبد الرحمن بدوي إلى العربية ترجمة غير موفقة". هذه العبارة جعلتني أضحك من مجرد تخيل أمر، فماذا لو أن بدوي النزق جدا و العصبي أبدا و صاحب الأنا المتضخمة و المعتد كثير بنتاجه _رحمه الله_ قد قرأ هذا الكلام، كيف ستكون ردة فعله؟ لربما هو بوكس على عين رضوان السيد... و ما استحضر هذه الفكرة لذهني هو ما رواه بدوي في سيرته الذاتية من كونه اقترح ذات مرة تلقين العقاد علقه ساخنة لتأديبه لأنه انتقد حزبا كان ينتمي له، و فعلا تم إرسال البلطجية للعقاد بناء على هذه النصيحة...
 

على كل لا بأس بالكتاب و إن كنت أعتقد أن الاستشراق الألماني يستحق كتابا أكثر توسعا...

أعطي الكتاب ثلاث نجمات من خمس، و أضيف عليهن واحدة رابعة كرمى لبعض اللمحات السريعة التي بثها رضوان السيد في كتابه و القليل من ذكرياته الشخصية مع الاستشراق و المستشرقين من أساتذته و التي وددت لو أسهب فيها...

و أخيرا ينهي كتابه بهذه الطريقة الحميمة:
"فالمضامين تغيرت، و تتبعها القوالب و الأطر. لقد انتهى الاستشراق بالمعنى المتعارف عليه. و تستمر التطورات و التطويرات التغييرية كما في سائر مناحي العلوم الإنسانية والاجتماعية. أما أبناء جيلنا ممن نالهم شواظ تلك الخنزوانات* الساحرة، فما تزال النوستالجيا الحارقة تؤرق عقولهم و أعينهم التي نال منها الكلل. و لله الأمر من قبل و من بعد."
 

 

 

*(من مختار الصحاح: الخُنْزُوَانَةُ بوزن الأسطوانة: التكبر. يقال: هو ذو خُنْزُوَانَاتٍ.)

 

 

--

المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصادر

لمؤلفه: رضوان السيد

دار المدار الإسلامي



 

سلمى

قرئ في أيلول 2012

كتب في آب 2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali