الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> مثلث (السر، المؤامرة، الكلمة) مع بندول إيكو!

 

 
 

 

مثلث (السر، المؤامرة، الكلمة) مع بندول إيكو!

 

 

[ إن الناس تعاني جوعا للخطط، إذا قدمت لها واحدة تلقي بنفسها عليها مثل مجموعة من الذئاب. أنت تخترع و هم يصدقون، إنه بالفعل خطأ فادح أن تضيف المزيد للخيال الموجود بالفعل.] ص679
رواية بندول فوكو لمؤلفها لإيطالي أومبرتو إيكو رواية منهكة في قراءتها و في الكتابة عنها و حتى في قراءة هذه القراءة عنها...
 

بندول فوكو

 

 أومبرتو إيكو


· ملخص الرواية
· المحاور الثلاثة:
  1- السر
  2- المؤامرة
  3- الكلمة
· كيف تبتدع نصا من النص أو تاريخا من التاريخ أو أفعى من العصا أو مؤامرة
----

· ملخص الرواية:
ثلاثة محررين في إحدى دور النشر قرروا ابتداع خطة للمؤامرة الكونية يعيدون من خلالها كتابة أحداث التاريخ و ذلك من خلال اختراع صلات يربطونها فيما بينها كيفما يشاؤون لتفضي و كأن هناك خطة نهائية للوصول للمرحلة الأخيرة التي تنتهي للسر الأعظم، للكلمة الأخيرة، للهيكل، لذلك الشيء الذي من يمتلكه يستطيع السيطرة على العالم!
في البداية كان الأمر للتسلية محاكين بذلك المجانين ملاحقي كشف الخطط السرية الذين كانوا يطبعون في دار نشرهم... ثم مع الغوص و التعمق في التفاصيل أكثر انقلب الأمر هوسا و ادمانا استغرقهم جميعا... إذ باتوا يفقدون الخط الفاصل بين الوهم و الحقيقة... و يجعلونك تفقده معهم... كل شيء يمكن تأويله، كل شيء يصلح رمزا... حتى باتت الحبكة من الاتقان بحيث تجعلك تفكر ألا يمكن أن تكون الخطة صحيحة؟
و لكن كيف تصير حقيقية و هم اخترعوا كل تفصيل فيها و أحيانا بأكثر الطرق عبثية، كأن يدخلوا في الكمبيوتر عدة جمل عابثة مع بعضها، كميمي خطيبة ميكي ماوس مع بعض الحقائق التاريخية، ثم يتركون للكومبيوتر الخروج بنتائج لامعنى لها، فيعملون على تأويلها و ربطها لتصير مقبولة...
[ و لكن إذا اخترع المرء خطة و قام آخرون بتنفيذها يبدو و كأن الخطة لها وجود فعلي. عندئذ تكون الخطة موجودة بالفعل.] ص 679
و هكذا صارت الخطة تلقي بظلالها على حيواتهم و تتجسد أمامهم واقعا... حتى ابتلعتهم واحدا إثر الآخر...
أما الأول فأصيب بمرض عضال أجهز عليه... و مات معتقدا أن طاقة الكلمات في العالم محسوبة بدقة متناهية بحيث أن أي تغيير أو تلاعب فيها من شأنه أن يلقي بطاقته السلبية و يقتل صاحبه، و لذلك جنت خلاياه و أصابه السرطان! لكن ألا يقتل الوهم و التوتر صاحبه أيضا؟
ثم إن الثاني و برغبة من السخرية من أحد مهووسي الديانات السرية، ادعى أمامه بأنه عثر على الخطة الكونية و أخبره بالتفاصيل على أنها حقيقة... و كأنه بفعلته هذه قد هيج عشا للدبابير، فأمسكه مسعوري المؤامرات والخطط... و أرادوا الخريطة، و أين يقع ما يعزز لهاثهم حول السر و حقيقته... لكنه و بكل سخرية و شعور بعبثية الخطة التي استنزفته و قتلت رفيقه و رغبة منه بالفناء و تحت تهديد القتل رفض اخبارهم أين تقع الخريطة، و لم يفصح أنه اخترعها و رفاقه و أنها مجرد كذبة... فشنقوه بمحفل طقوسي بحبل بندول فوكو... بندول فوكو الذي استخدموه لأجل العثور على نقاط الطاقة في الأرض... شنقوه و ابتسامته تسخر منهم جميها أنهم لن يعرفوا أبدا...
أما الثالث فكتب رسالته الأخيرة قبل أن يعثروا عليه بأن لن يفيد الاعتراف بأنها مزيفة... و أنهم ابتدعوها لمحض التسلية... فالآخرون يريدون التصديق بها لأنها تعطي لعبثيتهم المعنى، و لن يصدقوا أي شيء آخر يخبرهم بغير هذا... و لو أخبرهم بالحقيقة، لأمضو دهورا أخرى يأولونها و يحاولون استخراج سر منها... فالبحث عن السر هو غاية بحد ذاته... فما الجدوى من السر إن كُشف!
و هكذا انتهت الرواية باستسلام الأخير لمصيره و وصوله للفكرة النهائية من كل هذا... فكرة غير واضحة تماما و تفتح باب الاحتمالات، و لكن و كأنها تشي _كما في روايتي إيكو الأخريين اللتين قرأتهما (جزيرة اليوم السابق و اسم الوردة)_ بأن كل التأويلات و العلامات و التفسيرات في هذا الكون لا معنى لها، تلك الخطة الأولى التي انبثق منها كل شيء...الحكمة يكمن غموضها في عدم الوجود إلا في لحظة واحدة هي الأخيرة! يفهم المرء كل شيء حين لا يعود هناك شيء يفهمه، ليس من شيء حقيقي إلا اللحظة التي يحياها... ثمرة يتذوقها... لحظة كشف تغمره... أو حتى ابن ينجبه... هو حجر الفيلسوف الأول... هذا الإنسان...
 

إيكو فيلسوف السيميائية (علم العلامات) يأبى في كل مرة إلا أن يلكزك من طرف خفي برواياته متعددة المستويات في حبكاتها... فهو في كل مرة يبني حبكات متداخلة _قصص بداخل قصص_ على وقائع تاريخية (و هو أستاذ تاريخ القرون الوسطى) ثم ينقضها... يجعلك تغرق في التأويلات ثم ينسف الأرضية التي تقوم عليها كل تأويلاتك و يبين عبثيتها... ثم ينتهي أخيرا للإشارة للكون... فهل فلسفته العبث الوجودي يا ترى؟ هو فقط يدفعك لتأول... و لكن التأويل لا منته و هو نابع من داخلك... و لا تستطيع أن تجزم بأن هذا ما قصده... هو فقط يضع لك العلامة... علامة ماكرة... ثم إن قرأتها فأنت الذي قرأتها لا هو...
و لكن هل هذا ما قصده فعلا؟ أم أن بساطة الوجود و ما يظهر هو هذا فقط... هذا التجلي و ما يحصل في حيواتنا هو هذا فقط... الإيمان الواضح هذا هو و فقط...
[ منذ أن توقف الناس عن الإيمان بالله، لم يتوقفوا عن الإيمان بأي شيء، بل أصبحوا يؤمنون بكل شيء.] ص681
[ أن أكتب أو لا أكتب لن تصنع كتاباتي أي فارق. لأنهم سوف يبحثون عن معاني أخرى، حتى في صمتي، هذه جبلتهم. إنهم أمام التجلي لا يبصرون. الملكوت هو الملكوت. و هذا يكفي.] ص703
هل أراد إيكو هذا فعلا أو أني أنا التي أريد أن أخرج بهذه النتيجة؟


روايات إيكو تتسم بالصعوبة جدا، تنهكك و تتعبك، و لكنها تعلمك... أولا تتعارك مع بداياتها المتشابكة، ثم تألفها ثم تصير مدمنا على عسارتها، و أخيرا تفتقدها حين تنتهي... هذه الرواية التي استغرقته ثماني سنوات في كتابتها، على عكس عادة الست سنوات التي تستغرقها روايات أخرى، أقول هذه الرواية موضوعة ضمن حبكة معقدة و ثقيلة و شبه أكاديمية لكثرة التفاصيل و الأسماء التي ذكرها، فهي تعيد كتابة التاريخ برمته من خلال اقحام علاقات بين الأفراد و الحوادث بطريقة متقنة كما قلت، كما أنها أشبه بدراسة للديانات السرية و الفرق الباطنية و العبادات الشيطانية و الجماعات الغنوصية و جمعيات العلوم الممنوعة و الأخوانيات الخفية، بحيث لم يبق عرافا و لا دجالا و لا صاحب عبادة مهرطقة أو سرية أو شيطانية أو مشعوذا أو خيميائيا كان يأمل أن يحول المعادن لذهب أو عالم فيزياء أو كيمياء أو فيلسوفا، إلا و أدرجه... الماسونية، الروزا كروتشي، القابالاه، فرسان المعبد، اليوسوعيين، الأليومناتي، مرورا بالإسماعيلة و الحشيشية الخ... و لم يبق كتاب يتناول كل هذه المواضيع عن العلوم السفلية إلا تحدث عنه... و لذلك استغرقتني وقتا، لأني كنت أحب النظر في بعض المعلومات التي ذكرها و تتبعها... و كانت تظهر لي نتائج مسلية، تضعني في جو الكتاب...

 

Amphitheatrum Sapientia Aeternae by Heinrich Khunrath  1595

Amphitheatrum Sapientia Aeternae by Heinrich Khunrath  1595


حتى علم الكلام دخل في معرض كلامه، و يا للعجب!
[ ماذا كان يقول المعبد الذي لم يعد موجودا، شيء لم يشك فيه سوى مجموعة من الحاخامات الباقية في فلسطين، و الذين أعهدوا بذلك للشيع السرية الإسلامية: المتصوفين، والإسماعيليين، و المتكلمين، و منهم يصل إليه فرسان المعبد.] ص 497
و في الواقع هذا خلط لأمور متناقضة، فالاسماعيلية فيها المعاني الباطنية... و الصوفية الإشراقات الروحية... بينما علم الكلام قائم على المنطق و الحجاج العقلي...
و لكن هذه الجملة المفبركة نموذج لتلك الصلات المبتدعة من قبلهم، فكم شخصا يستطيع أن يكشف زيف الصلة؟ لا بد أن يكون باحثا، بينما شخص عادي سيصدق الحبكة لأنها متقنة، مما سيغير رؤيته تجاهها... و على مثل هذا النموذج تلعب حبكة اختراع الخطة...
صحيح أني لست باحثة و لكن ترافقت قراءتي للرواية مع كتاب يتحدث بإسهاب عن كل من علم الكلام في جزئه الأول و الشيعة بفرقها في جزئه الثاني و الصوفية بشقيها السني و الفلسفي في جزئه الثالث و هو كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام لـ علي سامي النشار... كنت أؤرجح بندول فوكو فوق كتاب النشار، مما جعل الأفكار تقدح في ذهني، و كأني بالبندول يؤشر إلى ثلاث نقاط مترابطة كالمثلث...

· المحاور الثلاثة:
1- السر:
أكثر سؤال في ذهني كان يلح، و أنا أتتبع خطوط الرواية، و أتتبع نشوء الفرق في كتاب النشار، لماذا هذا الهوس بالأسرار؟ لماذا ظهور فكرة الباطنية و البحث عن معاني للنصوص الدينية عبر تآويل غريبة لا تمت لمنطوق الكلمات بصلة و لا تتوافق مع اللغة المستخدمة... لماذا لم يتم الاكتفاء بالنص الواضح و دراسته... لماذا ظهرت فكرة السر، و وجود من يدّعون استيداع الأسرار فيهم... و آخرون يبحثون عنه!
إيكو تطرق لهذه الإشكالية في الرواية... في معرض حديثه عن المسيح أنه كان يعد الجميع بالخلاص، و كان يكفي فقط أن يحب المرء قريبه كنفسه... و لكن ردة فعل طالبي الأسرار، أن هذا كل ما علينا فعله، يا للحزن!
و حتى في معرض حديثه عن نشوء الفرق في الإسلام، و الانقسام الذي حصل بين أتباع القانون العادي (السنة) على حد تعبيره، و بين من انشقوا (الشيعة) الذين لم يكتفوا بالتأمل التقليدي في كلمات الرسول، و بقيت فكرة الوحي مستمرة في شخص الإمام نفسه السيد و الرئيس و ملك العالم، ثم تسللت إليها التعاليم الغريبة لحوض المتوسط ابتداء من المانوية إلى الغنوصية إلى النزعة الأفلاطونية الجديدة...
فلماذا السر؟
[ أعلن بيلبو أنه يمتلك سرا، و لذلك أصبحت لديه سلطة عليهم... و كلما ازداد بيلبو في رفضه في أن يكشف السر، تأكدوا هم بأن السر عظيم بالفعل، و كلما أقسم هو بأنه لا سر لديه، تأكدوا هم بأنه يمتلكه و بأنه سر حقيقي، لأنه إذا كان مفتعلا كان سيكشفه على الفور.] ص 682
إذن إيكو يقترح أن السر قوة... يعطي سلطة و تفوق و شعبية و أتباع... لذلك لا بد أن يبقى سرا يـُـلهـَث خلفه، لا بد أن يكون هناك سر يشعر مجموعة بالتمايز ممنوعا عن العامة و يوعد به خاصة من الناس... سر لا يـُـشعِر بالإحباط فيما لو كـُشِف، بل لا يمكن كشفه أصلا... و أفضل سر لا يمكن كشفه هو سر غير موجود:
[ والتابع الحقيقي هو ذلك الذي يعرف أن أقوى الأسرار هو سر بلا محتوى، لأنه لا يوجد عدو سينجح في أن يدفعه على الاعتراف بهذا، و لا يوجد مؤمن يستطيع انتزاعه منه.] ص681
إن كثرة حشد كل هذه الفرق بطقوسها الغريبة و الديانات الشيطانية كبديل عن الوحي الإلهي مبنية على فكرة وجود السر، و كيف كانت تبريرا لكثير من الشذوذ و الفساد... تجعلك ترى مدى عبثية فكرة امتلاك السر بل و توحشها... و بإمكان أي شخص أن يصير مولفا لديانة و نبيا بل حتى إلها... فهل هناك سر أو لا يوجد؟
شخصيا لا أعتقد بوجود هذا النوع من الأسرار، لأنه يحتاج لوحي لمعرفته، و الوحي انقطع بعد رسول الله... و بالتالي لا أحد يستطيع أن يدعي أنه يمتلك علما خاصا ممنوعا عن بقية العالمين... و لكن هل عدم السر يعني الوضوح و عدم الغموض؟ هل أستطيع الادعاء بأن النصوص الدينية واضحة برمتها تماما بحيث أنها تغلق الطريق على كل هذا؟ ثم أليس هناك أناس يعلمون و أناس يجهلون؟ السؤال توجهت به لمن خمنت أنه ربما يملك جوابا بعد أن اهترأ دماغي لكثرة التفكير بالأمر من دون أن أوفق بين الأمرين...
فأجابني بما يلي:
[ لا أؤمن بوجود أسرار بالمعنى الصوفي أو الباطني...
لكن هناك محكم و هناك متشابه... و هناك أمور معلومة بالضرورة و هناك استنباطات ونوادر للأفذاذ ممن أوتوا العلم ...
و هنا بإمكاننا أن نسأل لماذا لم تكن كل الأمور واضحة بدرجة واحدة؟
الحكمة والله أعلم هي نفس الحكمة من الخلق...
الكشف عن معدن الانسان وابتلاءه في الترقي في طلب المعرفة والتدبر وتفاوت مستويات أفهام الناس والتعامل مع الاختلاف والإنصاف وما إلى ذلك...
(وما يعلمه إلا الله والراسخون في العلم)
أي درجات للمعرفة، على اختلاف تفسير الآية
ولا تنقضي عجائبه
يعني فيه ما يشبه أن تسميه أسرارا.]

فما هو الضابط إذن حتى لا تنقلب الأمور إلى شطحات تخرج النصوص عن معانيها عبر تأويلات تحرف الكلم عن مواضعه؟ و أن لا يجعل ذلك أي شخص يملك بعض القدرات اللغوية و النفسية يصدق نفسه حد الافتتان بها؟
فأجاب: [ من الضوابط انها ستبقى أمورا ظنية، لا ينبغي أن تتعدى درجة القطعيات فضلا عن مخالفتها. مثل بعض جوانب الاعجاز العددي يمكن يصلح كنموذج، فيه جوانب مقبولة وفيه شطحات، حتى ادعى احد رواد هذا المجال النبوة...]
إذن هناك أمرين مهمين: الأول أنها ظنية قائمة على الاجتهاد، و الثانية أن عليها أن لا تخالف النص القطعي... و أضيف ثالثا أن لا يستخدم الكلمات بما لا تحتملها معانيها اللغوية كبديل عن المعاني الأصلية... و أشدد على كلمة كبديل... لأن هذه الطريقة في التأويل تفسد اللغة و تفقدها الغرض منها و هو التخاطب...


2- المؤامرة:
إن فكرة السر تستتبع فكرة المؤامرة للحصول عليه:
[ إن المؤامرة، إذا كان لا بد من وجود واحدة، عادة ما تكون سرا. لا بد من وجود سر ما، و الذي عندما نعرفه نتخلص من إحباطنا، لأنه سيكون إما السر الذي سيقودنا إلى النجاة، أو ستكون معرفة السر نفسها محاكية للنجاة. هل يوجد سر بهذه الاستنارة؟ بالتأكيد بشرط ألا تعرفه قط، إن مجرد الكشف عنه سيصيبنا بالإحباط.] ص 680 - 681
إذن ففلسفة إيكو تقوم على أن الفراغ هو الذي يولد المؤامرة... و الناس بحاجة لفكرة المؤامرة ليواجهوا بها إخفاقاتهم... أو عدم فهمهم...
[ نظرية المؤامرة بالنسبة للمجتمع... نتيجة لأن يهجر الناس الله ثم يسألون: ومن يوجد الآن في مكانه؟] ص677
[ لن يكون هناك أي فشل طالما هناك خطة. ربما تكون منهزما. و لكن هذا لن يكون خطأك. إن الانحناء أمام الإرادة الكونية شيء لا يمكن الخجل منه. لست جبانا، بل أنت شهيد...
ثم يسأل أي شخص يفتقد رباطة الجأش نفسه قائلا: من وراء هذه المؤامرة؟ من سيستفيد؟ لا بد له أن يعثر على عدو ما، على متآمر، و الويل كل الويل لمن لا يمكنه العثور على عدو ما يتآمر عليه، سينتهي به الأمر أن يشعر هو نفسه بالذنب. و إذا شعرت بالذنب ستخترع مؤامرة، بل أكثر من واحدة. لمواجهتها لا بد أن تنظم أنت أيضا مؤامرتك، خطتك. و كلما اخترعت مؤامرات للأعداء، لتعفي نفسك من عدم الفهم، أحببت هذه المؤامرات جدا، و بالتالي تحيك مؤامراتك على النمط نفسه.]
ص 680
رواية إيكو كلها قائمة على نسف نظرية المؤامرة و بيان مدى عبثيتها... حيث أن خطة زائفة محكمة اخترعها ثلاثة مثقفين قد جعلت الآخرين يصدقونها و يبنون عليها!
أعجبتني فلسفته فأنا لست معجبة كثيرا بنظرية المؤامرة، بمعنى أن تكون بذلك الشكل الكوني و القادر و كأن هناك قوة شر عالمية موحدة تنسق و تخطط ما بينها منذ قرون تتوارثها جيلا إثر جيل بطرق سرية لا يمكن كشفها... بل و كأن الدجال هو الوجود البديل للإله على الأرض يتكتك و يدبر منذ قرون لينشر الفساد في الأرض...
لكن في نفس الوقت هل هذا ينفي وجود مؤامرات تحاك طوال الوقت و بعضها ينجح في مساعيه و لعقود طويلة؟
أكيد لا... دائما هناك كيد و مؤامرات و تقاطع لمصالح المفسدين في الأرض... قد أخبرنا الله في كتابه عن تشابه أفعال المجرمين و ذلك لتشابه منطلقاتهم... حتى ليتسآل المرء إن كان هناك توصية لبعضهم بعضا:
(أتواصوا به بل هم قوم طاغون)
السؤال هنا في الآية استنكاري، ثم جاءت بل و هي تستخدم للإضراب و الإضراب يعني الترك و الإبطال... أي هم لم يتواصوا به و لكن الطغيان ملة واحدة، يشبه بعضه بعضا... و بالتالي حين يأتمر قوم على الفساد فإنه يتقاطع مع مفسدين آخرين...
لذلك لا أشغل فكري بتتبع خيوط المؤامرة... بل تتبع سنن الله في الأرض هو أكثر جدوى، لأن المرء قادر على التعلم منها و استخلاص العبرة... أما افتراض المؤامرة فلا سبيل سوى الوقوع في أحابيلها، كما أن الفشل في منظورها سببه الآخرون و ليس التكاسل و عدم اتقان العمل... كما أنها ستكون بابا لجنون الارتياب و التشكيك بكل شيء... و لحسن الحظ أن سنة التدافع في الأرض تفسد حبك مؤامرة على الطريقة الكونية المتصورة... و ستبقى هناك مؤامرات تكيد في الظلام... و سيبقى الله من وراءهم محيط... (ذلكم و أن الله موهن كيد الكافرين).


3- الكلمة:
دوتافيللي و هو الأول الذي مات بالسرطان... كان يظن أن سبب تولد السرطان فيه هو اختلاط خلاياه لتلاعبه بالتاريخ...
[ لقد أخطأنا في حق "الكلمة" تلك التي خلقت و أقامت العالم... لا يوجد شيء مكتوب يؤسس العالم سوى "الكتاب"؟... إن خلط حروف الكتاب يعني خلط العالم... لا يوجد جزء في الجسد ليس له مقابل في العالم خارجه...، إذا بدلت "الكتاب" فأنت تبدل العالم، و إذا بدلت العالم، تبدل أيضا جسدك.] ص 620-621
يذكر النشار في كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام كلاما طويلا عن معتقدات بعض الفرق الباطنية التي تؤمن بقوة بعض الحروف كالميم و العين و السين... و أيضا يتحدث عن فكرة الاسم الأعظم عند الغلاة و بعض الصوفية و كيف أن الوسيلة لدى الغلاة في معرفة الاسم الأعظم كانت عبر معرفة السحر و النيرنجات و الطلاسم و التنجيم فصاروا يلاحقون هذه الأمور...
هذا الحشد للأسماء و للشحطات لكل المهووسين و مشاهدة هذا اللهاث اللامنطقي و القيام بأفعال شاذة للعثور على أسرار الكلمات من أجل الطاقة التي ربما تجعلهم يملكون العالم، جعل نفسي تعاف الفكرة و تتوقف لمراجعة الأمر قليلا... فأنا لطالما تساءلت عن احتمالية وجود طاقة للحروف و الكلمات تسيطر على العالم، و قد تحدثت عن هذا مرة في معرض حديثي عن كتاب علم الدلالة عند العرب، الرازي نموذجا...
هل حقا هناك طاقة أم لا؟ أليس السحر حروف و كلمات؟ بل أليس كلام الله شفاء للصدور و وقاء من السحر؟ ألم يتحدى الله الناس بتلك الحروف الصغيرة في أوائل السور؟

لكن من ناحية أخرى أليس يتبع الشعراء الغاوين، و ما يملكون سوى قوة الإيحاء بالكلمات؟

هل هي طاقة في الكلمة أو أنه الإيحاء فقط؟

ألا يمكن للكلمة أن تحمل كلا القدرتين (طاقة ذاتية، و إيحاء)؟

بل ما هي هذه الكلمة أصلا؟

منذا الذي يستطيع أن يجزم بوجود جواب؟ لا أحد... فكلنا أسرى اللغة، و ما هو إلا الظن... و لذلك من الضروري أن يراقب المرء عقله إن كان لديه تلك القابلية للشطح و الجنون و تصديق نفسه... فالكلمة فتنة تــُشدِه... و مثلما تشفي تحير... الكلمة خلق مهيب لا يعلم أسرارها إلا الذي أبدعها...
و ما زالت الكلمة تجذبني لأبحث فيها أكثر، لكن سأضع في حسباني كلما حلقت بفكري مع الكلمات أن لا أتجاوز الحدود التي وضعها خالق الكلمة، فهي الضمان لئلا يتوه العقل و لا يعود...
هذا كان مثلث (السر، المؤامرة، الكلمة)...


· كيف تبتدع نصا من النص أو تاريخا من التاريخ أو أفعى من العصا أو مؤامرة:
العنصر الأهم هو التأويل حيث تستطيع أن تجد صلة لأي شيء بشيء آخر أيا كان... و التأويل أمر مجنون، لا حدود له... مع التأويل ما فيش مستحيل... كل شيء جائز و ممكن عبر التأويل... كل شيء يمكن أن يعني أي معنى تريده عبر التأويل... و حقيقة أن رواية إيكو من البراعة بحيث تظهر لنا هذه الآلية و تجعلنا نشعر بمدى قوتها و تفاهتها بآن واحد...
و التأويل يحتاج للشك...
[ أي واقع سيصبح مهما عندما يتصل بآخر. إن الصلة تغير الرؤية، تقودك للتفكير بأن أي تفصيل في العالم، أي صوت، أي كلمة مكتوبة أو منطوقة لها أكثر من معناها الحرفي، و التي تبوح لنا بسر. القاعدة بسيطة: الشك، فقط الشك. يمكنك أن ترى ما وراء النصوص حتى في إشارة مرور تقول (إتجاه واحد).] ص419
[ عندما تتخذ موقف المرتاب، من الصعب أن تترك أي أثر يفلت من بين يديك... أصبحت مستعدا لأن أرى الرموز في كل شيء يقع بين يدي.] ص 423
و عبر ثلاث قواعد:
[ القاعدة الأولى يتم جمع المفاهيم على أساس التجانس، لا توجد قاعدة على أساسها يمكن اتخاذ القرار بأن هذا التشابه جيد أم سيء، لأن كل شيء يتشابه مع آخر على أساس علاقة ما. على سبيل المثال: يمكن للبطاطس أن تتقاطع مع التفاح، لأن كليهما من الخضراوات، و كلاهما دائري الشكل، ثم من التفاح إلى الحية، لما بينهما من علاقة في قصة الإنجيل، و من الحية إلى الكحك المحلى، لما بينهما من تشابه شكلي، و من الكحك المحلى إلى طوق النجاة، و من طوق النجاة إلى زي البحر، و من الاستحمام إلى الحمام، و من الحمام إلى ورق الحمام، و منه إلى الورق الصحي، و منه إلى الخمر، و من الخمر إلى المخدرات و من المخدرات إلى الثقب و من الثقب إلى الأرض و من الأرض إلى البطاطس.
القاعدة الثانية: إذا كان كل شيء يلتقي في النهاية إذن العلاقات المتشابكة تعمل بنجاح، فإذن انطلاقا من البطاطس وصلنا إلى البطاطس، الصلة إذن صحيحة.
القاعدة الثالثة: الروابط لا يجب أن تكون جديدة، بمعنى أنه لا بد و أن تكون قد تم العمل بها من قبل، على الأقل مرة واحدة، بل و كلما كان الاستخدام السابق من قبل آخرين أكثر كلما كان ذلك أفضل.]
ص678
 

بهذه الطريقة تحرف نصا دينيا لم يعد يعجبك من دون التصريح بذلك حتى لا تتحمل تبعة الأمر، و تخرج بقراءات عصرية كما تهوى نفسك حتى لو تناقضت مع الظاهر المكتوب... هذه القراءات التي تقوم على التأويل عبر اللف و الدوران حول الكلمات و استخراج معنى باطن منها و وضعه (كبديل) عن الظاهر ضاربة بعرض الحائط السياق و المعاني المعجمية التي تستخدم بها الكلمات في اللغة للتخاطب و التواصل...
كما قالت سوزان سونتاغ جملتها التي لا أنفك أكررها في كتابها الرائع ضد التأويل و سأظل أكررها، حتى لو سئم شخص شرير منها و مني _إذ لا يمكن إلا لشخص شرير أن يسأم منها أو مني _، سأكررها و أكررها و أكررها:  [ يفترض التأويل تفاوتا بين المعنى الواضح للنص و متطلبات القراء (اللاحقين). إنه يسعى إلى إلغاء التفاوت فقد أصبح النص، لسبب ما، غير مقبول؛ و لكن لا يمكن إهماله. و التأويل خطة جذرية للاحتفاظ بنص قديم من خلال ترقيعه، إذ يعتقد أنه مهم لدرجة لا يجوز طرحها جانبا. و المفسر لا يفعل سوى تعديل أو تبديل في النص من دون محوه أو إعادة كتابته، و لكنه يعجز عن الإقرار بذلك، فيزعم أنه يوضحه فقط بأن يميط اللثام عن معناه الحقيقي.] ص19

ثم كم شخصا سينتبه لخدعتك و لن يصدق أن نصك المبتدع هو "النص"؟ كم شخصا سيدرك أن العلاقة بين الكلمة و المعنى ليست أمرا مزاجيا و وكالة من دون بواب كما فعلت، و أن اللغة وضعت للتفاهم بين المتخاطبين و بالتالي فإن المتخاطبين ملزمون لغويا بمراعاة أصول التخاطب لتحقيق الوضوح حتى يحدث التفاهم و التعاون، و كما يقول محمد محمد يونس علي في كتابه علم التخاطب الإسلامي: [ فالمتكلمون ليسوا أحرارا في استخدام أي لفظ (أو بعبارة أدق أي معنى) لتوليد مفهوم ما، بل لابد من علاقة مناسبة بين المعنى الوضعي و مراد المتكلم بحيث يمكن للمتكلم أن يبين عن مراده للسامع بحكم أن علاقات من هذا النوع معهودة بينهما.]

و لا يفهمن من هذا أني ضد استخلاص المعاني و العبر من النص و إنزاله على واقعنا، فهذا ما يفترض، و لكني ضد قتل النص عن طريق إبطال الكلام المستخدم للتخاطب، ثم الزعم بأن هذا تأويل له أو قراءة معاصرة...

 

ثم بنفس تلك الطريقة تستطيع إعادة كتابة التاريخ كما تشاء و تغير بالوقائع التاريخية من دون تزويرها أو محوها، فقط اخترع بعض الصلات بين أشخاص و أحداث حقيقية و ببعض الكلام البارع و شيء من المخيلة تخرج بما تريد... و تغيير الصلات يغير النظرة للحدث حتى لو بقي نفسه...
 

و بهذه الطريقة أيضا يمكنك أن تلقي عصيا فيخيل للعالمين أنها أفاع تسعى...
 

و بالطريقة نفسها تكتشف "المؤامرة" أو حتى تخترعها... و لا فرق بين اختراع المؤامرة أو اكتشافها... لأنك حين تكتشفها فأنت بالحقيقة تخترعها...
 

هذا ما يريد إيكو إخبارنا به...
 

لكن مهلا... ألا يحتمل أن هذه الرواية الداهية و المكرسة لنسف مفهوم المؤامرة ما هي إلا جزء من المؤامرة نفسها لتشتيت الانتباه عنها... هههه


 

 

 ---

بندول فوكو Foucault's Pendulum

لمؤلفها الإيطالي: أمبرتو إيكو  Umberto Eco

ترجمة: أماني فوزي حبشي

مراجعة: حسين محمود

المشروع القومي للترجمة

 

 

 

سلمى

كانون الثاني 2014

 

 

· ملخص الرواية
· المحاور الثلاثة:
  1- السر
  2- المؤامرة
  3- الكلمة
· كيف تبتدع نصا من النص

   أو تاريخا من التاريخ

   أو أفعى من العصا

   أو مؤامرة


 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali