الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  علم الدلالة عند العرب: الرازي نموذجا

 

 

علم الدلالة عند العرب: الرازي نموذجا

محي الدين محسب

 

علم الدلالة عند العرب: فخر الدين الرازي نموذجا    محي الدين محسب

 

 

القرآن، كلام الله، هو المعجزة الباقية لهذه الأمة...

فما السر بالكلمات؟

لماذا الشعراء يتبعهم الغاوون و ليس من شيء لديهم سوى الكلمات حتى لو أنها جوفاء لأنهم يقولون ما لا يفعلون... أليس من البيان سحر، فما الذي في الكلمة يجعلها تملك تلك القدرة الرهيبة لسحر أعين الناس... و هل من شيء يستعصي على الكلمات و قدرتها على التلاعب؟

أفكار كثيرة عن الكلمة دائما تدور و تدور في رأسي... و ها هنا كتاب آخر أبحث عن تشريح الكلمة فيه... حين قرأت عنوانه شعرت و كأنه فصل على مقاسي، فعلم الدلالة الذي أحاول الغوص فيه_و هو العلم الذي يبحث عن العلاقة بين الكلمة و المعنى_ قد جاء من خلال الإمام الرازي، و هو الجد الذي أنا عاكفة على الأكل من مائدة تفسيره منذ سنوات... و كتاب محسب هذا عبارة عن استخلاص لرأي الإمام الرازي في الكلمات و التراكيب و علاقتها بالمعاني من خلال أرائه المبثوثة هنا و هناك في الأجزاء 32 لتفسيره الكبير، و دراستها...


و فيما يلي بعض النقاط التي استوقفتني في الكتاب:
- من أوائل المسائل التي تصادفك في التفسير الكبير في المقدمة و أمتعها هي مسألة الاشتقاق الأكبر، و الاشتقاق الأكبر هو "أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنى واحداً تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه وإن تباعد شيء من ذلك عنه رد بلطف الصنعة والتأويل "
هذا المبحث له علاقة وثيقة بدلالة الكلمة، إذ أنه يخبرنا بأن اجتماع حروف معينة و تشكلها ككلمة من شأنه أن يشي لنا بمعناها أو بما يمكن أن توحي به و لو من بعيد، حتى و لو لم يعرف المرء معنى الكلمة للوهلة الأولى، فإنه بمجرد رؤيته لاجتماع هذه الحروف يستطيع أن يخمن معنى ما...
مثلا "أن تركيب الكاف واللام والميم بحسب تقاليبها الممكنة الستة تفيد القوة والشدة، خمسة منها معتبرة، وواحد ضائع، فالأول: (ك ل م) فمنه الكلام: لأنه يقرع السمع ويؤثر فيه، وأيضا يؤثر في الذهن بواسطة إفادة المعنى، ومنه الكلم للجرح، وفيه شدة، والكلام ما غلظ من الأرض، وذلك لشدته ، الثاني : (ك م ل) لأن الكامل أقوى من الناقص، والثالث : (ل ك م) ومعنى الشدة في اللكم ظاهر، والرابع: (م ك ل) ومنه (بئر مكول) إذا قل ماؤها، وإذا كان كذلك كان ورودها مكروها فيحصل نوع شدة عند ورودها، الخامس : (م ل ك) يقال: (ملكت العجين) إذا أمعنت عجنه فاشتد وقوي، ومنه (ملك الإنسان) لأنه نوع قدرة، و (أملكت الجارية) لأن بعلها يقدر عليها ."
و كأن الكلمات تتطابق و الطبيعة بحيث و كأن هناك مناسبة و حكمة من وضع الكلمة لمدلولها، و ليست مجرد كلمة اصطلح عليها بشكل اعتباطي لتدل على معنى ما...
و رغم أن الرازي قد رفض نظرية كون دلالة اللفظ على مدلوله ذاتية حقيقية حتمية، إلا أنّا نجده يميل إلى فكرة احتمالية وجود مناسبة بين اللفظ و مدلوله (و قد يتفق في بعض الألفاظ كونه مناسبا لمعناه) ص28... و لذلك نجد أن المعالجات الاشتقاقية مبثوثة بكثرة في كل مناحي كتابته و هي " تتوزع ما بين القول بفكرة الأصول الحسية لدلالات الألفاظ، ثم الأخذ بفكرة القيمة الرمزية لأصوات الألفاظ، و أخيرا بالالتفات إلى القيمة الدلالية للمباني الصرفية" ص29... إذن فالرازي لا يعترض على احتمال وجود المناسبة، و إنما يعترض على القول بكونها ذاتية موجبة...
صحيح أني كثيرا ما أجد في محاولة إيجاده هذه "المناسبة" المحتملة، بعض من تكلف و كثير من خيال، و لكن هذه المحاولة تحديدا هي ما يضفي على أسلوب الرازي المسرف في محاولة منطقة أمور اللغة نكهة مميزة، إذ أن اللغة و الكلمات عنده تصبح محملة بلذة فكرية و منطقية بالإضافة إلى اللذة اللغوية التي فيها... و هذه اللذة الفكرية الناشئة من محاولة منطقة الأمور هي ما يمكن أن أختصر به أسلوب الرازي في معظم القضايا التي يعالجها و يتحدث عنها... و حتى و لو لم يبد الأمر مقنعا في بعض الأحيان و ربما متكلفا... إلا أن مجرد قراءة طريقة معالجته متعة بحد ذاتها...
مثال: في قوله تعالى و أنه أغنى و أقنى "يقول الرازي إن: الإقناء فوق الإغناء، و الذي عندي أن الحروف متناسبة في المعنى، فنقول لما كان مخرج القاف فوق مخرج الغين، جعل الإقناء لحالة فوق الإغناء" ص33
و مثال آخر، تقريره أن تصور النفي متأخر عن تصور الاثبات فـ (زيد منطلق) أصل سابق لـ (ليس زيد منطلقا) و التعليل ("قول القائل (زيد منطلق) أصل، لأن المثبتات هي المحتاجة إلى الاخبار عنها، فإن التغيير في ذلك، و أما العدميات فعلى أصولها مستمرة". و النتيجة إذن "أنك ما لم تتصور من العدم إلا ارتفاع الوجود، فتصور الوجود غني عن تصور العدم، و تصور العدم مسبوق بتصور الوجود") ص207
- منذا الذي لم يشعر بكون اللغة أقل مما يود التعبير عنه... فمشكلة الكلمات أنها معدودة في ازاء معان لا معدودة... و الرازي قد عبر عن عدم التكافؤ هذا: "لا يمكن أن تكون جميع الماهيات مسميات بالألفاظ لأن الماهيات غير متناهية، و ما لا نهاية له لا يكون مشعورا به على التفصيل و ما لا يكون مشعورا به امتنع وضع الاسم بإزائه" ص99
أسلوب الكتاب سهل ممتنع و يمكن اعتباره واحدا من أثمن الكتب التي مرت بي، و أتساءل كم من الجهد بذل الباحث و هو يتتبع رأي الرازي في تفسيره الكبير... و أنصح به محبي البحث في العلاقة بين الكلمة و المعنى، حتى لو لم يكونوا مهتمين بالإمام الرازي تحديدا...
الكتاب جعلني مهووسة بمحاولة تخيل مناسبة اللفظ و المعنى بل حتى في الحروف و رسمها و مسماها كلما عرضت لي كلمة، بل حتى في اسمي، و جعل دماغي يشطح شطحات فضائية و مسلية، و عزز سؤالي و هاجسي القديم: أن ماذا لو كان هناك طاقة للكلمة كامنة في ذاتها تنتظر من يكتشفها فعلا، ليس في معناها أعني، و إنما في ذاتها في حروفها في هذا القالب، مثل الطاقة الموجودة في الذرة و التي صنعوا منها قنبلة ذرية، هل يمكن للكلمة أن تملك سر الوجود بأكمله في داخلها! فماذا لو أني اكتشفته؟ ما الذي سيحصل؟ حسنا انتظروني حتى أكتشفه ربما أخبركم... و ربما لا...

وسبحان من قال إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون...
 

 

--

علم الدلالة عند العرب: فخر الدين الرازي نموذجا

لمؤلفه: محي الدين محسب

دار الكتاب الجديد

 

سلمى

قرئ في 9 آذار 2011

كتب في 12 أيار 2013

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali