الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> تراث منسي أم مُـتناسى!؟

 

 

تراث منسي أم مُـتناسى؟

الدور العربي في التاريخ الأدبي للقرون الوسطى

 

      الدور العربي في التاريخ الأدبي للقرون الوسطى       ماريا روزا مينوكال

 

كلما كان الكتاب مليئا بالأفكار التي تنعش خلايا دماغك لأجل المزيد من النظر و البحث، كلما كانت الكتابة عنه أصعب... إذ أنك من ناحية تريد اختزال الكلام عنه لأنك لست في صدد تقديم بحث حول الأمر، و لكن من ناحية أخرى الكتاب من الغنى بحيث أنك لا تستطيع أن تحصر الطرق التي فتحها أمامك ببضع أسطر...
و طبعا لست أمانع أن يدب في أوصالي الحماس و يملأني الشغف لدرجة دفع كائن متردد مثلي لتأليف كتاب كامل _و هو ما أتمناه يوما_ و لكن بما أنه ليس الموضوع الذي أحلم بأن أكتب فيه، فلذلك علي اختزال الكلام قدر المستطاع و مقاومة شهوة الثرثرة...

 

الكتاب يقوم على فكرة رئيسية واحدة، و هو دعوة لدارسي آداب العصور القروسطية الأوروبية _و الكتاب موجه للغربيين طبعا_ أن يضعوا نتاج العرب ضمن خيارات البحث و المقارنة و التحليل لنتاج تلك الفترة، فضلا عن أن عليهم اتقان اللغة العربية مع اللغات القروسطية المنتشرة وقتها لفهم كتابات ذلك العصر، إذ اللغة العربية كانت حينها لغة الحضارة بالإضافة إلى امتزاجها مع كثير من اللهجات التي انتشرت حينها و ظهرت لغات عامية كانت تغنى بها الأشعار...
قد تبدو الدعوة لنا نحن العرب و كأنها بديهية، فثمانمئة عام لقوم متفوقين حضاريا في مكان _و هو الوجود الاسلامي في الأندلس_، من شأنه أن يطبع روح العصر برمته بطابعه... و لكنك قد تتفاجأ من مدى الانكار الذي مارسه الباحثون الغربيون عبر العصور في دراساتهم و كأن هذه الثمانمئة عام مرت على أوروبا كثماني دقائق... فلم تؤثر على ما تدعيه من نقاء "أوربية" نهضتها التي استقتها كلها من آدابها اليونانية القديمة... فالمؤلفة لم تؤلف الكتاب إلا على إثر صدمة أتتها حين علمت و بعد أن أنهت دراساتها العليا أن أحد الأصول المقترحة لكلمة ترابادور _و هو نوع من الشعرية الغنائية كانت منتشرة في القرون الوسطى_ هو من الكلمة العربية طرب... صدمتها تأتت لأن هذا الاحتمال لم يتطرق إليه أحد في المراجع المشهورة و المعتبرة لدى الطلاب، فضلا عن ردود الفعل الشرسة عليه و تفنيده بكلام لامنطقي من مثل "إنه رأي لا يستحق النقاش لأنه لا يقنع أحدا"... فلماذا لا يستحق النقاش و لماذا لا يقنع أحدا _مع أنه بدا لها منطقيا جدا_ بل على أسوأ تقدير لماذا لم يـُعامل في محاولة تحليله كبقية الاقتراحات الأخرى و ليس مجرد رفضه و تسفيهه، بل لماذا لم تسمع به قبلا و هي الطالبة المتقدمة في دراسة تلك الفترة؟ كل هذه الأسئلة هي التي قادتها للبحث أكثر لتؤلف هذا الكتاب...

 

الكتاب بمعظمه هو تحليل للأسباب التي أدت لهذه الحالة العصابية لدى الأوربيين في التعامل مع كل ما من شأنه أن يشي بالتأثير العربي و العمل على طمسه تماما من الذاكرة الفكرية، و محاولة هادئة منها لاقناع مدى التأثير الحضاري التي تركه العرب في تلك الفترة، و تفنيد كل الشبهات التي تقال... على سبيل المثال لا الحصر، شبهة أن أوروبا كانت معادية للاسلام و بالتالي لن تسمح بمثل هذا التأثر... فأجابت أنه ينبغي التفريق بين التأثر من الناحية الفكرية و الفنية بين الحضارات و بين العداء الاديولوجي و السياسي فيما بينها... فعداء أوروبا المسيحية للحضارة الاسلامية، لم يكن ليمنع المثقفين و الفنانين و الناس العاديين من التأثر بها و الانبهار بما تقدمه... شأنهم بذلك شأن كثير من الشعوب الآن متأثرة بالثقافة الأمريكية من حيث ارتداء الجينز و معرفة الكثير من الأغاني و الأفلام و أيضا نتاج العلوم و المعارف و ما إلى ذلك مع أنهم يعادونها سواء اديلوجيا أو سياسيا...
حقيقة أن الكتاب مليء بالتحليلات الحاذقة جدا، و النقاشات الذكية التي أبهرتني... لكن فقط وجدت تسطيحا حين محاولة تحليلها عن سبب تراجع الحضارة الاسلامية بكونه التدين الذي حارب الفكر و الفن... و ذلك لأنها أغفلت و لم تذكر دور المناخ السياسي الفاسد حينها الذي كان قوامه الاقتتال على المناصب و تدبير المكائد و البطر و البذخ من أموال الدولة، و الذي بطبيعة الحال كان مترافقا مع فساد يطال كل مناحي الحياة و يقتات على النفخ في السفاسف، و هذا الجو أيضا يفرز طبقة من التدين الظاهري و العلماء و الشيوخ المتنطعة التي لا تحفل إلا بالفروع و الشكليات و تضخيمها والتلهي بها و الانشغال عما يجري في سدة الحكم و القضاء، فضلا عن التناحر بين أفرادها على المصالح و المكتسبات و النفوذ و التقرب من الطبقة الحاكمة و بالتالي المكائد فيما بينهم... لذلك من التسطيح القول أن سبب التراجع هو التدين بحد ذاته... هذا و دعونا نتغاضى عن فكرة أن التراجع و الفساد حين يصيب حضارة فإنه منطقيا سيطال ليس فقط نتاجها الديني بل أيضا الفني و الفكري الذي سيعكس انحطاط تلك الفترة... و لكن كما تقول سونتاغ في كتابها ضد التأويل و الذي لا أفتأ أستشهد به:
أن الزمن يختزل نطاق التفاهة، (التفاهة بالمعنى الضيق للكلمة، هي على الدوام فئة من فئات المعاصر) و يصبح بوسع ما كان تافها، مع مرور الوقت، أن يكون رائع.

و بالتالي لن يلتفت الباحثون لكون كثير من النتاج الفني و الفكري كان متراجعا حينها أيضا، فلن يـُرى إلا الانبهار بتعتيقه...

حقيقة من غير الانصاف فصل الدين عن سبب نهوض الحضارة في الأندلس و إشعار القارئ و كأنه كان أمرا شكليا أو حتى عائقا، لأن الذين أسسوا هذه الحضارة من البداية و خلقوا جوا مناسبا للنهوض كانوا متدينين، و الدين كان دافعهم الأول! و لكنها لم تتحدث عن دور الأوائل كثيرا، لأن النشاط الأدبي الوارد عنهم قليل كما ذكرت... و بذلك أمكنها تحييد الدين... بأية حال أستطيع تفهم هذا التحليل الذي ما فتأت تعيده... لأن الكتاب موجه لباحث أوروبي متشنج تحاول فيه اقتحام خطوطه الحمراء بلطف...

و صحيح أن الكتاب لا يخلو من تكرار و أيضا مناقشة لتفاصيل قد تفيد المتخصصين في مجال الشعرية الغنائية و الموشحات أكثر من قارئ عادي، بيد أنه قيم و يستحق القراءة لأي قارئ مهتم...
لكن الأمر الذي أغاظني فعلا، هو وجود الكثير من الجمل الاعتراضية الطويلة قد تصل لثلاث أسطر، بحيث أني كنت حين أصل لنهايتها أكون نسيت ما كان سياق الجملة الأصلي، فاضطر لاعادة القراءة من دون الجملة الاعتراضية رافعة الضغط هذه ... و المترجم و الذي أقر له بجودة الترجمة قد اعتذر من أنه قد حاول جهده لاخراج الكتاب بأسلوب عربي رغم كثرة جملها الاعتراضية الطويلة.

على كل كما قالت المؤلفة فليس الغرض من كتابها هو ذكر أن كتابا غربيا معينا ما متأثر بكتاب معين عربي _رغم ذكرها لبعض الأمثلة كديكاميرون بوكاشيو و كوميديا دانتي_، و إنما تريد أن توضح أنه سواء أعجب الباحثين المنادين بالأوروبية أو لم يعجبهم فالحضارة الإسلامية كانت جزءا من روح العصر ذاك و من أوروبا نفسها، و أن القرون الوسطى لم تكن مظلمة في أوروبا، بل كان هناك نهضة حضارية مكانها الأندلس، لذلك كل ما تطلبه هو أن يتساوى التراث العربي مع اللاتيني و الأوربي في النظر إليه حين محاولة فهم و دراسة نتاج تلك الفترة... لأن ذلك من شأنه أن يغني المعرفة حقيقة و يجعلهم يفهمون أكثر...

استمتعت بالكتاب كثيرا و كدت أغرق فيه و أنا ألهث باحثة خلف تفاصيله المغوية... بل بت أشعر و كأن شيئا مس دماغي و داخلني ذاك الهوس المزعج و اللذيذ الذي يجعلك مرصودا بحواسك لعالم آخر... و إن لم تضع حدا له فلن تخرج أبدا... مكثت على هذه الحال عدة أيام... و لذلك كتبت كل هذا الكلام الطويل، حتى أضع حدا له و أخرجه من رأسي... و أتوقف فورا و حالا و الآن...
و لكن فقط سأذكر تفصيلين اثنين من تلك التفاصيل... صدقوني أنهما صغيرين جدا بحيث أنه بالكاد ستشعرون بهما... خير من أن تنفقع مرارتي إن كبتهما... و لا أظن سيرضيك أيها القارئ الكريم انفقاع مرارتي... أليس كذلك؟

- مرة أخرى أقابل السيد القمبيطور، فقد سبق لي الكتابة عن هذا الاسم الغريب الذي أثار فضولي حين قرأته في موسوعة المستشرقين لبدوي، و جعلني أتساءل عن سبب ترجمته العربية بهذه الطريقة عن El Cid Campeador، و هي الطريقة القديمة و الغريبة التي كانت متبعة في ترجمة الأسماء... لأكتشف أنه قد كتبت ملحمة قشتالية عنه، تمجد أفعاله في محاربة المسلمين، و قد ترجمت من قبل الطاهر أحمد مكي بعنوان "ملحمة السيد"...

- من ضمن أسماء الشعراء الذين ورد ذكرهم في الكتاب شاعر اسمه جوفري رودل Jaufre Rudel... و هو شاعر من جنوب فرنسا من أوائل شعراء التروبادور المشهورين، عاش بين 1113-1170م... هذا الشاعر كتب قصيدة حول موضوع ظهر في تلك الفترة و سمي بالحب الرفيع، قصيدته كانت بعنوان (الحب عن بعد) و قد تجادلت دراسات غربية كثيرة حول عن ما يمكن أن يكون مصدر هذا المفهوم الغريب في الحب! و لكن العجيب أن فكرة الحب العذري العربي لم يكن من ضمن الخيارات المطروحة لدى الدارسين الغربيين!! المهم أنه و في معرض بحثي عنه وجدت ألبوما مغنى له، من ضمنها قصيدة وجدتها ذات لغة مختلفة عن بقية قصائده و غيرها من الأغاني الترابادورية الأخرى التي كانت ظهرت لي... ليس هناك من معلومات حول ماهية اللغة التي كـُتبت بها، و لكن حين سمعتها حتى نهايتها فهمت عمق الصدمة التي شعرت بها المؤلفة، و شعرت بأن كتاب المؤلفة برمته يمكن فهمه من خلال هذه القصيدة المغناة... و ذلك من خلال تخيل ماهية البحث الذي سيخرج به دارس يريد أن يحلل هذه القصيدة مثلا، من دون أن يفقه العربية أو يحفل أصلا بأساليبها الشعرية و صورها التي انتشرت في تلك الفترة، و مقدار التخبط و كثرة الجدل و الجهل التي سينتجه بحث من جراء هذا التجاهل... و الأسوأ من هذا كله هو الاعتراض على محاولة ذكر التأثر بالعربية لكونه رأي لا يستحق النقاش لأنه لا يمكن أن يقنع أحدا!!!
 


اسمعوا و احكموا بأنفسكم...
 

Jaufre Rudel _ Imlaya

 

 

---
الدور العربي في التاريخ الأدبي للقرون الوسطى: تراث منسي
Arabic Role in Medieval Literary History: A Forgotten Heritage

لمؤلفته الـ ماريا روزا مينوكال Mari Rosa Menocal

ترجمة: صالح بن معيض الغامدي

ترجمة: دار الانتشار العربي

 

سلمى

قرئ في 2012

 

---

مواضيع ذات صلة

- الموشحات و أثرها على الشعر الغربي

- منطق الطير: بين تشوسر و العطار

- السيد القمبيطور و شوية حكي

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali