الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> التفسير الكبير للرازي

 

 
 

التفسير الكبير المسمى أيضا بـ (مفاتيح الغيب)

للإمام الفخر الرازي 606 هـ



 

مقدمة عامة و حمزة يوسف


لماذا التفسير الكبير بالذات من بين كل التفاسير؟

الرازي يصنف على أنه تفسير بالرأي... و لكنه تفسير شامل جدا... فيه كل شيء مع التفسير... فهو يذكر التفاسير المأثورة لآية ما عن الصحابة و التابعين، و أيضا يذكر الخلافات اللغوية و القراءات و كيف تؤثر على المعنى، و أيضا يذكر خيارات الفقهاء لكل فريق و كيف استدل كل فريق... مع ميله للشافعية كونه فقيه شافعي، كما يذكر القواعد الأصولية المستنبطة بما أنه أصولي شافعي.... كما يذكر اللفتات الروحية و بعض الذوقيات و المواجيد و خطرات القلب و بعض اللمحات الفكرية التي يستنبطها من الآيات... و بما أنه أشعري المذهب معني بالنقاشات الكلامية، و أمضى شطرا من عمره ينظر في الفلسفة حتى تركها، فإن ما يميز تفسيره أنه بمثابة موسوعة مؤرخة للتيارات الفكرية التي كانت في عصره، فهو يذكر آراء الفرق التي انتشرت في زمانه الجهمية و المجسمة و الحكماء أي اليونان و بعض المشتغلين بالفلسفة كأبي بكر الرازي و على رأس الجميع و أهمهم خصومه اللدودين المعتزلة بحيث لا تخلو آية تقريبا إلا و يعرج على رأي المعتزلة و يفنده بما أن الرازي من الأشاعرة المتأخرين، و الحقيقة أن الفخر الرازي ذا نفس طويل و قلب متسع و من النادر أن يحقر رأيا أو يستهزئ به، اللهم أحيانا إن كان قد رفع له أحد ضغطه على ما يبدو... و في كثير من الأحيان قد يكتفي بعرض آراء الفرق المتلاطمة التي كانت سائدة في عصره من دون حتى تفنيدها... و يبدو أنه كان حليما... و من الطريف أنه قد يذكر بعض المعلومات الطبيعية و الفلكية و الفيزيائة التي كانت على زمانه... حين تكون آية تتعلق بالموضوع... الكتاب موسوعة فكرية للقرن السادس الهجري فعلا...
و الجميل رؤية مدى الحرية الفكرية و التفتح و السجالات الذي كان لعلماء ذلك العصر، أكثر مما في عصرنا...
صحيح أن كثيرا من الأفكار و المعلومات و الاشكالات و الفرق لم يعد لها وجود على الساحة الفكرية الآنية، كما أنك قد تتساءل في بعض المسائل الكلامية التي يخوض فيها أن ما الجدوى من كل هذا... و لكن لا ننسى أن هذه المسائل كانت ساخنة في عصره... و ما يدفعني لقراءته هو رؤية المنهج و الطريقة في الحوار و المحاججة و أسلوبه الجميل...
و لن أستفيض في آرائه بالنساء أو أبدي امتعاضي كثيرا، و إن كانت فعلا مزعجة و نقاشاته حولها ضعيفة بلا حجة، بحيث تستغرب كيف شخصا بهذا التفتح و الذكاء يفكر هكذا... و لكن حين ترى أن رؤياه تلك لم تكن بدعا من ثقافة عصره السائدة حول النساء في تلك الفترة، و هذا يتضح من آراء الخصوم و أراء التيارات و المذاهب و الديانات الأخرى، بحيث أنك لا تجد أحدا يتحدث بنبرة مختلفة عنهن على اختلاف توجهه، فضلا عن أن مسألة المرأة لم تكن مطروحة على الساحة أصلا... و لذلك فقضية المرأة و أسلوب الخطاب هذا لم يكن إشكالية لدى أحد... فكانت أراؤه حولهن مسطحة و هزيلة هكذا... فضلا عن أنه في نهاية المطاف رجل، فلم يملك الدافع لبذل جهد زائد للنظر في الأمر، حتى يخرج بشيء ما، فلا الأمر مطروق بزمانه حتى يجهد عقله في تأمله، و لا أنه لصيق بكينونته ليتدبر فيه فيسبق زمانه... و الأمر على ما يبدو يحتاج لنساء للانتباه له و الحديث عنه و التنبيه عليه مثلما فعلت السيدة عائشة حين استدركت على بعض الصحابة مثلا... و على كل يغلب على ظني أنه لو وجد في عصرنا و عاش إشكالياتنا و من بينها قضايا المرأة لخرج بأفكار أخر عميقة كعمق نقاشاته للاشكاليات التي عايشها و عاينها بنفسه و أبدع فيها...  و على أية حال و هي قاعدة عامة حين النظر في الكتب التراثية، ليس متوقع من العلماء القدماء أن يرجموا بالغيب و يستشرفوا المستقبل و يخمنوا مشاكلنا المعاصرة و يتحدثوا عنها، و بالتالي لا جدوى من لومهم حين لا نجد عبارتهم تناسب عصرنا، أو لم يفكروا بمسائل نفكر بها، بل الملام علينا لأنا لم ننتج عبارتنا كما أنتجوا...
 

الكتاب صعب في بعض جوانبه و خاصة في ردوده الكلامية، و هو ليس لمبتدئ، و في البداية وجدت مشقة في عبارته و لكني شيئا فشيئا ألفتها حتى أحببتها...

كما أن الطبعة المتوفرة سيئة الإخراج لشبه اختفاء علامات الترقيم أو الترتيب أو أي شيء له علاقة بالتنظيم... و جدير بالذكر هنا ذكر فضل الكتاب الالكتروني، إذ لولاه لما استطعت أن أكمل القراءة في التفسير بعد أن سافرت و تركت النسخة الورقية التي عليها بعض ملاحظاتي، بل لم آخذ معي أي كتاب ورقي، اللهم فقط إلا ما خف حمله و غلا بقيمته و أعني كتابي الالكتروني و مكتبتي الالكترونية... فالحمد لله على نعمة الكتاب الالكتروني... فهو صديقنا الصدوق في حلنا و ترحالنا... أدامه الله علينا...

 

ما الذي دفعني للدخول في مشروع قراءته؟
لطالما راودتني فكرة قراءة شيء من التفسير الكبير للرازي كلما كنت أطالعه، بيد أني لم أكن أفكر بقراءته كله لاستحالة الأمر بنظري لكبر حجم الكتاب (32 جزءا من القطع الكبير)
لكن ما حصل أني سمعت حمزة يوسف في أحد البرامج عام 2004 يقول أنه ابتدأ به، و لا يهمه أن ينتهي منه متى ما ينتهي على حد تعبيره... فقلت و لماذا لا أكون مثله أيضا؟

و هكذا ابتدأت به في 6 نيسان 2006... و الله وحده العالم إن كان في العمر ما يكفي للانتهاء منه...

أتساءل فقط، إلى أي جزء وصل حمزة يوسف يا ترى؟ أتمنى أن أكون سبقته

 

 

هذه مقدمة عامة، عدلتها بعد وصولي للجزء 12، و هي قابلة للتجديد كلما تعمقت أكثر في الأجزاء...

 

·······

 

- الاشتقاق الأكبر... في الجزء الأول
الاستعاذة - البسملة - الفاتحة

- كانت المسألة التي ذكرها حمزة يوسف و حسمتني لأن أقرأ فيه هي مسألة الاشتقاق الأكبر الواردة في الجزء الأول... و هي من المسائل الممتعة جدا في اللغة بنظري:

"و أما الاشتقاق الأكبر فهو أن الكلمة إذا كانت مركبة من الحروف كانت قابلة للانقلابات لا محالة، فنقول: أول مراتب هذا التركيب أن تكون الكلمة مركبة من حرفين ومثل هذه الكلمة لا تقبل إلا نوعين من التقليب، كقولنا: " من " وقلبه " نم " وبعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة مركبة من ثلاثة أحرف كقولنا: " حمد " وهذه الكلمة تقبل ستة أنواع من التقليبات"

مثلا: "أن تركيب الكاف واللام والميم بحسب تقاليبها الممكنة الستة تفيد القوة والشدة، خمسة منها معتبرة، وواحد ضائع، فالأول: (ك ل م) فمنه الكلام: لأنه يقرع السمع ويؤثر فيه، وأيضا يؤثر في الذهن بواسطة إفادة المعنى، ومنه الكلم للجرح، وفيه شدة، والكلام ما غلظ من الأرض، وذلك لشدته ، الثاني: (ك م ل) لأن الكامل أقوى من الناقص، والثالث: (ل ك م) ومعنى الشدة في اللكم ظاهر، والرابع: (م ك ل) ومنه (بئر مكول) إذا قل ماؤها، وإذا كان كذلك كان ورودها مكروها فيحصل نوع شدة عند ورودها، الخامس: (م ل ك) يقال: (ملكت العجين) إذا أمعنت عجنه فاشتد وقوي، ومنه (ملك الإنسان) لأنه نوع قدرة، و (أملكت الجارية) لأن بعلها يقدر عليها."

و جمال التفكير بهذا الاشتقاق، هو إدخال شيء من المنطق على اللغة، بحيث و كأن هناك ترابط بين الحروف و الكلمات و بين المعنى الذي تستخدم له و ليست مجرد أصوات اعتباطية اصطلح عليها...

و جدير بالذكر هنا أني قرأت دراسة حول علم الدلالة عند العرب: الرازي نموذجا تتحدث عن الموضوع باستفاضة أكثر...

 قرئ في 2007

·······

- الجزء الثاني
البقرة من 1 إلى 34

 

في آذار 2008

·······

- القوة النفسانية... في الجزء الثالث
البقرة من 35 إلى 109

 

ما زلت مبحرة مع الفخر الرازي في تفسيره و تأملاته و معلوماته و تأويلاته... كم كانت الكتابة تبدو سلسلة في تلك الفترة و خالية من التعقيد و القوانين البحثية الجامدة...

المميز في الكتب القديمة أنهم كانوا يتحدثون في كل شيء و يستطردون بلا حد...

 

في هذا الجزء وردت الفقرة التالية تحت آية و اتبعوا ما تتلوا الشياطين:

"النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماء كانت كأنها روح من الأرواح السماوية فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن، فإذا أراد هذا الإنسان صيرورتها بحيث يتعدى تأثير من بدنها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير و وضعه عند الحس و اشتغل الحس به فيتبعه الخيال عليه و أقبلت النفس الناطقة عليه فقويت التأثيرات النفسانية و التصرفات الروحانية، و لذلك أجمعت الأمم على أنه لا بد لمزاولة هذه الأعمال من انقطاع المألوفات و المشتهيات و تقليل الغذاء و الانقطاع عن مخالطة الخلق"

 

كثيرون يتحدثون عن هذه الأمور هذه الأيام... و استدعاء الآخر و الإيحاء له... يبدو أنها أمور معهودة منذ القدم...

حاولت تطبيقها بكل طاقاتي العجيبة و الأمورة و لكن لا أدري إن أصابت أو أني كنت متوهمة

لكن يبدو أن من قررت تجريب قدراتي عليهم متبلدي الإحساس...
 

في 2008

·······

- الله محبوب و معبود لذاته... في الجزء الرابع

البقرة من 110 إلى 167

 

 

-  تحت آية الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون

ذكر قولا لابن مسعود: "لأن أَخرّ من  السماء أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله تعالى: ليته لم يكن"
أعجبني القول كثيرا... إذ أسوأ و أبشع و أثقل شيء من الممكن أن يصيب الإنسان هو الندم و الأسى على ما فات... لأن ذلك يولد المرارة و يفسد المعنى و الحكمة من كل شيء يعرض في حياة المرء... و العيش بهذه الطريقة لا يطاق و لا يحتمل... ألا بعدا للندم...

 

- تحت قوله تعالى: إن في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار...  قد خصص صفحات كثيرة للحديث عن الأفلاك و الكواكب _التي لم أفهم منها شيئا صراحة، فهي مكتوبة بلغة علم الفلك القديمة مثل "أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار ، وكل من كان رصده أقدم كان وجد أن الميل الأعظم أعظم ؛ فإن بطليموس وجده ( كج نا ) ثم وجد في زمان المأمون ( كج له ) ثم وجد بعد المأمون وقد تناقص بدقيقة" هل فهمتم شيئا؟  ثم تحدث عن الجغرافيا و البحار و العلوم و الفيزياء...

من اللطيف قراءة المعلومات العلمية _التي يبدو بعضها غريبا و ربما طريفا_ كيف كانت في تلك الفترة...

 

- ورد قوله في آية و الذين آمنوا أشد حبا لله...

"الذين حملوا محبة الله تعالى على محبة طاعته، أو على محبة ثوابه فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها و لم يعرفوا أن الكمال محبوب لذاته، أما العارفون الذين قالوا: إنه تعالى محبوب في ذاته و لذاته فهم الذين انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته... العبد لا سبيل له إلى الاطلاع على الله سبحانه ابتداء، بل ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام، فلا جرم كل من كان اطلاعه على دقائق حكمة الله و قدرته في المخلوقات أتم، كان علمه بكماله أتم فكان له حبه أتم..."

حين قرأت العبارات شعرت بسعادة من عمق قلبي... إذ لأجل الصدفة كنت كتبت كلاما مشابها ردا على موضوع قبل عدة أيام... كنت كتبت حينها:

 

 

الإله يستحق أن يعبد لذاته من دون جنة أو نار...
الناس في الدنيا هنا تعشق الجمال و تتبعه و تعبده و تدور حياتها حوله، أي نوع من أنواع الجمال كان موسيقى... كلمات... ألوان... صور... طبيعة... جسد... الجنس الآخر... طعام... حقيقة... علم... عشق... لذة... نور... الخ... و كل هذا مجرد صورة لما يفترض أن يراه المرء من وراء الأشياء... الخالق لكل هذا الذي صدر عنه و أضفى عليه من جماله...
الناس تبحث عن الكمال و تقضي حياتها لتتحصله دون جدوى... فما بالك بالكمال ذاته... ألا يستحق أن يعبد

و من يعبد الله لأجل جنته و ناره فقط فما قدره حق قدره...
 

من أكثر ما يأمرنا به الإله هو التدبر و التفكر و النظر في الكون و في كل شيء حولنا و العلم و حتى القراءة... يتدبرون... يتفكرون... ذوي الألباب... انظروا... اقرأ ...
لأن المحبة تأتي من المعرفة... إذ كيف لك أن تعبد و تحب من تجهله...
الجنة و النار أقرب للفهم المادي و البسيط... بإمكان المرء أن يفهمها بسهولة... لكن التجريد أصعب... و من أراد أن يعرف أكثر عليه أن يبذل جهدا أكبر...

 

 

هذا التقارب معه أسعدني بشدة...

 

- تحت آية: و لو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب...

ذكر تساؤلا عن الجمع بين (يرى) و هو مستقبل مع قوله (إذ) التي هي للماضي؟

و أجاب بأنه لقربه فجرى مجرى كأنه وقع و حصل...

لكن تساؤله ذلك ذكرني بكلام جميل لـ جيفري لانغ في كتابه ضياع ديني عن كيفية حديث القرآن عن الآخرة و عن الإله بأنه تارة يأتي بالماضي و تارة بالمستقبل و تارة بالحاضر... هذا يشير إلى عدم الزمن... فما يتحدث عنه القرآن خارج عن الزمن و لذلك أتى التعبير القرآني بهذه الطريقة...

في أحيان أحس بدماغي يكاد يتمزّع و هو يحاول تصور كيف يكون الزمن متوهم... الأمر متعذر... و هنا و حتى أهون الأمر عليه أحاول أن أشبه الأمر بمثال و أفكر لو أن شخصية روائية تتساءل ضمن الرواية عن كيف يعقل لشيء أن يكون خارج قوانين الرواية و مسلماتها، أفلا يصبح تصور الوهم أسهل حينها؟

في تشرين الثاني 2009

·······

- الجزء الخامس
من البقرة  168 - إلى البقرة 210

 

·······

 

- الجزء السادس
من البقرة 211 - إلى البقرة 254

 

·······

 

- البعد اللانهائي و اللاشيء لاشيء و المرأة... في الجزء السابع

من البقرة 255 - إلى آل عمران 25
 

- حديث الرازي عن البعد اللانهائي: هذا البعد كنت أفكر به منذ مدة و ها أنا أجده هنا يفنده، و قد شعرت بدوار في رأسي _كالعادة_ و أنا أقرأ نقاشه لصعوبته، وجدته ممتعا و لكني لست متأكدة هل فهمته بشكل صحيح أم لا:

 "القول بإثبات بعد لا نهاية له باطل بالبراهين اليقينية، و أيضاً فإنا إذا قدرنا بعداً لا نهاية له، لافترض في ذلك البعد نقط غير متناهية، فلا يخلو إما أن يحصل في تلك النقط نقطة واحدة لا يفترض فوقها نقطة أخرى، و إما أن لا يحصل، فإن كان الأول كانت النقطة طرفاً لذلك البعد، فيكون ذلك البعد متناهياً، و قد فرضناه غير متناه. هذا خلف. و إن لم يوجد فيها نقطة إلا و فوقها نقطة أخرى كان كل واحدة من تلك النقط المفترضة في ذلك البعد سفلاً، ولا يكون فيها ما يكون فوقاً على الاطلاق، فحينئذ لا يكون لشيء من النقاط المفترضة في ذلك البعد علو مطلق ألبتة وذلك ينفي صفة العلوية."

- الحديث عن أصل كلمة الولي أنه هو القرب، و منه يقال للمحب المعاون ولي لأنه يقرب منك بالمحبة و النصرة و لا يفارقك: هذا الكلام وجدته مهما، إذ من المهم الانتباه لأصل الكلمة حين قراءة القرآن، نظرا لحملها معان سلبية و تشوهها في الذهن نتيجة سوء استخدامها في الواقع

- حديثه عن التعليل في آية شهادة المرأة (أن تضل إحداهما فتذكر احداهما الأخرى) هزيل و ضعيف و لا منطق فيه حتى شعرت أنه ضيعه بتأويله العجيب فعلا
"أي إرادة أن تضل. فإن قيل: كيف يصح هذا الكلام و الإشهاد للإذكار لا الإضلال. قلنا: هاهنا غرضان أحدهما: حصول الإشهاد، و ذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى المرأتين الثانية و الثاني: بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية، و ذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين، فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد، و بيان فضل الرجل على المرأة مقصوداً، و لا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما و تذكر الأخرى، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين"

و بدل أن يناقش هذه العبارة، و هل هي علة يدور معها الحكم وجودا و عدما أو أنها علة غير معتبرة أصلا و ذكر أسباب عدم اعتبارها، و كل تلك النقاشات التي يمكن أن تثيره هذه العبارة، إلا أنه كان قوله هذا المخيب للأمل...

و بشكل عام و رغم حبي للرازي و ذكائه، إلا أنه لا يمكن أخذ الكثير من كلامه المرأة... فهو يتحدث بلغة و ثقافة عصره، و بات من الواضح لي أن موضوع المرأة لم يكن مثار جدال على الساحة الفكرية بين مختلف التيارات على اختلاف أطيافها و من أقصاها لأقصاها، إطلاقا، و لا حتى النساء أنفسهن كن يفكرن بغير السائد حينها... لكن ما يجعلني أحترمه هو اعتذاره المستمر بقصوره البشري، فقد أنهى قوله هذا بعبارة "هذا ما خطر ببالي من الجواب على هذا السؤال وقت كتبه في هذا الموضع و للنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها و الكتب مشتملة عليها، و الله أعلم" فدعونا لا نحمله أكثر مما يطيق و نحاسبه بما لا وسع له بأن لم يخطر له سوى هذا، فهو لن يستطيع _رغم عبقريته_ الخروج عن ثقافة عصره و المسائل المطروحة فيه...

- من أمتع المسائل تقريره من كون المعدوم شيئا هو كلام باطل: و هذه من المسائل الطريفة التي لي معها حكاية صغيرة، إذ قابلتها لأول مرة في جزيرة اليوم السابق لإيكو على لسان بطله روبارتو الذي أعياه التفكير في هل كون اللاشيء شيئا أو لاشيئا و من يومها و أنا أستمتع بتقليبها في ذهني و إغراق نفسي في سفسطتها كلما أردت الهروب من الواقع ... و لكن من الواضح أن اللاشيء لا شيء فعلا كما قال الرازي...

بات علي أن أبحث عن علكة دماغية أخرى لأهرب معها من الواقع...

- و صحيح أنه من النادر أن يخرج عن أسلوبه العلمي و ينتقد بشكل فيه شيء من الانفعال رغم أن كتابه مليء بالأقوال من كافة التيارات الفكرية التي لا يكلف نفسه عناء مجادلتها في كثير من الأحيان مكتفيا بعرضها، مهما حوت من كفر و الحاد أحيانا... أحسبه كان شخصا هادئ الطباع جدا و ذا بال طويل و لا شيء يجعله ينرفز، و لكن قد فلتت منه عبارة ما هنا و وجدت الأمر مسليا _أعترف بهذا_ حتى في نرفزته بدا لي طيبا و هادئا، انظروا العبارة:
"فهذا المسكين الذي ما شم رائحة العلم من أين وجد ذلك" ص206

 

- و أخيرا و بعد سنوات أنهيت سورة البقرة في تاريخ 24-1-2012 و لله الحمد.
 

في كانون الأول 2012

·······

 

- الجزء الثامن

من آل عمران 26 - إلى آل عمران 129

في آب 2013

 

·······

 

- الإمام الرازي و أنا في الجزء التاسع

من آل عمران 130 - إلى النساء 16
كم كان لتفكير المعتزلة حضور في الساحة الثقافية آنذاك... و لا أنكر أني أحيانا بت أشعر بأن بعض الملالة البسيطة تسربت لنفسي حين يعيد الرازي نفس الجدال مع المعتزلة في نفس المسائل... بحيث تقريبا لا تكاد تخلو آية يفسرها من دون ذكر رأي لهم ثم الرد عليه... و لكنه في أثناء ذلك و في كثير من الأحيان يدخل نفسه في مسائل هو نفسه لا يعرف كيف يخرج منها... و ينطبق عليه هذه الجملة التي قرأتها لطه عبد الرحمن: لما كان المنطق قد اقترن بالخوض في القضايا الكلامية بطريقة ظلت متمسكة بالتجريد النظري، وإن بنيت على التسليم بمقدمات عقدية، فإنه صار إلى الاشتغال بما ليس جزءاً من موضوعه، مستعملاً فيه طريقة لا توافقه؛ مما أدى به إلى تقرير دعاوى كلامية في أسرار الألوهية تعلقت بالذات الإلهية وصفاتها وأفعالها، وتطاولت على الفصل في المتشابهات المنهي عن تأويلها، فجاءت مشتملة على أحكام واقعة، إما في التمثيل الذي يرفع التنزيه، أو في التأويل الذي يرفع التسليم، أو في التعطيل الذي يرفع التعظيم. وواضح أن هذه الدعاوى تخالف قاعدة الائتمار التأصيلية التي تقضي بالانشغال بأوصاف العبودية وبترك الخوض في أوصاف الربوبية، هذه الأوصاف التي لايدركها العقل ولا توفي بها العبارة. " 
 

فكثرة خوضه رحمه الله في القضايا الكلامية مع المعتزلة جعلته يدخل في مسائل غريبة عجيبة...و أود لو أقول له في بعض الأماكن، أن حنانيك، لا ترهق خلايا دماغك في تصور مشكلة كلامية ثم توهم إيجاد جواب يجعل الإشكالات تتقافز منها مضاعفة، و جوابك يمكن تفنيده ثم تفنيد تفنيده فتفنيد تفنيد تفنيده و هكذا إلى المالانهاية...
و لكن هل أستطيع إنكار أن أسلوبه هذا متعة فكرية خالصة و هو ما يجذبني للمواصلة... إذ لدي جانب يحب الفذلكة الكلامية، و أحب أن يعلق دماغي في متاهة فكرية ظريفة و يدور حول ذاته، و هذا التفسير يشبع هذا الميل بالطريقة الأسمى...
و للأمانة يعني لا أظن أحدا سيقرأ جدالاته في هذا التفسير لأجل أن يتيقن بعد شك، بل في أحيان كثيرة أشعر أن الرازي كان بحاجة كتابة هذا التفسير لأجل نفسه، فهو إنما كتب لأجل أن يسكت أصوات رأسه و الشكوك التي تثيرها نفسه و ليس أي أحد آخر... فإن كنت شخصا لديه شكوك _و التي هي شكوك حديثة بطبيعة الحال_ فهذا التفسير لا يناسبك، لأنه سيزيد شكوكك الحداثية بشكوك قديمة و ما بتعرف شو بدها...

ثم إنه بعد أن يكون جهد في تفنيد مسألة ما من كل جهاتها و بأدق تفاصيلها بحيث كأنه يحكم سد كل الثغور و الثقوب فيها، و تشعر و كأنه لتوه قد خرج من معركة ذهنية طاحنة و أخيرا واضعا النقطة الأخيرة لهذه المسألة بعد أن شفى غليله منها، و حين يريد أن يهم بمسألة بعدها، أود لو أشاكسه و أقول له: و لكن يا سيدي ألا تعتقد أنه يمكن لشخص أن يفند هذه الجزئية بكيت و كيت... فأتخيل أنه يعاود مرة أخرى الرجوع للمسألة و محاولة التفنيد...  و لكن من حسن الحظ أني لم أكن هناك، و إلا لكان علق في مسألة ما و لم ينته من تفسيره هذا بسبب مشاكساتي... 
بيد أن عدم وجودي هناك أيضا _مدري لسوء الحظ أو لحسنه_ و عدم معرفته بي قد جعل آراءه عن النساء سلبية للغاية، و بما أن سورة النساء ابتدأت في هذا الجزء، فكانت مناسبة جيدة بتذكيري بآرائه _و إن ما كنت لأنساها_، ثم إنه ليس في نيتي أن أتحدث عن الموضوع حاليا، سأؤجل ذلك حين الانتهاء من سورة النساء إن شاء الله... فضلا عن أني و للحقيقة لم تعد آراؤه الدونية لهن _و لا الأقدمين بشكل عام_ تشعرني بالانزعاج كثيرا و إنما بالطرافة، فإنما هي ثقافة العصر، و حتى النساء لم يكن يرين من إشكالية في هذه النظرة لأنفسهن و لا يرين دونية في ذلك، فلماذا أكون ملكية أكثر من الملك! و لذلك أنى لشخص أن يفكر في إشكاليات فيما وراء عصره و يرجم بالغيب... كل الصراعات الفكرية الطاحنة وقتها من كافة التيارات لم تكن لإشكاليات المرأة فيها حضور و لم يثر أحد جدلا في هذا السياق... فإن كانت جميع العقول حينها على تجاذباتها و معاركها لم تفكر بالموضوع فكيف أحاسبه على ما لم يكن له وجود في تصوره، و الحكم عن الشيء فرع عن تصوره... 
بأية حال في مسألة المرأة فإن أهم ما يعنيني في هذا المجال هو العصر النبوي، فالتشريع كان فيه، و هو العصر الذي يمكننا أن نقرأ منه و نقيس عليه و ليس عصور لاحقة أتت فيما بعد كان لتأثيرات البيئة و تبدلاتها دور كبير في التغيرات الاجتماعية...
 

بعض الاقتباسات التي استوقفتني:
"الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة، إنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة، فإذن نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل، وقوله عليه الصلاة والسلام:من عرف نفسه عرف ربه، معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم، ومن عرف نفسه بالإمكان عرف ربه بالوجوب، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء."


أحببت الجملة كثيرا و إن كان الحصر الأولي لي عليه كلام و يمكن إبراز إشكاليات منه... و لكني ببساطة أحببتها...


و عبارة أخرى:
والحكماء يقولون: إن النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية والحقيقة، فبعضها ذكية وبعضها بليدة، وبعضها مشرقة نورانية، وبعضها كدرة ظلمانية، وبعضها خيرة، وبعضها نذلة، واختلاف هذه الصفات ليس لاختلاف الأمزجة البدنية، بل لاختلاف ماهيات النفوس، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" وقال "الأرواح جنود مجندة" .
 

و حتى لا تميل الكفة في ذكري لما تقدم نحو جانب واحد، و يظن من لم يتابع حديثي سابقا أن المسائل الكلامية هي فقط ما يحتويه التفسير... فأذكر أن التفسير شامل و قيم، فهو يهتم كثيرا بالمسائل اللغوية و القراءات و أقوال الصحابة و التابعين و اختيارات الفقهاء و كيفية استدلال كل فريق من النصوص و المسائل الأصولية و بعض المعلومات الجانبية العلمية و أيضا الكثير من التزكية و الإشراقات الروحية و اللفتات الفكرية و الدقائق التي لا يراها إلا عارف...


و إن تساءل أحدكم أن هذا الجزء التاسع، فأين الحديث عما سبق من أجزاء... فسأقول له إن شاء الله يوما ما حين أصير مجدة كثيرا و ظريفة جدا و جميلة كثيرا و جدا سأتحدث عن الأجزاء السابقة المتراكمة، لا بل عن كل الكتب الأخرى التي أتكاسل وضع قراءاتها، و سأنجز أطنان الأعمال التي أسوفها منذ ولادتي و حتى الآن... لكن يعني ليس اليوم...

في حزيران 2013

 

·······

 

- الجزء العاشر
من النساء 17 - إلى النساء 93

في كانون الأول 2013

 

·······

 

- الجزء الحادي عشر
من النساء 94 - إلى المائدة 43

 

في نيسان 2014

 

·······

 

- هل الإحسان بلا غرض ممكن... في الجزء الثاني عشر
من المائدة 44 - إلى الأنعام 53

الكثير من لفتات الرازي العميقة التي ذكرها في هذا الجزء استوقفتني... من بينها
- الفرق بين يعملون و يصنعون و بين معصية العالم و غيره:
"ذم تارك النهي عن المنكر أقوى لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } والصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقراً راسخاً متمكناً، فجعل جرم العاملين ذنباً غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنباً راسخاً، والأمر في الحقيقة كذلك لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال، فكما أن هناك يحصل العلم بأن المرض صعب شديد لا يكاد يزول ، فكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دلّ على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة ، وعن ابن عباس : هي أشد آية في القرآن ، وعن الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها ، والله أعلم"

- هل حقا أن الإنسان يمكن أن يقوم بعمل إحسان خال من أي غرض... الرازي ينفي هذا، و يبين أنه أحد الفروق بين إحسان البشري و إحسان الله تعالى:
"كل من أحسن من المخلوقين إلى الغير ، فإنه إنما يقدم على ذلك الإحسان إما لجلب منفعة أو دفع مضرة، أما جلب المنفعة : فانه يطمع بواسطة ذلك الإحسان بما يصير سبباً لحصول السرور في قلبه أو مكافأة بقليل أو كثير في الدنيا أو وجدان ثواب في الآخرة . وأما دفع المضرة ، فهو أن الإنسان إذا رأى حيواناً في ضر أو بلية فإنه يرق قلبه عليه ، وتلك الرقة ألم مخصوص يحصل في القلب عند مشاهدة وقوع ذلك الحيوان في تلك المضرة فإذا حاول إنقاذ ذلك الحيوان من تلك المضرة زالت تلك الرقة عن القلب وصار فارغ القلب طيب الوقت ، فذلك الإحسان كأنه سبب أفاد تخليص القلب عن ألم الرقة الحسيّة ، فثبت أن كل ما سوى الحق فإنه يستفيد بفعل الإحسان إما جلب منفعة أو دفع مضرة ، أما الحق سبحانه وتعالى ، فإنه يحسن ولا يستفيد منه جلب منفعة ولا دفع مضرة ، وكان المحسن الحقيقي ليس إلا الله تعالى ، فبهذا السبب كان المستحق لكل أقسام الحمد هو الله."

- خلقنا الله متفاوتين بكل شيء، صفاتنا أرزاقنا حيواتنا فهمنا إحساسنا، و هذا ما يجعل في الحياة كثير من مشقة... و من منا لم يفكر أن لماذا خلقنا الله مختلفين هكذا: و كذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين...
يقول الرازي:
"الغنى و الفقر ... ابتلاء الشريف بالوضيع ... ابتلاء الذكي بالأبله وبالجملة فصفات الكمال مختلفة متفاوتة ، ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة ، بل هي موزعة على الخلق وصفات الكمال محبوبة لذاتها ، فكل أحد يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفات الكمال .
فأما من عرف سر الله تعالى في القضاء والقدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض للخلق ، وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة ، والله أعلم"

 


 

في تموز 2014

·······

 

- الجزء الثالث عشر
من الأنعام 54 - إلى الأنعام 152

 

في أيلول 2014

 

·······

 

- الجزء الرابع عشر
من الأنعام 153 - إلى الأعراف 145

 

في شباط 2015

 

·······

 

- عن الذكر و الحب و الماهية الإنسانية في ج15
من النساء 94 - إلى المائدة 43

أنتقي ثلاث مسائل جميلة...

- عن تأثير الذكر: يقول عند قوله تعالى: و اذكر ربك في نفسك تضرعا و خيفة و دون الجهر من القول بالغدو و الآصال و لا تكن من الغافلين.

 

[ بين الروح وبين البدن علاقة عجيبة ، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه أثر إلى البدن ، وكل حالة حصلت في البدن صعدت منها نتائج إلى الروح ، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض ضرس سنه ، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه ، فهذه آثار تنزل من الروح إلى البدن، وأيضاً إذا واظب الإنسان على عمل من الأعمال وكرر مرات وكرات حصلت ملكة قوية راسخة في جوهر النفس فهذه آثار صعدت من البدن إلى النفس.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا حضر الذكر اللساني بحيث يسمع نفسه، حصل أثر من ذلك الذكر اللساني في الخيال ، ثم يصعد من ذلك الأثر الخيالي مزيد أنوار وجلايا إلى جوهر الروح، ثم تنعكس من تلك الإشراقات الروحانية آثار زائدة إلى اللسان ومنه إلى الخيال، ثم مرة أخرى إلى العقل، ولا يزال تنعكس هذه الأنوار من هذه المرايا بعضها إلى بعض، ويتقوى بعضها ببعض ويستكمل بعضها ببعض، ولما كان لا نهاية لتزايد أنوار المراتب، لا جرم لا نهاية لسفر العارفين في هذه المقامات العالية القدسية وذلك بحر لا ساحل له، ومطلوب لا نهاية له. ]

ص 114

 

- لماذا يخفت حب و يبقى آخر؟  يذكر الرازي كلاما لطيفا:

المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير وكمال ، فالمحبة حالة معللة بهذا التصور المخصوص ، فمتى كان هذا التصور حاصلاً كانت المحبة حاصلة ، ومتى حصل تصوير الشر والبغضاء : كانت النفرة حاصلة ، ثم إن الخيرات والكمالات على قسمين : أحدهما : الخيرات والكمالات الباقية الدائمة ، المبرأة عن جهات التغيير والتبديل ، وذلك هو الكمالات الروحانية والسعادات الإلهية . والثاني : وهو الكمالات المتبدلة المتغيرة ، وهي الكمالات الجسمانية والسعادات البدنية ، فإنها سريعة التغيير والتبدل ، كالزئبق ينتقل من حال إلى حال ، فالإنسان يتصور أن له في صحبة زيد مالاً عظيماً فيحبه ، ثم يخطر بباله أن ذلك المال لا يحصل فيبغضه ، ولذلك قيل إن العاشق والمعشوق ربما حصلت الرغبة والنفرة بينهما في اليوم الواحد مراراً لأن المعشوق إنما يريد العاشق لماله ، والعاشق إنما يريد المعشوق لأجل اللذة الجسمانية ، وهذان الأمران مستعدان للتغير والانتقال ، فلا جرم كانت المحبة الحاصلة بينهما والعداوة الحاصلة بينهما غير باقيتين بل كانتا سريعتي لزوال والانتقال .

إذا عرفت هذا فنقول : الموجب للمحبة والمودة ، إن كان طلب الخيرات الدنيوية والسعادات الجسمانية كانت تلك المحبة سريعة الزوال والانتقال ، لأجل أن المحبة تابعة لتصور الكمال ، وتصور الكمال تابع لحصول ذلك الكمال ، فإذا كان ذلك الكمال سريع الزوال والانتقال ، كانت معلولاته سريعة التبدل والزوال ، وأما إن كان الموجب للمحبة تصور الكمالات الباقية المقدسة عن التغير والزوال ، كانت تلك المحبة أيضاً باقية آمنة من التغير ، لأن حال المعلول في البقاء والتبدل تبع لحالة العلة ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين }

 

و هكذا إن أردت حبا يبقى، فأحب لما هو باق...
 

- المسألة الأخيرة اللطيفة، هي عن الماهية الإنسانية، ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟

فرأى الإمام الرازي أن الإنسان إنما كان إنسانا بجوهر نفسه الناطقة...

الفكرة جعلتني أفكر كثيرا، فأين تقبع هذه الخاصية، في الدماغ أو في الكيان كله من دون تحديد أو أنها خاصية بالقوة حتى لو لم توجد بالفعل؟ ثم ما الذي يميز ذاتا ما عن ذوات الآخرين، فمثلا ما الذي يجعلني سلمى و لست ألمى أو سلوى؟ و لن أصدع رؤوسكم بذكر النتائج السلماوية... لكن ما أود قوله أنها جعلتني أفكر كثيرا... و لحسن الحظ فقد تصادف قراءتي لمبحث في كتاب الحكمة العربية لـ محمد الشيخ عن خلاف حكماء الإسلام حول ما الذي يجعل الإنسان إنسانا: فبعضهم ذهب لما ذهب إليه الرازي، و بعضهم قال بأنها الروح، و ثالث أنها الروح و الجسد معا، و رابع أنها النفس، و آخرون قالوا أنها الأخلاق فالإنسان سمي إنسانا للاستئناس به، وأنه إن فقد خـُلـُقه فقد نسخ صورته الإنسانية إلى شيطانية، و آراء أخرى... لكن أغرب تعريفين عن الخاصية الإنسانية، أحدهما ما قاله بعضهم أن أخص ما يميز الإنسان هو حمقه... و يبدو أن من ذهبوا إليها كانوا مبتلين بمعايشة الحمقى... أعاذنا الله الحمق و الحمقى...

أما الآخر فما ذهب إليه بعضهم بأن الإنسان لا يكون إنسانا إلا بسمة التناهي أي الموت: (الموت إنما هو من تمام طباعنا: فإن لم يكن موت لم يكن إنسان البتة، لأن حد الإنسان هو الحي الناطق المائت، و الحد مبني على الطبع؛ أعني أن طبع الإنسان أنه حي ناطق مائت. فإن لم يكن موت، لم يكن إنسان، لأنه إن لم يكن ميتا فليس بإنسان)  ص 69
و على ما يبدو أن العالم الحديث قد فهم هذا الرأي بطريقته المتسمة بالوفرة، فصنع أسلحة شاملة معتبرا قمة الإنسانية إرسال أكبر قدر من الناس إلى قبورهم، و ذلك ليتمتعوا باستكمال إنسانيتهم فيها...

 

في تشرين الأول 2015

 

·······

 

 

 

 

 

 

 

سلمى

 

 

 

· مقدمة عامة و حمزة يوسف

· الاشتقاق الأكبر في ج1

· ج2
· القوة النفسانية في ج3

· الله محبوب و معبود لذاته في ج4

· ج5

· ج6

· البعد اللانهائي واللاشيء لاشيء والمرأة في ج7

· ج8

· الإمام الرازي و أنا في ج9

· ج10

· ج11

· هل الإحسان بلا غرض ممكن في ج12

· ج13

· ج14

· عن الذكر والحب والماهية الإنسانية في ج15

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali