الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  المرأة في العصور الوسطى الإسلامية

 

 

المرأة في العصور الوسطى الإسلامية

 

 

 

(المرأة في العصور الوسطى الإسلامية: السلطة والحماية والورع)، كتاب عبارة عن ثلاثة و عشرين بحثا من قبل مجموعة من الباحثين الغربيين المختصين بالدراسات الإسلامية و تحرير المستشرق الإنكليزي غافن هامبلي، يحاولون فيها إعادة رسم صورة أكثر موضوعية لواقع المرأة المسلمة في تلك الفترة، بدل الصورة الإستشراقية التقليدية المتخيلة عنهن... لكن الأبحاث لم تكن شاملة لكل فترة و مكان، و إنما التركيز كان على نساء الأتراك و المغول و الفرس الصفوية و الهند المغولية... كما كان تسليط الضوء بمعظمه على النساء في السلطة و على قوة الحريم و طرق تدخلاتهن في الحكم... و هناك بعض مباحث تتحدث عن المرأة في بعض الأدبيات الفارسية و التركية و السيرة الشعبية المصرية، و أما أجمل و أفضل الدراسات برأيي _و هي الأقل حضورا أيضا_ فكانت تلك التي تطرقت للنساء العادية، عن نشاطهن الاقتصادي و الاجتماعي مستقاة من دراسة بعض محاضر المحاكم في السلطنة العثمانية و تقرير قاض مملوكي في مصر عن قضية طلاق... و كنت وددت لو تطرق الكتاب للمرأة في البلاد العربية أو الأندلس أو حتى للنساء في صدر الإسلام، و هو ما يتخيل لذهنك من العنوان العريض الذي يقترحه...


بيد أن مواضيعه ملونة و مختلفة، فقد تنقلت من النساء التيموريات و اهتمامهن بالعمارة و رعايتهن للمدارس و المؤسسات الدينية و بذخهن (من دون أن يذهب عن بالي أن الأموال بمعظمها كان نهبها تيمورلنك من حواضر العالم الإسلامي كدمشق و بغداد)، إلى حاميات الحريم الحارسات قويات البنية في الهند المغولية، إلى قوة المتنفذة السودانية نصرة و قسوتها في القرن التاسع عشر، إلى تأثير ورع الحريم و رحلاتهن للحج في الهند المغولية على تثبيت حكم السلاطين المستهترين، إلى محاكم عينتاب العثمانية في القرن السادس عشر لنعرف مشاكل الطلاق و مشاكسات النساء لأزواجهن و العكس، إلى تراتبيات النساء في البلاط الصفوي و مساهمتهن في العمارة، إلى الأميرة المغوية الصليبية نورا و مناوراتها مع الملكة ذات الهمة في السيرة الشعبية المصرية، إلى تحليل أفكار النساء كما تظهر في مقاطع النواح في بعض الأدبيات الفارسية كالشاهنامة، إلى النشاطات الاقتصادية للعثمانيات في القرن السادس عشر من استثمارات و صفقات تجارية و عقود شراكة و امتلاك عقارات و تقديم قروض، إلى دهاء البيجمات (الأميرات الهندية) في إدارة الصراع مع الشركة الهندية الشرقية الانكليزية...

 

منمنمة مغولية للحريم من كتاب أكبرنامه، رسم مدحو و نارسيغ عام 1602 - 1603

From the Akbarnāmah by Madhu and Narsigh, 1602-3


لم تكن الأبحاث على سوية واحدة، و ربما الأبحاث الأول لم ترق لي، سيما و أنها تتحدث عن النساء الفارسية و التركية ما قبل الفترة الإسلامية، فكدت أصاب بخيبة، لولا أن الأبحاث الجميلة أتت بعد ذلك...


و فيما يلي بعض الملاحظات:
- في بداية الكتاب في المبحث الذي تحدث عن وضع المرأة في الثقافة الفارسية قبل الإسلام، كان أن استنتجت الباحثة مكانتهن الجيدة بسبب ملكة و رسومات لنساء متنفذات و تماثيل آلهات، و لكني تشككت بهذه النتيجة، و أن الاستنتاج غير دقيق، لأن نساء الخاصة في كل مجتمع لهن ميزات تختلف عن النساء العاديات، و ربما تـُـتخذ التماثيل و تـُـعبد النساء لأسباب شهوية أو جمالية أو سلطوية، و هذا ليس بالضرورة دلالة على مكانة المرأة المميزة بوجود تشريعات ترعاها و تحمي حقوقها، و من الواضح أنه ليس هناك تلازم بين وصول النساء للحكم و بين اهتمامهن بمثيلاتهن من نساء العامة، فقد كان هناك شبه انفصال بين العالمين، و لا بين تعبد الحسناوات و المتنفذات و بين وضع المرأة بشكل عام... و ما دفعني للتفكير بهذا المنحى هو دراسة كنت قرأتها مسبقا للمستشرقة الألمانية دوروتيا كرافولسكي (الشيطان و المرأة)، تتحدث فيه عن العقائد التي كانت في بلاد فارس قبل الإسلام أي الزرادشتية و كيف كانت تعتبر المرأة أداة للشر، و لهذا حين دخل الإسلام لهذه المناطق، فقد أثرت الثقافة العامة على بعض الخطاب الإسلامي، و هذا سبب حضور خطاب تحقيري للمرأة و خاصة لمن نشأ في تلك المجتمعات، مما أدى لتراجع صورتها و حضورها في هذه المنطقة و خاصة في (بلاد ما وراء النهر)، عما كانت عليه في صدر الإسلام... على أية حال الأمر يحتاج لبحث أكثر مني لأخرج بنتيجة أوثق...
 

- قد تزامنت قراءتي للأبحاث التي تدرس عوالم نساء الشاهات و الخانات و التراتبيات في البلاطات و البذخ و الحديث عن ثرواتهن و نفقاتهن، مع قراءتي لتفسير سورة المجادلة و سبب نزولها هو خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها و هي امرأة مسنة فقيرة عادية، قد جاءت رسول الله و حاورته و جادلته بحجة و لسان مبين و سمع الله دعاءها و شكواها و أنزل بها قرآنا... و قد حصل أن هذه السيدة نفسها، في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد استوقفته في الطريق و وعظته: "هيها يا عمر عهدتك و أنت تسمى عميرا في سوق عكاظ ترعى الضان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية و اعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد و من خاف الموت خشي الفوت"
فشعرت بعمق المفارقة بين نموذج المرأة في صدر الإسلام و نوعية ما يعتبر مهما ليروى كمثال عنهن، و بين نموذج الحريم هذا و ما صار مدار اهتمام الرواية و النقل كمثال عنهن...
 

- من الأمور التي أعجبتني جدا هو ثبت الباحثين المشاركين في الكتاب في نهايته، حيث التعريف بكل باحث مع ذكر مجموعة من أعمالهم، و بعضها عناوين ظريفة و ملفتة للنظر... مثل (ابن بطوطة و سفر المرأة في دار الإسلام لمارينا تولماشيفا) أو (الحمل و آثاره الاجتماعية في المجتمع العربي التقليدي و العصور الوسطى لريمكه كروك)
 

- من الكتب التي ذكرت في معرض الكتاب و كنت تحدثت عنها؛ كتاب روث رودد النساء في التراجم الإسلامية، و كان موضوعه أقرب لنفسي لتسليطه الضوء على نساء صدر الإسلام و العالمات و النساء في البلاد العربية... و ذكر أيضا كتاب الأميرة المغولية جلبدن بيجم (همايون نامه)، الذي كتبت عنه قبل فترة وجيزة و هو مصدر كثير من هذه الدراسات عن المرأة المغولية...
 

أما الترجمة فجيدة، و أعجبني حرص المترجمين على ترجمة الأبيات الشعرية بأسلوب شعري و قافية...
 

الكتاب كان محاولة لا بأس بها لتغيير الصورة النمطية الإستشراقية للمرأة الشرقية من كونهن مغيبات و متبطلات و مقموعات و التي كان للرحالة الأوربيين دور كبير في خلقها لعدم احتكاكهم بهن (راجع في هذا السياق كتاب حقائق غائبة خلف الحجاب لجودي مابرو)... حيث نجدهن فاعلات و موجودات في كل منحى خيّر و شرير على حد سواء، مساهمات في صنع المجتمع بكل ما فيه كما هو، و هو محاولة لإعادة رسم صورة لهن من خلال عينات عن المرأة الشرقية في تلك البلاد و ضمن النطاقات التي اختارها، صورة بعجرها و بجرها، لم تكن مثالية و لا متخيلة و لكنها أقرب للواقعية... كما يتضح لدى الباحثين بشكل عام قدرتهم على التفريق بين أحكام المرأة في الإسلام كتشريع في صدر الإسلام، و الواقع الثقافي في المنطقة المدروسة التي تبتعد كثيرا أو قليلا عن هذا الأصل، و أيضا معرفتهم باختلاف التصورات بين الفرق الإسلامية، و أثرها على هذا الواقع...
كما أن الكتاب يعتبر مثالا جيدا لتبديد تلك النظرة الوردية لدى البعض من أن المرأة لو حكمت ستكون الأرض أفضل حالا، فهي لطالما كانت و لا زالت في المشهد، بشكل أو بآخر... و ليس من متلازمات الأنوثة العدل و الرحمة، فالعدل و الرحمة ثقيلان على النفس و يحتاجان لمجاهدة لاختيارهما حين امتلاك القوة، و قليل من يفعل و تفعل...
 

بشكل عام استمتعت بالكتاب كثيرا، و بعض الأبحاث وددتها لو كانت أطول... أعشق هذه النوعية من الدراسات الغربية البعيدة عن النمطية و التي تحاول تصحيح الصورة الكلاسيكية الإستشراقية و تدرس مواضيع متنوعة، مع لمسة غرائبية لا أنكر تلذذي بها... و من المؤسف أن أمثال هذه الدراسات الأكاديمية صوتها منخفض و قليلا ما يراد لها أن تخرج عن دائرتها الأكاديمية، فلا تأثير كبير لها على الإعلام الغربي و ما يقدمه لمتلقيه...
 

كتاب جميل و يستحق القراءة...
 


 

 

--

المرأة في العصور الوسطى الإسلامية؛ السلطة والحماية والورع Women in the Medieval Islamic World

تحرير البريطاني: غافن هامبلي Gavin R. G. Hambly

ترجمة: أحلام عثمان - أحمد طلعت - حسن محمد حسن

مراجعة: حمدي عبيد

الشبكة العربية للأبحاث و النشر، ط1، 2014



 

سلمى

4 حزيران 2016

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali