الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  النساء في التراجم الإسلامية

 

 

النساء في التراجم الإسلامية

 

  

 

 

قبل عامين أمسكت كتاب النساء في التراجم الإسلامية لروث رودد لأقرأه، و قبل أن أفتحه قلت لنفسي: و ما الذي تعرفينه يا سلمى عن النساء في التراجم الإسلامية حتى تقرأي بحثا إستشراقيا يحللهن؟ فأغلقته و قررت قراءة موسوعة أعلام النساء في عالمي العرب و الإسلام لعمر رضا كحالة بدلا عنه، و التي كان قد جمع مادتها من كتب التراجم... ثم حين انتهيت منها، عدت لهذا...
عملت رودد _و هي أستاذة التاريخ الثقافي للشرق الأوسط في الجامعة العبرية بالقدس_ في كتابها على مسح تراجم النساء في كثير من كتب التراجم الإسلامية، و استنتجت مجموعة من الملاحظات، فيما يتعلق بنسبتهن في الكتب مقارنة بالرجال و مدى تمثيلهن في الحياة العلمية و الاجتماعية و السياسية في العالم الإسلامي على قرون متفاوتة... كثير من هذه الملاحظات كان ذكيا، و بعضها قليلا كان واهيا... طبعا من بينها إشارة إلى نظرية المشككين في المراجع الإسلامية المثيرة للجدل، و التي كنت تحدثت عن عدم موثوقيتها حين كتبت عن كتاب نقد نظرية المدار لـ فهد الحمودي...
و مع أن رودد ليست مسلمة كما تقول و لم تكتب عملها لأجل المسلمات اللواتي يحفزهن التاريخ الإسلامي، و لا لأجل الدفاع عن سجل الإسلام حيال المرأة، و إنما دفعها إليه هو الفضول المعرفي، حيث فاجأها دور المرأة البارز في التاريخ الإسلامي و حضورها فيه، و أن العالمات المسلمات لم يكن استثناء في التاريخ... و فاجأها ذكر المراجع التقليدية لكل هذه النسوة و وفرتهن، على عكس التاريخ الغربي الذي يحتاج لإعادة بناء تاريخ للنسوة فيه... تقول:
" يـُدهش المرء حين قراءته لآلاف تراجم النساء بالدليل الذي يتناقض مع مشاهدة المسلمات مهمشات، ويعانين من القيود المفروضة عليهن." ص20
و يمكن اختصار الفكرة في الكتاب أن النساء في التاريخ الإسلامي كان لهن دور فاعل و إيجابي و كبير في المشهد العلمي و الاجتماعي و لم يكن مغيبات أو مقصيات... و أقل في المشهد السياسي أو بالأحرى أقل من حيث المباشرة، حيث أن دورهن خلف المشهد كان قويا أيضا...
بل إن النساء الحاضرات في المجتمع بأفعالهن كن في الواقع أكثر من المذكورات في كتب التراجم... لكنهن لم يذكرن ربما لاستتار حالهن أو لعدم الاهتمام بذكرهن أو لأن التركيز على رواية الحديث في التراجم فقط أو لسبب ما... و لكنك تجد في ثنايا كتب التاريخ و الحوادث و الوثائق كثير من العالمات و الفقيهات و المتصوفات و المحسنات اللواتي كان لهن إسهام كبير في الأوقاف و بالتالي على تشكيل الحياة العلمية و الاجتماعية، و لم تدرج تراجمهن في العصور المتأخرة في كتب الترجمة... كما أن نسبة كبيرة من النساء المذكورات في كتاب ما كن من اللواتي على صلة بالمؤلف صاحب الكتاب كشيخاته أو تلميذاته أو قريباته العالمات أو ذوات المكانة... هذا يعني أن هذه الطبقة من النساء العالمات موجودة بشكل معتاد، و لكنه لم يذكر منهن في كتابه إلا اللواتي ضمن دائرته، لمعرفته بهن... و يمكنك أن تعرف هذا من كون كثير من العلماء المعروفين قد أخذوا العلم من شيخات لهم كالبخاري و السيوطي و ابن تيمية و ابن القيم و السخاوي، كما ذكر ابن عساكر أن عدد شيوخه من النساء كن بضعاً وثمانين امرأة... حتى أن ابن بطوطة في رحلته تحدث حين زار دمشق كيف سمع الحديث من إحدى الشيخات في الجامع الأموي...
ثم إن المراجع التي اعتمدت عليها المؤلفة على كثرتها هي فقط الأشهر في هذا السياق و التي ترصد أبرز المراكز الإسلامية الشام و مصر و العراق و الحجاز... و لا تطرق لغيرها كالأندلس أو المغرب العربي أو اسطنبول أو اليمن أو بلاد الشرق أو حتى إفريقيا...
و من خلال تجربتي مع كتاب عمر رضا كحالة، أستطيع القول أن توافر المراجع يؤثر في رسم الصورة و الإحصائية... ففي موسوعته كانت نسبة كبيرة من المذكورات من المتوفيات بدمشق، و كأنه ليس هناك من شبر في جبل قاسيون إلا و تحته قبر لعالمة أو فاضلة أو وجيهة... حتى ظننت لوهلة أنه كل العالمات في دمشق... لكن انتبهت أن كحالة كان يعمل في المكتبة الظاهرية بدمشق، فكانت تحت يديه مراجع كثيرة عن تاريخ البلدة و من كان فيها، و بعضها مخطوطات لم تطبع... و لذلك كان لدمشق النسبة الأغلب...
 

إن أغنى الفترات المعتنى بها في معظم كتب التراجم هي فترة صدر الإسلام عن الصحابيات و التابعيات... ثم كانت العناية بالفترات اللاحقة أقل نسبيا، أحيانا تزيد و أحيانا تنقص، مثل حضورهن الذي كان يقل فترة و يبرز تارة أخرى... فلم تكن كل الفترات و الأماكن في التاريخ الإسلامي على شاكلة واحدة...
ثم بعد ذلك خفت حضورهن كثيرا في المشهد في آخر مئتي سنة... و لكني أتساءل هل خفت حقا بشكل خاص لكونهن نسوة، أو لخفوت عام لحق بالجميع رجالا و نساء، ثم ما نسبة ضعف التوثيق في هذا الخفوت؟ و هنا لا أنسى مبحثا حاذقا جدا كنت قرأته في كتاب حقائق غائبة خلف الحجاب لجودي مابرو تحت عنوان (هل هي عبودية كاملة)، تتحدث فيه عن ظهور صورة مغايرة للمرأة الشرقية عن التي يعرفها الغرب من بين سطور رحلات المستشرقين التي نشطت منذ القرن السابع عشر، صورة امرأة قوية و فاعلة في المجتمع، لدرجة وجود تظاهرات نسوية سياسية في القرن الثامن عشر، بل و أمر الخديوي بإبقاء نساء العامة في منازلهن حين زيارته و ذلك لأن العربيات معروفات بجرأتهن فخاف من جهرهن بمطالبهن أمام الباب العالي!
و تنقل رودد ملاحظة طريفة من دراسة _و إن كنت لم أجدها مقنعة_، أن عدم ذكر النساء في الفترة العثمانية في كتب التراجم ربما كنوع من ردة فعل و مقاومة لوصول نفوذ النساء للذروة في الدولة الإسلامية، بالإضافة للعوامل الأخرى.
 

من رسومات الواسطي على مقامات الحريري 1237م

 

ثم إن انتقلنا إلى التراجم الحديثة فإنه يلاحظ تغير نوعية النسوة المترجم لهن، و هو أمر كنتُ لاحظته في موسوعة كحالة كما لاحظته رودد أيضا، فتخبرنا عن غياب النساء العالمات بالدين و المحسنات في الموسوعات الحديثة التي اطلعت عليها في مقابل ذكر عالمات يحققن معايير غربية أكثر... و ربما الكلمة الأدق برأيي أنهن غـُيبن، بجملة أشياء كثيرة قد قـُطعنا عنها بفعل المرحلة الاستعمارية و ما انجر بعدها...
 

لكن بغض النظر عن بؤس الوضع قبل قرن من الزمان، إلا أني متفائلة حاليا، فقد تغير الحال في العقود الأخيرة، و عادت كثير من المسلمات للاهتمام بالعلم و الفعالية، و هن يتمثلن جداتهن في صدر الإسلام... و قد سعدت حين قرأت أن هناك موسوعة جديدة لـ محمد مطيع الحافظ (أعلام النساء الدمشقيات) تتحدث عن بعض هذه النسوة في القرن العشرين مثل الحجة وهيبة أو دعد الحسيني رحمهما الله... و فعلا كما قالت رودد، فإن المسلمين يتخذون من فترة صدر الإسلام و حضور الصحابيات فيها كنموذج محفز للنساء على النهوض و التفاعل... و ربما كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة لـ عبد الرحيم أبو شقة هو أبرز تجسيد لهذا...
 

أخيرا أقول أنه لا بأس بكتاب رودد، و الترجمة متقنة... قد استمتعت بقراءته، و هو جيد و ربما حتى مفاجئ لمن ليس لديه خلفية عن الموضوع، أو لشخص لا يعرف عن النساء في الحضارة الإسلامية سوى الصورة الإستشراقية النمطية للمرأة المقموعة المغيبة... لكنه لم يضف لي الكثير، فمعظم معلوماته أعرفها، و كان أقل مما توقعته... و أكثر ما استفدته منه كان تحفزيه لي لقراءة موسوعة كحالة...
 

و هذه قراءة أطول لـ ملاك الجهني عن الكتاب


ملاحظة جانبية: ورد خطأ مطبعي قبيح في الكتاب ص 119 و أذكره لأنه يفسد المعنى، فالمترجم في مقدمته ذكر أنه أضاف الصلاة على رسول الله في كل الكتاب... فما حصل أن الناشر قد أضاف صيغة الصلاة بشكل خاطئ إلى كلمة رسول _بمعنى مرسال قوم_ واردة ضمن قصة، فكان خطأ شنيعا، لأن القصة كانت عن سبّ عائشة بنت طلحة لرسول أرسله زوجها لها ليصالحها حين كانت غاضبة منه...
 


 

 

--

النساء في التراجم الإسلامية Women in Islamic Biographical Collections

لمؤلفته الأمريكية: روث رودد Ruth Roded

ترجمة: عبد الله بن إبراهيم العسكر

دار جداول



 

سلمى

28 تشرين الأول 2015

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali