الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  مع جداتنا البارزات

 

مع جداتنا البارزات

 

أعلام النساء في عالمي العرب و الإسلام عمر رضا كحالة

 

ابتدأت الحكاية حين أمسكت كتاب (النساء في التراجم الإسلامية) لـ روث رودد لقراءته... فسألت نفسي و ما الذي تعرفينه يا سلمى عن النساء في التراجم الإسلامية حتى تبدأي مباشرة ببحث استشراقي عنهن؟ و هكذا ركنته على جنب و طفقت أبحث عن كتاب تراجم متأخر و كبير حتى يكون شاملا لأكبر عدد منهن، و كان لحسن حظي أن عثرت على هذه الموسوعة المعاصرة الفريدة في بابها و ضخامتها، (أعلام النساء في عالمي العرب و الإسلام) لباحث دمشقي معجمي التآليف اسمه عمر رضا كحالة المتوفى سنة 1987... حيث جمع فيها كل ما وقعت عليه يده من أعلام العربيات و المسلمات عبر التاريخ إلى المعاصرات منهن اللواتي توفين عند كتابته للكتاب... و نظرا لأنه كان يشغل منصب مدير المكتبة الظاهرية، فقد تعددت مراجعه و تنوعت حتى ضمت الكثير من المخطوطات التي لم تطبع... خمس أجزاء ضخمة الحجم فتحن لي بابا على عالم هائل كنت غافلة عنه: آلاف من الجدات المنسيات أو قليلات الذكر على اختلاف أدوارهن اللواتي حفظ التاريخ أسماءهن لأسباب تتعدد من أقصى اليمين لأقصى الشمال: المحدثات، الفقهيات، الصحابيات، التابعيات، الشاعرات، المغنيات، ذوات النفوذ و السلطان، ذوات الكرم و الإحسان، الخطاطات، العالمات، الطبيبات، الأديبات، المتنبأت، الكاذبات، هاجيات أزواجهن، راثيات إخوانهن، باكيات آبائهن، مادحات ساداتهن، مشعلات الفتن، مؤججات الإحن، ملهمات الشعراء، مستعبدات الأمراء، الغاويات، المغويات، الزاهدات، العابدات، الماجنات، السفيهات، و كثيرات كثيرات كثيرات...

 

صورة نساء من رسومات الواسطي على مقامات الحريري 1237م

صورة نساء من رسومات الواسطي على مقامات الحريري 1237م
 

هذه الرحلة الطويلة جعلت بعض الملاحظات تقدح في ذهني، و هي ليست أكثر من ملاحظات أولية فقط لا غير:
- أكثر ما أثار حنقي و غيظي من الموسوعة هو أنه حين يكتب عن جارية أو مغنية فهو يطنب في وصف جمالها و حديثها و ظرفها، أما المحدثات و الفقيهات و العابدات و الزاهدات فمن النادر أن تظهر فيهن هذه الصفات الأنثوية الإنسانية، فلا يتحدث إلا بطريقة مدرسية من كان شيخها و من روى لها، أو ماذا فعلت من أفعال الخير، و كأنما المحدثة أو العالمة أو الفقيهة لم تكن جميلة أو ظريفة أو كان لها زوج يحبها، أو لم تكن لها حياة أسرية و اجتماعية يمكن أن تروى بعض الحكايا عنها... حتى بت أنتبه على نفسي أني أمر سريعا على بعض هذه المحدثات لأني أصاب بالملل من العرض لما قرأنه و أجزن به و درس لهن و عليهن، مع أني حقيقة مهتمة بمعرفة تفاصيل حياتهن أكثر من قصص الجواري التي نسجت كثيرا منها مخيلات الرجال، و لم يكن يفعلن إلا الترفيه عنهم... هذه الملاحظة العامة مع الاستثناءات طبعا، مثلا أن الصحابيات و بعض التابعيات صفاتهن البشرية و نتف من حياتهن حاضرة بقوة، حيث يختلط الأنثوي بالعلمي و يظهر بوضوح...
و لا أدري ما سبب هذه المشكلة أمن المؤرخين أنفسهم الذين لم يعنوا إلا بنقل الجانب العلمي عند هذه النسوة؟ أو أنهن كن مستورات الحال، بحيث أنهن لم يكن يظهرن هذا و يكتفين بإبراز جانبهن العلمي؟ و حينها لأول مرة أشعر بأنه ربما ستر الحال ليس فعلا حميدا دائما... رحمهن الله لو علمن كم فوتن على من يأتين بعدهن من فوائد... و على كل ربما الموسوعة ليست كافية للحكم تماما... لأنها موسوعة تعريفية بهذه النسوة و ليست تورد كل ما ذكر عنهن...
و في هذا السياق لـُفت نظري لملاحظة، أن لماذا أنا مهتمة لمعرفة كيف كان شكلهن؟ فهل سأظن أنه من اللائق لمحدث مثلا أن يتحدث عن جمال امرأة محدثة قد روى عنها؟
ربما هناك وجهة نظر في الفكرة، و لكن هذه الحاجة نبعت ليس من كوني فضولية فقط و لكن لكوني متأخرة عنهن أيضا... فلا يقدمن إلينا إلا بهذه الشاكلة الصارمة البحثية، فيكاد يغيب عن الذهن أنهن أيضا كن إناثا كأي أنثى أعرفها، قد يتزين و لهن ملحهن و قصصهن و لكن الفرق أنهن كن منضبطات مستورات الحال و لسن كتلك الجواري... ثم إن واحدنا اعتاد أن كل قصص النساء يروى أنهن جميلات، و كل قصص ملهمات الشعراء كيت و كيت، و كل قصة فيها كان يا ما كان، يضعون فيها امرأة بمواصفات... فمن الطبيعي أن يتبادر لذهني حين يقال لي كان يا ما كان هناك محدثة، أو عالمة أن أتساءل كيف كانت تبدو؟
أحسبنا نحن الفتيات بشكل عام نتأثر بهذه الأمور، فأن تعلم أن محدثة أو عالمة كانت كذلك، فإن المعلومة تسعدني و أجدها محفزة، و هو يؤثر بأخريات ليتشبهن بها، مثل ما يؤثر شكل مغنية على الفتيات لتقليدها...
و حتى هذا يؤثر في نظرة الرجال أنفسهم لهذه النسوة... و لمعنى المرأة بشكل عام... فلا يحصل فصل في الذهن أن المحدثة أو العالمة أو المتعبدة هي أمر منفصل عن امكانية كونها أنثى جميلة و زوجة و حبيبة... و هذا بالتالي يؤثر على خيار المرء في الحياة... و هنا يحضرني تساؤل لأحدهم إن كان لرابعة العدوية مرآة! و هل كان ليسأل مثل هذا السؤال لولا أن هناك تغييب لصورتهن كنساء!
و بشكل عام ليس المقصود تفاصيل جمالهن، و لا تتبع الأمر بطريقة ممجوجة، و لا حتى هو تكريس للاحتفاء بالمظهر الخارجي، فمعظم النساء جميلات على أية حال، و خاصة في كتب التاريخ، لكن حين يستهل كلامه بكونها جميلة أو ذات ملحة أو كانت كيت و كيت فإني أشعر بأنها إنسانة و أنثى قريبة مني، و انكسرت وحشة صرامة الشخصية التاريخية...

- إنما هذه موسوعة قد جمع فيها المؤلف من عثر عليهن في كتب التراث، (منهجية جارف السيل و حاطب الليل)، يعني هذا الكتاب ليس مرجعا تاريخيا توثق منه القصص الواردة، فبعض القصص و ربما الشخصيات هي مختلقة و بعضها مختلطة مع أسماء أخر، و هو لم يعمد للتحقيق في هذا... و إنما كان غرضه أن جعلها موسوعة مفتاحية لكل من ذكرن، لتحيلك إلى المراجع الواردة فيها، حيث يذكر تحت الاسم مراجعه التي استقاه منها، وبذلك يترك لك الأمر لترى مدى موثوقيته و متابعة الموضوع بنفسك، من مبدأ من أسند لك فقد حملك. كما أنه لا يذكر إلا بضع قصص و مواقف عن الشخصية الواردة، و بالتالي فإن في كتب التراجم توسع أكبر عن هذه الشخصيات...
 

- لاحظت أن العصر الإسلامي الأول _الصحابيات و التابعيات_ كان عصرا ذهبيا للنساء، و اللافت أنهن كن

 جريئات و قويات و معتدات بأنفسهن كثيرا، كما أن طبيعة العصر التي فيها شيء من خشونة أضفت شيئا من القسوة و المباشرة في التعبير عن رأيهن، و لذلك فأنا متشوقة لقراءة كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) الذي يتحدث عن هذه الفترة... و من ثم فإن العصور التالية فيها فترات مد و جزر... و لأن الباحث دمشقي فالملاحظ أن للنساء في دمشق و حلب قسم كبير من الذكر... ففي بعض العصور شعرت و كأن في كل ركن و زاوية كان هناك عالمة أو محدثة أو محسنة تبني مدرسة و توقف عليها النفقات، و قد كان بناء المدارس من أكثر ما اهتمت به النسوة، و لكثرة المحدثات اللواتي ذكر دفنهن في جبل قاسيون المطل على دمشق، كدت أخال أن هذا الجبل يسمى جبل المحدثات...
و الملاحظ أن العالمات قد طلبن العلم من الرجال و كان لهن مجالس علم يطلب منها الرجال و يؤتى إليهن لسماع الحديث... يعني لم يكن مقصيات عن الحياة، لا الاجتماعية منها حيث كانت لهن مكانتهن في محيطهن كوجيهات، و لا الفكرية إذ كن صانعات لها _و دعونا من السياسية فليس أمكر من النساء في هذا المجال_... مثلا كـ سارة بنت عمر المحدثة التي كانت رقيقة مع الطلبة مع صبر على الإسماع و السماع و التي بموتها قد نزل أهل مصر في الرواية درجة، _بمعنى أن سلسلة الحديث بموتها قد صارت أطول لانها آخر من كان بقي من طبقتها_، و يقول الإمام الذهبي عن المحدثات: (ما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها)... دلالة على جودة روايتهن و قوتها... و هذه العلوم، كانت هي أعلى أشكال العلوم في تلك العصور، حين كان النص عنوان حضارتهم و مبنى فخرهم و الاشتغال فيه من أرفع ما يمكن أن يطلبه امرؤ...


- ثم بعد هذا و كأنه بدأ التراجع في القرن الثامن عشر و التاسع عشر أو قبلهما بقليل، لست متأكدة، لكن التأكيد أنه حصل تراجع، بحيث لم يعد للنساء من حضور كثير و خاصة على الساحة العلمية، فضلا عن أن العلم بحد ذاته كان يشهد تراجعا عاما... بدأت تتناقص البارزات منهن في مجال العلم و امتلاكهن لتلك المكانة الاجتماعية... ثم و في فترة متأخرة بدأت تظهر خريجات للمدارس الأجنبية التبشيرية... و الملاحظ أن هذه الخريجات كن أديبات يملكن زمام اللغة العربية رغم اتقانهن للغات أخرى و أفكارهن رصينة و مهتمات بالنهوض بالمرأة، و بعضهن يرغبن بذلك على الطريقة الغربية و بعضهن لم يكن يحبذن أن يشبهنها و إنما يستلهمن من نساء تاريخنا...


قصص و نوادر و طرائف و عبر كثيرة عشتها مع الكتاب... و أحببت الكثيرات منهن... و استوقفنني الكثيرات... بيد أني لا أستطيع ذكر كل من أحببتهن... لذلك سأكتفي بذكر بعض الأمثلة باختصار:
· عاشة بنت طلحة: تابعية ثقة و لها رواية، كانت أجمل نساء زمانها و أرأسهن و حديثها مخرج في الصحاح، و هي بنت أخت السيدة عائشة رضي الله عنها. كانت سيدة ذكية معتدة بذاتها و جمالها و مشاكسة... قصصها كثيرة و جميلة... و كان لها مجلس لا تحتجب من الرجال و إنما تجلس و تأذن كما يأذن الرجل...
· باي خاتون بنت علي الدمشقية: محدثة حدثت في مصر و الشام، و كانت رئيسة في قومها ذات أخلاق فاضلة دؤوبة على إسماع و سماع الحديث.
· أسماء بنت أسد بن الفرات: من فواضل نساء عصرها في القيروان. نشأت نشأة حسنة فكانت تحضر مجالس أبيها العلمية و تشارك في السؤال و المناظرة حتى اشتهرت برواية الحديث و الفقه على رأي أهل العراق و أصحاب أبي حنيفة. توفيت سنة 250 هـ
· فاطمة السمرقندية: فقيهة محدثة من حسان نساء عصرها، أخذت العلم عن جملة من الفقهاء و أخذ عنها الكثيرون و تصدت للتدريس، و ألفت مؤلفات في الفقه و الحديث، عاصرت الملك نور الدين الشهيد، و كانت الفتوى لا تخرج إلا عليها خطها و خط والدها، و لما تزوجت الكاساني كانت تخرج بخط ثلاثتهم...
و من الجميل معرفة قصة زواجها من الكاساني الفقيه الحنفي... حيث أن جماعة من ملوك الروم طلبوها من والدها، و لكنه امتنع و زوجها لتلميذه الكاساني، و كان مهرها كتابه الذي ألفه في الفقه الحنفي بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع... توفيت بحلب... (و في مكان آخر قرأت أن زوجها بقي يزور قبرها كل يوم جمعة حتى توفي بعدها بست سنوات و دفن قربها كما كان أوصى).
هذه القصة هي ما عنيت أني أريد معرفته... عن حيواتهن العادية بالإضافة للعلمية... لأن هذا يضفي بعدا إنسانيا و يجعلهن أقرب لنا... حتى كتاب بدائع الصنائع صار له معنى آخر في نظري... صرت أسميه مهر فاطمة...
· تاج الدول بنت عبد الجليل: شاعرة مجيدة من شواعر الأستانة في القرن الأخير اشتهرت بتفاسيرها لغوامض الفلسفة و علم الأخلاق.
· ثمل القهرمانة: من ربات النفوذ و السلطان في الدولة العباسية، جلست في الرصافة للمظالم و النظر في كتب الناس يوما في كل جمعة. فأنكر الناس ذلك و استبشعوه و كثر عيبهم له و الطعن فيه فجلست أول يوم فلم يكن لها فيه طائل، ثم جلست في اليوم الثاني و أحضرت القاضي أبا الحسن فحسن أمرها و أصلح عليها و خرجت التوقيعات على سداد فانتفع بذلك المظلومون و سكن الناس إلى ما كانوا نافروه من قعودها و نظرها.
· صارة الحلبية: شاعرة أديبة و طبيبة ماهرة كانت تتعاطى كثيرا من الصناعات فتجيد في ذلك. و تكتب الخط الجيد و تحل الذهب بمعرفة و خبرة فتكتب به. و كانت تفد على الملوك و الأمراء و كان لها إقدام في الكلام.
· أم أبان بنت عتبة: خطبها عمر بن الخطاب، فأبته فقيل لها: و لم؟ قالت: إن دخل دخل ببأس و إن خرج خرج ببأس، قد أذهله أمر آخرته عن أمر دنياه، كأنه ينظر إلى ربه بعينيه. ثم خطبها الزبير بن العوام، فأبته، فقيل لها: و لم؟ قالت: ليس لزوجته منه إلا شارة في قراملها. ثم خطبها علي، فأبت، قيل لها: و لم؟ قالت: ليس لزوجته منه إلا قضاء حاجته، و يقول: كيت و كيت و كان و كان، ثم خطبها طلحة فقالت: زوجي حقا، قالوا: و كيف ذاك؟ قالت: إني عارفة بخلائقه إن دخل دخل ضاحكا، و إن خرج خرج بساما، إن سألت أعطى، و إن سكت ابتدأ، و إن عملت شكر، و إن أذنبت غفر. فلما أن ابتنى بها، قال علي: يا أبا محمد إن أذنت لي أن أكلم أم أبان؟ قال: كلمها. قال: فأخذ بسجف الحجلة ثم قال: السلام عليكم يا عزيزة نفسها. قالت: و عليك السلام. قال: خطبك أمير المؤمنين فأبيتيه. قالت: قد كان ذلك. قال: و خطبك الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و أحد حواريه فأبيت. قالت: و قد كان ذلك. قال: و خطبتك أنا و قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأبيت. قالت: و قد كان ذلك. قال: أما و الله لقد تزوجت أحسننا وجها، و أبذلنا كفا، يعطي هكذا و هكذا...
· خولة بنت ثعلبة: صحابية جليلة من ربات الفصاحة و البلاغة و هي التي جادلت رسول الله و نزلت فيها سورة المجادلة... خاطبت عمر بن الخطاب لما خرج من المسجد و معه الجارود العبدي فسلم عليها عمر. فردت عليه السلام فقالت: هيها يا عمر عهدتك و أنت تسمى عميرا في سوق عكاظ ترعى الضان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية و اعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد و من خاف الموت خشي الفوت. فقال الجارود: قد أكثرت على أمير المؤمنين أيتها المرأة. فقال عمر: دعها أما تعرفها، هذه خولة التي سمع قولها من فوق سبع سماوات فعمر أحق و الله أن يسمع لها.

هذه كانت حكايتي مع هذه الجدات البارزات... و أسأل الله أن يجعل لي ذكرا طيبا يرضيه عني...
أحسبني الآن أستطيع أن أقرأ كتاب روث رودد، أليس كذلك؟
 


 

 

--

أعلام النساء في عالمي العرب و الإسلام

لمؤلفه السوري: عمر رضا كحالة

مؤسسة الرسالة

 

سلمى

أيار 2014



 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali