الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  الدراسات العربية في أوربا حتى مطلع القرن العشرين

 

 

الدراسات العربية في أوروبا

حتى مطلع القرن العشرين

 

 

الدراسات العربية في أوبا حتى القرن العشرين  يوهان فوك

 

 

هذا الكتاب عبارة عن سرد تاريخي مسهب للدراسات العربية في أوروبا منذ نشأتها بعد ظهور الإسلام و حتى خمسينيات القرن الماضي... و لكون الفترة التي يرصدها طويلة فقد أتى مكثفا و مضغوطا و غزيرا بأسماء أعلام المستشرقين و مدارسهم و كتبهم و أبحاثهم و تحقيقاتهم للمخطوطات على طول أوروبا عبر قرون طويلة... ابتدأ العرض منذ البدايات حيث نشأ الاستشراق كردة فعل لاهوتية و لأغراض تبشيرية على الدين الجديد الذي هزم بيزنطة، و مدى الجهل و الرداءة التي اكتنفت الدراسة حينها للجهل باللغة، ثم كيف تطور هذا الفرع المعرفي عبر القرون و انفك عن الارتباط بالأغراض التبشيرية، و اللغة العربية انفكت عن العبرية و فقه اللغة المقدس المرتبط بالكتاب المقدس، و تعمقت الدراسات فيها لذاتها و صارت دقيقة و مفصلة، فمن أول ترجمة لاتينية للقرآن عام 1143 كانت عبارة عن إعادة صياغة لمضمون الأفكار مع كثير من الحذف و الإهمال و عبر مترجمين وسطاء، إلى أن وصلت الدراسات بعد تراكمات القرون و الدراسات و التصحيحات إلى مراحل متقدمة في اللغة العربية كمثل بحث لفيشر (ت 1949) درس فيه الأساليب اللفظية و الأسلوبية و القراءات لسورة آل عمران...
و بسبب هذه الغزارة في عرض الكتاب تتكثف أمامك الرؤية التاريخية الشاملة لكل هذا الفرع المعرفي و العوامل التي أثرت على تطوره و تشعبه...

 

مخطوطة للقرآن من ليدن عام 1664 مهداة إلى الملك فريدرك الثالث من المستشرق تيودور بترييس، المسمى ابن الصخري (سمى نفسه كذلك لأن بترييس هي بيتر و التي معناها الصخر) المصدر: المكتبة الملكية في كوبنهاغن

مخطوطة للقرآن من ليدن عام 1664 مهداة إلى الملك فريدرك الثالث من المستشرق تيودور بترييس، المسمى ابن الصخري (سمى نفسه كذلك لأن بترييس هي بيتر و التي معناها الصخر) المصدر: المكتبة الملكية في كوبنهاغن

This Koran manuscript was sent from Leiden to Frederik III by the orientalist Theodor Petræus, the Royal Library in Copenhagen

 

 

قبل سنوات كنت قرأت كتابا عن اعتراضات المستشرقين على كتاب الاستشراق لـ إدوار سعيد، من بينها أن سعيد إنما بنى نقده على اللوحات و الرحلات و التقارير الاستعمارية و الذي اعتبروه ربما محقا في جوانب فيه، و لكنهم أخذوا عليه إهماله الجانب الأكاديمي للاستشراق و هو الدراسات الرصينة التاريخية و اللغوية و الأثرية و التحقيقية للمخطوطات... حينها وجدتها ملاحظة وجيهة... و لكن مع قراءة تاريخ حركة الاستشراق تبين لي وهم هذا الاعتراض و أن سعيدا كان محقا، فالترابط وثيق بين السياسي و الاقتصادي و البحثي، بحيث لا يمكن فصلها عن بعضها... حتى على أكثر الدراسات أكاديمية و بعدا عن الواقع... فمثلا شركة الهند الشرقية البريطانية كان لها أثر كبير و مباشر في ازدهار أبحاث فقه اللغة المقارن و الفقه الإسلامي و فتح مدارس للدراسات الشرقية لإعداد متدربين و ذلك بغية الوصول لنتائج تجعل قدرتها أفضل في التحكم بالهنود... و مثل هذا المعهد وجد في هولندا التي كانت رائدة في الدراسات الشرقية، و لسياستها الاستعمارية دور بارز بهذه الريادة، و نابليون حين غزا الشرق أحضر معه كما كبيرا من الباحثين... كما أن عددا كبيرا من المستشرقين ذوي الدراسات الأكاديمية عمل كمبعوث سياسي... و الروح الامبريالية أضفت الكثير على منطلقات و نتائج تلك الأبحاث بحيث أنها كانت في نهاية المطاف تصب كلها في صالحها... إنما هذه منظومة متكاملة... و حين يشذ باحث عن المنظومة فإن التضييق و التهميش يجعل جهده مدفونا، فضلا عن أنه بعد مدة من الزمن تستوعب هذه المنظومة ما شذ و انتقد و ينصهر و يصير جزءا فاعلا فيها و مغيرا لصالح المنظومة ذاتها... القوة تصنع العلم و العلم يصنع القوة...
كتاب فوك انتهى عند فترة الخمسينيات، يعني قبل صدور كتاب إدوارد سعيد (الاستشراق) عام 1978، و الذي يعتبر الحد الفاصل للدراسات الاستشرااقية كما اعتاد الأستاذ عبد النبي اصطيف التأكيد عليه في محاضراته من أن ما قبل كتاب سعيد ليس كما بعده إلى حد التخلي عن مصطلح الاستشراق نفسه... و لذلك فإن سبعا و ثلاثين عاما على صدور الكتاب مع كل هذه الأحداث العاصفة التي مرت، فلا بد أنها قد تركت تغييرات جذرية على مناهج الدراسات العربية و الإسلامية و توجهاتها و نتائجها... حتى و لو أن الإعلام بنظرته النمطية الحالية و خطابه يبدو و كأن شيئا لم يتغير... و ربما التغيير على المستوى الأكاديمي فقط... لست مطلعة على حجم التغير حقيقة، و خاصة مع دخول الباحث العربي و المسلم ضمن المنتجين لهذه الدراسات في العقود الأخيرة، و الذين لهم لمستهم الخاصة... أود لو أطلع على كتاب حديث حول الأمر حتى أعرف...


هذا السرد التاريخي بتفاصيله الغزيرة جعلني أدرك فكرة مهمة أيضا، أنه يجري الكثير من الحديث مؤخرا عن تراثنا من كونه عبئا، و أنه ينبغي هدمه لنتخلص مما نحن فيه... لكن الغريب أن لا يتم الحديث عن التراكم الهائل للتراث الاستشراقي هذا، و عن إرهاقه لكواهلنا بكثير من مقولاته و أحكامه المجحفة التي صارت مسلمات ملتصقة بالتراث و جزءا منه، بحيث بتنا عاجزين عن استحضار هذا التراث دون النظرة الاستشراقية له و كأنهما شيء واحد... سواء عند الرافضين لهذه النظرة أو المسلمين بها، هي حاضرة كلما استحضر...
فنحن "موضوع الاستشراق" لسنا بمعزولين عنه... بل إن أثره الفعلي علينا يبدو لي في كثير من الأحيان أكبر من أثر تراثنا المباشر علينا، إذ صار وسيطا بيننا و بين تاريخنا... فالاستشراق قد أعاد تشكيل نظرة العرب و المسلمين لأنفسهم و تراثهم و تاريخهم و معاييرهم سواء رفضا له أو قبولا... ذلك الشعور بالانهزام الذاتي في مقابل إعلاء الآخر و جعل معاييره كونية هو من مخلفات الحقبة الاستعمارية، و التي تبين أنها ما انتهت حين تركت منطقتنا، فهي كانت أعادت تشكيلها كما تراها في مخيالها، أو كما يعبر عنه سعيد من أنه تمت شرقنتنا وفق مفهوم "الشرق"... هذا كله يؤثر في وعي هذا الشرقي بذاته قبل أي شيء آخر... فيراوح بين التبريرية أو الاعتذارية المقيتة في مقابل الانبطاحية و جلد الذات المستمر... بحيث أن العنصرية الاستشراقية صارت داخلية و ذاتية... و لذلك فكثير من المشاريع الحداثية الرامية لتجديد التراث مطلية بهذه الفكرة، و تبدو أقرب لمحاولة تلفيق للتأكيد على تلك المركزية الغربية التي سلموا بكونيتها، و كثير من هذه المحاولات ما هي إلا اجترار لما قدمه المستشرقون لتوهم في حقبتهم السابقة حتى، و لا تحمل أصالة و لا جدة في مضمونها و لا تنطلق من قراءة التراث الإسلامي نفسه و محاولة فهمه كما هو، و لا حتى أدنى محاولة لوضع معايير جديدة منطلقة من نصنا و ثقافتنا... بل هذا الإرث الاستشراقي حاضر حتى في أكثر الأشكال المعاصرة تطرفا، فداعش تبدو لي في كثير من الأحيان أقرب لنسخة من فيلم استشراقي هوليوودي منها لأي شيء آخر... النموذج المثالي للإسلام الاستشراقي كما تخيله أعتى المستشرقين التقليديين... المصطنع _كما يسميه جان بودريار_ فوق-الواقعي الذي اصطُنع لإلغاء الواقع و استبداله به...

حين أقرأ لعلمائنا الأقدمين لا أنفك أغبطهم، فكيف يا ترى كان الشعور بالحرية في التفكير المنعتق من هذا الإرث الاستشراقي الغالب الذي يضغط للاستقطاب لمركزيته... كيف كان الشعور حين تفكر كمركز لا كتبع... حين تدرس الآخرين كموضوع... حين تعيش في عالم بشروطك لا شروط غيرك... حين تنتج فكرا مبتدأ لا كردة فعل...
لحسن الحظ أن هناك بعض المشاريع التجديدية للتراث قد استطاعت التحرر من هذه الوصاية الاستشراقية و المركزية الغربية، و بذلك انطلقت في تجديدها و إحياءها من التراث نفسه و البناء عليه...
 

على أية حال لست ضد الدراسات العربية الغربية، و ليس هذا ما قصدته من كلامي، فقد كان لها دور كبير في حفظ كتب التراث و نشرها _مثلما كان لها دور في نهبها أيضا_، و دور كبير لتطور الأبحاث الإسلامية و العربية فهي تعطي بعدا آخر للنظر، و لذلك أحب قراءتها، و لست أضع النتاج كله في سلة واحدة من حيث القيمة و المضمون و الموضوعية، و لكن من الضروري معرفة تاريخ نشوء هذا الفرع المعرفي، و تحليل ما يحيط بهذه الدراسات و ما هو أثرها على العربي و المسلم و على تشكيل وعيه بنفسه و لمعنى التخلف و التقدم، و لمعايير التحسين و التقبيح، و النهوض و التجديد، و من ثم تذكر دائما أن نتاج أي بحث يعود بالدرجة الأولى لمن يموله...
و لذلك أيضا يبدو مهما الاعتناء بالدراسات الغربية التي تعمل على نقد و تصحيح داخلي لما خلفه الاستشراق الكلاسيكي بروحه الامبريالية، و العناية بالدراسات العربية الإسلامية الحديثة الرصينة الموضوعية غير المسيسة، و الحديث عنها، و دراستها و استخدامها في خطابنا الذاتي مع من تشرقن، محاولة لكسر الحاجز النفسي بينه و بين تراثه... و قد كنت ذكرت هذه الفكرة حين تحدثت عن كتاب ترجمة النفس لراينولدز...


لكتاب يوهان فوك ترجمتان، واحدة بعنوان تاريخ حركة الاستشراق لعمر لطفي العالم و طبع دار المدار الإسلامي، و الثانية صدرت بعدها و هي التي قرأتها من ترجمة سعيد حسن بحيري مشتركا بها مع محسن الدمرداش و طبع مكتبة زهراء الشرق، و قد أنفق المترجم بحيري 67 صفحة من المقدمة مقارنا بين ترجمته و ترجمة العالم و مبينا الأخطاء التي وقع بها المترجم قبله، و مبرزا لماذا أقدم على نشر ترجمة أخرى للكتاب رغم كونه مترجما... و لذلك اخترتها...
استمتعت بالكتاب كثيرا، و نعم يمكن لعرض جاف كهذا أن يكون متعة خالصة لمن يحب الموضوع مثلي، و يوهان فوك هذا المستشرق الألماني المتوفى عام 1974 و الذي له بحث عن اللغة العربية و أساليبها و لهجاتها، يبدو أنه كان لديه انتباه لما هو رديء و مجحف و عنصري و لما هو رصين و موضوعي من بين هذه الدراسات، فلم تكن كلها ذات صبغة واحدة، و أيضا لما هو مرتبط باللاهوت و لما هو نتيجة للروح الاستعمارية، فذكر بعض هذه الملامح من كل، و إن لم يكن بالتفصيل...
و لا بأس بأسلوب الكتاب و إن كنت شعرت بنقص فيه لا أدري ما هو _سواء من الأصل أو الترجمة_ قد جعلني أعيد القراءة في كثير من المواضع رغم سهولة الموضوع...
كتاب فوك لا يغني عن موسوعة المستشرقين لعبد الرحمن بدوي _والتي هي كتابي المفضل في هذا السياق حتى الآن_ و لا الموسوعة تغني عنه، فهو يعرض عرضا تاريخيا متسلسلا عاما بحيث ترى صيروة التطور، بينما موسوعة بدوي تهتم بتفاصيل الأشخاص و مشاريعهم، كما أن صوت بدوي حاضر فيها أكثر، بالإضافة إلى أسلوبه الرشيق في الكتابة...  و كلا الكتابين يعتريهما القدم، فقد استحدث بعدهما الكثير...
 

أختم بالتنويه عن كتابين مرا في معرض هذا السرد الطويل للمستشرقين، و لأني أحب الحديث عن الكتب فسأثرثر شيئا زيادة عما ثرثرت لتوي... و من أوتي الجلد ليصل لهذا السطر في القراءة، فلن يزعجه زيادة في الكلام:


كتاب (عجائب المقدور في أخبار تيمور) لابن عربشاه، قد اتُخذ في القرن السابع عشر كنموذج على الإبداع العربي الرفيع لتدرسيه لطلاب الدراسات الشرقية و تعريفهم على الأسلوب البلاغي المميز للذوق الشرقي... أعجبني اختيارهم، رغم أن الكتاب ليس بمشتهر كثيرا، و لكوني قرأته و أحببته إلى حد اعتباري إياه تحفة أدبية فتانة يحملك إلى الأجواء الموحشة و كأنك تسمع صليل السيوف، و لجمال الأسلوب كنت أقوم بالتلذذ بقراءة بعض من فقراته بصوت عال و كأني حكواتية في مقهى، بالسجع المعتق و التلاعب الذكي بالكلمات الذي أسرني، لذلك سأنقل فقرة منه لتزين موضوعي الطويل هذا:
"فعبّى كلٌ عسكره، ما بين ميمنة و ميسرة، و مقدمة و مؤخرة، ثم تدانوا و تكانوا، و تعاونوا و تعانوا، و تراجزوا و تغانوا، و تعانقوا و تهانوا، و تناجزوا و تفانوا، و التقت الرجال بالرجال و الخيل بالخيل، و ارتفع ظلام القتام على رؤوس الأسنة فرأوا في صلاة الظهر نجوم الليل ... ثم عند منتصف النهار، انكشف الغبار، عن طود قندهار هار، و سعد أولئك الكبار بار، و عليهم غبار العثار ثار، و خبرهم بالانكسار سار، و صيت خليل سلطان إلى الأقطار طار، و إلى الآفاق بالانتصار صار، فولى بير محمد و على رأسه بحر الدمار مار، و في قلبه زناد البوار وار، حتى كأن في قلبه جمر الغضا و الغار غار، أو في كبده نار لهيب المرخ و العفار فار، و جُندلت رجاله، و أبطلت أبطاله، و نهبت أثقاله، و تحولت أحواله، و سبي حريمه و عبيده، و سُلب طريفه و تليده، و تشبث هو بأهوال الهزيمة، و علم أن إيابه نصف الغنيمة"
 

الكتاب الآخر الذي ذكره فوك فريد في بابه و قد حقق نجاحا منقطع النظير في الأربعينيات حين نـُشر كما يذكر، حيث استطاع مؤلفه المستعرب تقريب فرع الدراسات العربية لغير الدارس و إبراز كوامن الجمال فيها... و هو كتاب (مع المخطوطات العربية) لكراتشكوفسكي، و لحسن حظي أني كنت قرأته و أحببته كثيرا و تأثرت به، فقد كان مفعما بالحب، أشبه بقصيدة وَلَهٍ بالمخطوطات العربية...
 


 

 

--

الدراسات العربية في أوربا حتى مطلع القرن العشرين

لمؤلفه الألماني: يوهان فوك Johann Fück

ترجمة: سعيد حسن بحيري - محسن الدمرداش

مكتبة زهراء الشرق

 

سلمى

29 حزيران 2015

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali