الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> غزل بالمخطوطات العربية!

 

 

غزل بالمخطوطات العربية!

 

مع المخطوطات العربية    إغناطيوس كراتشكوفسكي

 

هذا الكتاب هو قصيدة وله بالمخطوطات العربية.
"تحتشد المخطوطات حولي بتواضع كأنما هي خائفة فتقترب مني على استحياء، فأسمع في رفرفتها أصواتا هادئة تناديني: ألم تنسنا؟ ألن تبتعد عنا؟... المخطوطات تهمس، و أنا أدقق النظر فيها باهتمام...
المخطوطات غيورة: فهي تطمع دائما في أن تستحوذ على كل اهتمام الإنسان. وعندئذ فقط، تعرض أسرارها وتكشف عن روحها و روح أولئك الناس الذين كانت مرتبطة بهم. أما المتطلع العابر فإنها تظل خرساء لا تنبئ عن شيء. و هي كأزهار "الست المستحية" تقفل أوراقها عندما تلمس بدون حذر. و هي لا تفضي بشيء إلى من يتطلع إليها بنظرة موحشة ملولة."

و لأنه من النادر أن يتحدث دارس عن آلية عمله من الداخل، و لأنه ينظر إلى الغربي المختص في علم اللغات و الآداب الشرقية على أنه شخص غريب منعزل بعمل بارد، و لأن النسيان يلف الباحثين المخلصين الذين يعملون بصمت في هذه الميادين، كتب كراتشكوفسكي المستعرب الروسي المولود عام 1883 ذكرياته مع المخطوطات و الناس الذين قابلهم، إيمانا منه أن الكتاب وحده هو من يحفظ ذكراهم... لم يكبح كراتشكوفسكي نفسه من تدفق حنينه من خلال مقالات صغيرة و متنوعة كتبها بحميمية عن عالم المكتبات و المخطوطات و كل أولئك المنكبين وراء الكتب، حتى لو اتهم بالرومانسية! فهو ما تحدث إلا كما عاش...

يأخذك بكلماته و يغمرك في فيض من الحب و السحر تجاه عالم قوامه البحث و الدراسة للعربية بكل ما فيها... يذهلك أن تلك الحياة التي يخيل لخارجي صرامتها و جمودها ورتابتها، ما هي إلا حياة تنبض بالألوان و المغامرات و المشاعر المتأججة... و بداخل القوقعة الصلدة ينفتح وجود من الدفء و الشغف والأسرار:

 

المخطوطات تفشي أسرارها

المخطوطات تحدث أخبارها


عن رسالة الملائكة للمعري التي عثر عليها كراتشكوفسكي و تفاجأ من كونها رسالة إلحادية أكثر منها نحوية، ثم ركض الشيخ المحمصاني أحد أمناء مكتبة الأزهر وراء القطار الذي ركب فيه كراتشكوفسكي _مثل أحد مشاهد السينما_ ليصرخ له بدهشته من أن المعري لم يـُحرق مع الرسالة!
عن صفحات قديمة من القرآن بالخط الكوفي ظهرت فجأة في روسيا يبيعها أحفاد جدة عربية مدعاة... ليتعرف على أنها مكتبة سليم نوفل التي توازعها أولاده من بعده.
عن لمزه لبعض مثقفي العرب الذين تركوا بلادهم و يتهكمون على مواطنيهم أو يحتقرون ثقافتهم أو الدين الإسلامي... و عن استغرابه من عدم اهتمام العرب بتراثهم...
عن ذكره لآخرين من مثقفي العرب الشغوفين بتراثهم و الذي ربطته بهم علاقة روحية و تراسل طوال حياتهم أمثال أحمد تيمور باشا "الارستقراطي الفلاح" _كناية عن تواضعه_ و أمين الريحاني "فيلسوف وادي الفريكة" الذي كتب له يبثه شعوره بتقاربهما أن نسب الروح هو أقرب الأنساب و أصحها.
عن الشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي سافر إلى روسيا في القرن التاسع عشر و درّس العربية هناك حتى توفي فيها، و اكتشاف كراتشكوفسكي لمخطوطات بيد الطنطاوي كتبها بصعوبة و هو في مرضه يكابد الشلل.

عن تتبعه لمخطوطات عن أبي الفرج الوأواء الدمشقي الذي يسميه بشاعره من مكتبة لأخرى في البلاد العربية، ملاحقا  إياه.
عن بيت شعر كفري للأخطل حرّفه الناشر ليمر عبر رقابة المطبوعات التركية في القرن الـ 19 مع أنه قيل أمام خليفة دمشق في القرن الثامن، و عن كيف كتب بشكله الصحيح للنسخ المبعوثة لأوروبا!
عن الأدب العربي في شمال القوقاز أي داغستان، حيث كانت اللغة العربية مع اللغة المحكية هي اللغة السائدة هناك. و عن العسكري الملازم للإمام شامل الداغستاني الذي ترجم القرآن الكريم للروسية و شغف بالمخطوطات العربية.
عن أستاذه و صديقه المستشرق شميدت الخجول المنطوي الذي له (عيني ظبي مرتعب) و رسالته عن الشعراني التي أنهاها رغم الظروف، و عن تلقيبه لكراتكشوفسي بالحافظ لأنه قرأ القرآن في عطلة الصيف حين كان طالبا.
عن المستشرق كراكاس الملقب بـ الوديع الذي لم يكن يحب أن يتحدث عن نفسه و لا يتحدث عنه الآخرون، متمثلا حكمة أبيقور (عش مخفيا). و الذي كان يستدرك على طريقة العرب بقوله: (إن شاء الله) حتى في أصغر محاوراته.
عن المستشرق الألماني ريسكه الذي لقب نفسه بـ "صريع الأدب العربي" و الذي (ذاق تعاسة الكمال المطرد) و عاش عمره في فقر مدقع مكافحا الجوع، و قد تحدث عن ظمئه الملتهب تجاه الأدب العربي الذي لم يجلب له إلا التعاسة نظرا للزهد به في بلاده.
عن مخطوط ابن قزمان الشاعر الأندلسي الذي شغل علماء اثنتي عشرة لغة، من بينهم عالم فنلندي أملى عن عمله حوله و هو على سرير موته: "أيها العمل السلمي العالمي! ليتك تستطيع أن تستمر و تتصل بصرف النظر عن كل ما يهددك اليوم بالدمار"
عن كثير من أمناء المكتبة الصامتين الخجولين المنعزلين العزاب الذين تزوجوا المكتبات، فمن يدخل المكتبة تستغرقه فلا يخرج منها أبدا... عن كثير منهم و قد قضوا بردا و جوعا بسبب الحصار... عن كثير من الدارسين المستشرقين الذين خطفهم الموت حربا أو عوزا...
 

قد فتنت العربية ومخطوطاتها كراتشكوفسكي فوهبها حياته برمتها، فزوجته فيرا كراتشكوفسكايا كانت عالمة بتطور الخطوط العربية قد جمعه بها نفس الافتتان... بل حتى شاهدة قبره كتب عليها بيت شعر بخط عربي لأبي العتاهية:
الموت باب و كل الناس داخله.

 

قبر كراتشكوفسكي

قبر كراتشكوفسكي


و بسبب كل الدفء الذي في الكتاب ظننت بسذاجة أن الرجل قد عاش حياة بحثية هانئة مليئة بالتقدير، و لكني تفاجأت حين قرأت عن اعتقاله و زوجته بسبب تهمة سياسية كاذبة، و وضع في الانفرادية لفترة، و بعد وساطة أخرج منها للسجن العام و قضى شطرا من الزمن في سجنه و هو يكمل أبحاثه ودراساته. و بعد جهد جهيد أخلي سبيله لأن التهمة كانت باطلة أساسا.
لكنه رغم ذلك لم يتحدث عن هذه الفترات العصبية، بل كل ما لمح إليه هو حنينه للمخطوطات حين أبعد عنها قسرا... بل بلغ به التفاؤل ظنه أنه ربما تسهم المخطوطات يوما في جعل هذا العالم الظالم المليء بالحروب مكانا أفضل:
"إن للمخطوطات أقدارها فإن قوتها السحرية التي توحد العلماء الكثيرين في اندفاع مشترك، تطرد نهائيا في يوم من الأيام أرواح الظلام الشريرة التي ترمي إلى التفرقة بين الناس والشعوب."
 

خرجت من الكتاب و شعور بالشغف تجاه حياة المخطوطات و الأبحاث و المكتبات...

و شعور بالحماس تجاه تراثنا العربي و الإسلامي...

و شعور بالامتنان لأولئك الغرباء الذين كرسوا حيواتهم و استنزفوها حبا بالعربية...

و شعور بالخجل من نفسي لحالة من اللاجدوى اعترتني، بينما هناك من صرفوا حيواتهم لأجل دراسة و فهرسة علم لا معنى له في محيطهم مع أنهم قضوا بردا وجوعا ثم لا حمدا و لا شكورا...

و شعور بحب عارم تجاه هذا المستعرب القريب من القلب كراتكشكوفسكي أو (غنطوس الروسي) و هي التسمية المشرقية التي يبهجه أن ينادى بها...

و شعور بالحزن لانتهاء كتاب جميل جميل جميل...

 

 

كراتشكوفسكي في بيروت 1909

كراتشكوفسكي في بيروت عام 1909

 

كراتشكوفسكي و زوجته 1911

كراتشكوفسكي و زوجته عام 1911 في أيام الصبا

 

كراتشكوفسكي و زوجته 1949

كراتشكوفسكي  و زوجته عام 1949 في خريف العمر

 

كراتشكوفسكي في مكتبه 1948

كراتشكوفسكي في مكتبه عام 1948

 

--

مع المخطوطات العربية: صفحات من الذكريات عن الكتب و البشر

لمؤلفه الروسي: كراتشكوفسكي Krachkovski

ترجمة: محمد منير مرسي

دار النهضة العربية



 

سلمى

شباط 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali