الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  ترجمة النفس بالعربية

 

 

ترجمة النفس بالعربية

 

ترجمة النفس؛ السيرة الذاتية في الأدب العربي  دويت راينولدز

 

 

دعوني أبتدئ الحكاية من البداية... منذ سنوات بعيدة، قرأت كتاب (المنقذ من الضلال) للإمام الغزالي، متحدثا عن فترة الشك التي وقع فيها و الاكتئاب الذي حل به، ثم كيف أخرجه الله منه و أعاد له اليقين... حينها تأثرت بالكتاب كثيرا، و خاصة لقراءتي عن خويصة نفسه مستخدما ضمير الأنا و تبسطه و ظهوره أمامي بضعفه الذي يشبهني، بعيدا عن صرامة العالم التي تضفيها الصيغة العلمية لكتبه الأخرى، و اقتربت منه حتى لشعرت بأني هو... هذه الحميمية التي ولدها ضمير الأنا، جعلني أبحث أكثر عن الموضوع... فكان من جملة ما قرأت أن كتاب الغزالي هذا ما هو إلا استثناء في التراث العربي، فالعرب و المسلمون لم يعرفوا فن السيرة الذاتية، و إنما هو فن غربي بحت... و علقت هذه الجملة في ذهني... و لكن عاما إثر عام بدأت أصادف أسماء سير ذاتية من تراثنا العربي، و أقرأ بعضا منها، و صارت تتجمع عناوينها لدي، و بعضها فاجأني حقيقة... فما كان سر تلك الجملة إذن؟ هل جهل قائلها بهذه العناوين أم ماذا؟
و لذلك اقتنيت هذا الكتاب (ترجمة النفس؛ السيرة الذاتية في الأدب العربي)... لأكتشف أن محرره دويت راينولدز و هو باحث أمريكي متخصص بالأدب العربي، قد اختبر ما يشبه حكايتي، و عاش نفس المفاجأة، فقرر ملاحقة الموضوع هو و مجموعة من زملائه الباحثين، بعد أن تفاجأ من كم عناوين السير الذاتية التي تجمعت لديه... و هكذا طفق يتقصى أصل تلك الفكرة...
 

أصل الفكرة يعود لمستشرق _كعادة كثير من المسلمات عن تراثنا_ اسمه فرانز روزنتال، حيث ألف كتابا عن السيرة الذاتية العربية عام 1937، بناه على عشرين سيرة اجتمعت لديه فقط، مقدما على بحثها بافتراضات عنصرية من كون الوعي بالذات لم يوجد إلا عند الغربيين، و لذلك اعتبر ما وصل إليه من سير إسلامية شذوذا لا يعول عليه، فضلا عن إجحافه في تقييم بعضها، و كان للنتائج التي خرج بها في بحثه (من كون السير الذاتية العربية نادرة، و كونها لا تشكل على ندرتها جزءا من تقليد لدى المسلمين، و الأمر الأخير أنها لا تعتبر سيرا ذاتية حقيقية) أثرا على الدارسين المستشرقين و الباحثين العرب الذين أتوا من بعده، و كرروا نفس المقولة، بحيث بات ميدان دراسة السير الذاتية في التراث العربي طريقا مهجورا...
فكتب دويت راينولدز بالتعاون مع مجموعة من المختصين بالدراسات الإسلامية و العربية دراسته هذه عن ما وصل إليه من سير باللغة العربية ما قبل (الأيام) لطه حسين التي اعتبرها الحد الفاصل للحداثة... و قسم الكتاب لقسمين، أما القسم الأول، فهو تحليل لمنشأ العزوف عن دراسة فن السيرة الذاتية العربية، و من ثم اعتباره لها فنا قائما بذاته، بل و تقليدا متبعا في الثقافة العربية، مدعما مقولته بدلائل مثل استهلال كثير من العلماء ترجمتهم لذاتهم بمن سبقهم إلى هذا التقليد... ثم عمل على تفنيد المزاعم المنتقصة من السير العربية، فجرد نفسه عن التعريف الحداثي للسيرة الذاتية، و حاول قراءتها في سياقها العربي التاريخي كما هو... ليصل لنتائج و ملاحظات ذكية... و منبها إلى أهمية الشعر كخطاب يلجأ إليه العربي لبث دواخل نفسه، فما لا يفصح عنه العربي نثرا، ينظمه شعرا، تخفيفا من وطأة البوح... و هذه ملاحظة حاذقة، ذكرتني بديوان الإمام الشافعي، حين قرأته مرة و شعرت بنفس الشعور بالقرب الذي شعرته مع كتاب الغزالي، و قد شاهدت هذا العالم الكبير يخرج من جدية درسه، و يبثني دواخله... كما لفت راينولدز النظر إلى أهمية الأحلام و دورها في التعبير عن الذات عند العرب...
 

أما القسم الثاني فكان عبارة عن عرض لمجموعة صغيرة من هذه السير... و كان ممتعا حقيقة... و تقلبت معهم بتقلب الدهور و الحياة... فمن القرن التاسع و محنة حنين بن اسحق مع أبناء صنعته الذين كادوا له عند المتوكل، إلى القرن الثاني عشر و عبد اللطيف البغدادي الذي لاحق الكيمياء فترة من الزمن حتى زهدها، إلى القرن الرابع عشر و تعرف فراي أنسلمو الراهب الاسباني على الإسلام عبر أستاذه القسيس ثم هروبه و إسلامه و تسميه بعبد الله الترجمان، إلى القرن الثامن عشر و هروب علي مبارك من المدرسة و المنزل حين كان صغيرا، و الذي صار فيما بعد من أعمدة النهضة التعليمية في مصر الحديثة...
 

و آخر ما في الكتاب مسك، و هو ثبت بحوالي 140 سيرة ذاتية لمن أحب الاستزادة و الرجوع، بعضها مفقود و بعضها لم يطبع بعد و لكن ذكرت المصادر الواردة فيها، و الرقم ما زال مفتوحا للعثور على المزيد بين ركام المخطوطات المنسية في هذا العالم... أذكر مثالين من الكثير الذي أعجبني:
· عائشة الباعونية: و هي عالمة شاعرة عابدة دمشقية من القرن السادس عشر الميلادي، لها تآليف، و قد ترجمت لحياتها بصيغة الأنا، و لكن النص مفقود و لم يبق منه إلا مقطع صغير أورده الغزي صاحب كتاب الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة... و قرأته بشغف العثور على سيرة عالمة من تراثنا، و لكن المقطع المقتبس توقف عند بلوغها، محيلا إلى ترجمتها... ليته نقله كاملا و ليت النص الكامل يـُعثر عليه يوما...
 

· هناك مجموعة من المسلمين الأفارقة الذين بيعوا كعبيد للولايات المتحدة، و قد كتبوا عن حيواتهم باللغة العربية، مثل عمر بن سعيد السنغالي الذي كان طالب علم شرعي في أواخر القرن الثامن عشر، قبل أن يؤسر و يباع للولايات المتحدة، أو عبد الرحمن بن سوري الذي كان أميرا إفريقيا مسلما قبل أن يؤسر أيضا و يباع للولايات المتحدة، و كلاهما كتبا سيرة حياتهما باللغة العربية... أتمنى أن تلتفت دور النشر العربية لنصوص هؤلاء و تعمل على إحضار مخطوطاتها و تطبعها...


و مثل كل شيء في هذه الحياة، قد انتهى هذا الكتاب الجميل، رغم تباطئي المتعمد لأرتشفه على بطء و أبحث عن كل شاردة و ورادة، و هي لذة أخرى تضاف للذة الكتاب... النبش عن التفاصيل المدفونة...


هذه كانت حكايتي، و أنهيها بعبر صغيرة، إذ لا بد للحكايا من عبر في النهاية:
· يقول صاحب الكتاب عن تحليلات روزنتال و آخر: "فقد قبلت آراؤهما كمراجع موثوقة و تكررت على نحو غير نقدي في الكتب التي تغطي الموضوع لما يزيد على نصف قرن، و هي حالة أفلحت في أن تثبط أية محاولة إعادة تقييم جاد للنوع. و قد صيغ النقص المزعوم صياغات متنوعة"ص54
هذا ينطبق على كثير من المقولات التي تطلق على تراثنا و التي اشتهرت فتلتصق به، و ينطلق منها الباحث و كأنها مسلمة و هو لا يدقق في صحتها... فتصير مثل حاجز يمنعه من إعادة النظر...


· مثلما أن الدراسة بتصورات عنصرية مسبقة تؤثر على النتائج، فكذلك الدراسة بأفكار مؤدلجة مسبقة تؤثر عليها بنفس الدرجة... إذ كلتاهما ترمي لنتائج معينة يراد استخراجها من البحث... و هكذا ينقلب التراث إلى مجرد وسيلة لتعزيز فكرة الباحث و ليس مادة البحث حقيقة... سواء كانت تلك الأدلجة لتبرير التوحش أو تبرير هدم التراث... طرفا النقيض الحاضرين في واقعنا لديهما نفس المنهج في التعامل مع التراث...


· أنصح الجميع بقراءة سير السابقين، و رؤيتهم على طبيعتهم و طبيعة الحياة كيف كانت، و خاصة تلك التي فيها ضمير المتكلم، فهي تشعرك باقترابه منك... لم تكن الحياة ضمن التاريخ ذات لون واحد، أبيض أو أسود، بحيث يمكن اختزاله بجملة واحدة، و لا كان المجتمع على صبة واحدة، و لا كانت حياتهم مسطحة... كان مجتمعا بشريا فيه من كل شيء، و تعاقبته فترات انقباض و انفراج، اضطرابات و أمان، و قد أثر كل هذا على نتاج العلماء الذين تفاعلوا مع عصورهم... و ستشعر كم تبدو الأصوات مريضة تلك التي باتت تطالب بممارسة طهرانية على التراث لتحرمنا من رؤية الصورة شاملة، و تزعق مطالبة بحرق نتاج العالم فلان أو كتب ذاك الآخر، أو تدعي أن هؤلاء العلماء كانوا كهنة معابد سرقوا الدين على مدى قرون... ما كانوا إلا بشرا يعملون، يخطئون و يصيبون، منهم الصالح و منهم دون ذلك... و هذا إرث بشري بكل ما فيه... ثم خلف من بعدهم خلف، يستعرّون من أنفسهم، و يرمون إخفاقهم على ماضيهم، و يلعنون كل شيء...


· في محاضرة للمؤلف عن الكتاب، عقبت إحداهن بقولها أن ما يعتبره اكتشافا لهذا التقليد للسير، على الأغلب لم يكن منقطعا عند أهله حتى يقول أنه أعيد اكتشافه، بل كان مستمرا لديهم، و لكنكم أنتم الباحثون الغربيون الذين قد علمتم به لتوكم، و ضربت مثلا عن ذلك بثقافتها الأوردية... أجابها أنه بالنسبة للعرب في الشرق الأوسط يمكن أن يقال أنه قد اكتـُشف فعلا، لأنه قد حصل تغير كبير في مفهوم المجتمعات العربية الحديثة، بسبب التأثير السياسي، بعد أن انفصلت عن الإمبراطورية الكبرى، و في الفترة الاستعمارية و التي أثرت على النظام التعليمي، كان هناك تأثر بحيث لا ندري متى حصلت تلك القطيعة أو ربما الخفوت للوعي بوجود تراث كهذا، لكن يمكن بثقة أن نقول أن العرب أنفسهم في بدايات القرن العشرين كانت لديهم تلك القناعة من كونهم لا يملكون سيرا ذاتية كتقليد متبع. و ربما هذا التقليد كان معلوما لدى علماء الدين الذين كانوا ما يزالون يقرأون النصوص التراثية، و لكنه كان مجهولا لدى الدارسين المحدثين العرب في الجامعات...
 

كلامه صحيح... كم نجهل ما نملك بل و نجهل عليه...
 


 

 

--

ترجمة النفس؛ السيرة الذاتية في الأدب العربي

Interpreting the Self: Autobiography in the Arabic Literary Tradition

تحرير: دويت راينولدز Dwight Reynolds

ترجمة: سعيد الغانمي

دار كلمة



 

سلمى

شباط 2015

--

حديث عن كتب ذات صلة

- تراث منسي أم مـُتناسى؟

- أمير مسلم من زمن الفرسان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali