الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  أمير مسلم من زمن الفرسان

 

 

أمير مسلم من زمن الفرسان

 

كتاب الاعتبار

 

كجملة مقتطعة من سياق، أحاول الحديث عن شيء ملون في واقعنا الأسود... عن خلجات نفس نبيلة ذات همة قد عاشت قبل حوالي الألف عام، عبر نفسي المطفأة... لكن لا يمكن لجميل كإياه أن يدعك تغادره دون أن يصيبك من فتنته... و لو كنت في أشد لحظاتك بلادة و إحباطا، سينفخ فيك شيئا من سحره لتتحدث عنه...
أسامة بن منقذ أمير جمع بين الفروسية و الأدب... كان رحمه الله تجسيدا حقيقيا لنبالة عصر الفرسان... ولد عام 1095 للميلاد، مع بدايات الحروب الصليبية، في حصن شيزر التابع لعائلته، و هو يقع قرب حماة على ضفاف نهر العاصي في سوريا... كان هذا الحصن لموقعه الجغرافي و أهميته هدفا لكل الهجمات من كل الأعداء...

 

حصن شيزر

حصن شيزر


نشأ على الفروسية و حب الصيد و العلم، سافر البلاد، و عاين الوقائع و شارك في الحروب و قارع الأسود و كتب المصنفات و كان دبلوماسيا عاش في بعض بلاطات تلك الفترة، كعماد الدين الزنكي، و نور الدين الزنكي بدمشق، و في نهاية حياته كان بصحبة صلاح الدين الأيوبي... كان شاهدا على تلك الفترة العاصفة المضطربة بكل ما فيها، و خاصة فترة الحملات الصليبية...
كتابه الاعتبار، هو ما يسمى بلغة عصرنا عبارة عن مذكراته الشخصية، يخبر عن حياته المفعمة هذه و قد عمّر حتى جاوز التسعين من عمره ممليا إياها إملاء بعد أن غادرته قدرته على إمساك الورقة و القلم... بلغة معجونة بالحنين مطعما إياها بنصائح المسن... مذكرا إيانا ألا شيء يبقى على حاله... و هذا ديدن الدنيا... و ما هذا إلا اعتبار و عظة...
و لأن الكتاب مكتوب بصيغة الأنا، و لأنه يملك طابع الذاتية بعيدا عن التأريخ الرسمي، فهذا ما يجعله فريدا في بابه... عبره تستطيع أن ترى تفاصيل حياة رجل نبيل و قصصا من أسرته و أهله، كما تشهد تفاصيل حيوات الصليبيين الاجتماعية... و قد صادق بعضهم و ذكر بعض التفاصيل عن بعض ملوكهم حينها، و تستطيع أن تستشعر مدى الفرق الحضاري بين الفريقين... كما أنه منصف في كثير من المواضع فهو لا يتوانى عن الاعتراف بشجاعة عدو ما و ذكر خصاله الجيدة... و لذلك اهتم الغربيون بهذا الكتاب... و خاصة أن كثيرا من المنمنمات الغربية صورت حصار شيزر و المعارك التي قامت هناك...

 

يوحنا الثاني يدير حصار شيزر بينما حلفاؤه يجلسون خاملين في خيامهم، مخطوطة فرنسية 1138م

John II directs the siege of Shaizar While his allies sit inactive in their camp, French Manuscript 1138

يوحنا الثاني يدير حصار شيزر بينما حلفاؤه يجلسون خاملين في مخيمهم، مخطوطة فرنسية 1138م

---

 

يوحنا الثاني كومنينوس يتفاوض مع أمير شيزر مخطوطة فرنسية من القرن الثالث عشر

John II Komnenos negotiating with the Emir of Shaizar, 13th-century French manuscript

يوحنا الثاني كومنينوس يتفاوض مع أمير شيزر، مخطوطة فرنسية من القرن الثالث عشر

 


كما لا تملك إلا أن تحبه حين تظهر أخلاقه الكريمة في حديثه عن المرأة التي يقدرها و يجلها، و يذكر قصصا عن شجاعتهن و حكمتهن و نخوتهن:

" قد ذكرت شيئا من أفعال الرجال و سأذكر شيئا من أفعال النساء [...] و ما ينكر للنساء الكرام الأنفة و النخوة و الإصابة في الرأي."
يجعلك تدرك قدر الله حين يحدثك كيف نجى من موت محقق أكثر من مرة... و يشعرك بالغثيان حين يصف بدقة الجراحات في المبارازات، كما تظهر هذه المخطوطة...

 

معركة أنطاكية 1098

La Bataille De Antioche 1098

معركة أنطاكية 1098

 

و يسئمك _إن كنت مثلي لا تحب المغامرات_ حين يسرف في وصف رحلات صيده معطيك خبرته في أنواع الحيوانات البرية و الفروق في صيدها و أنواع الطيور الجارحة المستخدمة في الصيد، و هو الذي قضى سبعين عاما يصيد...

و يشعرك بالغصة حين يحدثك بحزن عن كتبه التي فقدها بسبب الإفرنج:

" فهون عليّ سلامة أولادي و أولاد أخي. و حرمنا ذهاب ما ذهب من المال، إلا ما ذهب لي من الكتب، فإنها كانت أربعة آلاف مجلد من الكتب الفاخرة. فإن ذهابها حزازة في قلبي ما عشت."
 

ساعات من قبل ألف عام تعيشها مع هذا الفارس مرهف الإحساس... و لم تكن تلك الأيام خير الأيام كما هو واضح، و لا كانت سهلة، و كانت أيام شدة و محنة كأيامنا... بيد أن السلوى في مصاحبة هذا الجد القريب من القلب يروي لك بلغة مازاجا إياها ببعض العامية و كأنك حفيده، مضفيا عليك ذاك الشعور بالاطمئنان و استواء كل شيء الذي يلف كبار السن الحكماء الذين وصلوا للنهاية عادة...

" فهذه نكبات تزعزع الجبال و تفني الأموال. و الله سبحانه يعوض برحمته و يختم بلطفه و مغفرته، و تلك وقعات كبار شاهدتها مضافة إلى نكبات نكبتها سلمت فيها النفس لتوقيت الآجال و أجحفت بهلاك المال."
 

فهل اعتبرتُ كما أراد لي صاحب الاعتبار و هل خفف ما قرأته عني؟

لا أدري... أعني أني مؤمنة بأنه لا حزن يدوم و لا سرور... و أنه من سره زمن ساءته أزمان... و أن الفرج قادم إن شاء الله، و لكني ما زلت حزينة، و ما زلت مضطرة لأكون في معمعة الحياة أفكر في ما سيؤول إليه الحال، و لم أبلغ رفاهية كبير السن لأنظر للحياة من علِ و بسكينة مودع لها هكذا...
لذلك كل ما أستطيع قوله أنه كتاب يشعرك بشيء جميل رغم كل شيء...
 

يوحنا الثاني كومنينوس يحاصر قنسرين أنطاكية شيزر 1138م

John II Comnenus Besieging Caesarea Antioch Shaizar 1138

يوحنا الثاني كومنينوس يحاصر قيسارية أنطاكية شيزر 1138م

---

 

معركة شيزر 1111م

La bataille de Shaizar 1111

معركة شيزر 1111م

---

 

حصار شيزر 1138

Siege of Shaizar 1138

حصار شيزر 1138

 

أريد أن أنهي الكلام بثلاث ملاحظات علمية بسيطة، و حتى لو أنه لا رغبة لي بذكر أشياء علمية تحتاج لتركيز، لكن سأذكرها لأني إن لم أفعل ستظل تنخر في رأسي... على أن أبسط هذه الأفكار و غيرها في موضوع مستقل إن شاء الله في وقت آخر حين يصفو ذهني أكثر، و هي ملاحظات تجمعت عندي من جراء قراءتي لبعض كتب التراث...
1- من المهم قراءة الكتب التراثية التي فيها احتكاك مع الآخر و خاصة الأوروبي، في فترة القرون الوسطى، لأن هذا سيلفت انتباهنا لدرجة الوعي الحضاري للأجداد لأنفسهم مقارنة بمن حولهم و إحساسهم بالتميز و اعتزازهم بما يملكون و هو اعتزاز مبني على واقع ملموس و معاش، و لذلك لم يكونوا يجدون غضاضة في انتقاد ما عند الآخر أو أخذ ما يعجبهم منه و نبذ ما سوى ذلك، و لا غضاضة لديهم في فرض رؤاهم المعرفية بقوة و ثقة و استقلالية و المخالفة... هذه النظرة يمكن استخلاصها من ابن منقذ تجاه الإفرنج... أو مثلا ابن فضلان في رحلته إلى بلاد الصقالبة... و هذا يجعلنا نفهم إحساس الأجداد حين نظروا في تراث اليونان، فهم لم يكونوا ينظرون فيه مع هالة الحضارة الغربية المتفوقة التي تحيط به اليوم، و لا بالانبهار الذي يشوش الرؤيا، و إنما كان نظرهم في نتاج حضارة مهزومة و مندثرة... هذا الفرق بالإحساس سيقربنا من فهم كتابات الأجداد و يفسر لنا نتاجهم بشكل أوضح، و إشكالياتهم كما كانت و كما هي و يجعلنا نخرج بنتائج أدق... و ليس بفهمه عبر إسقاط إشكاليتنا الحضارية و عقد نقصنا و هزيمتنا تجاه الآخر على هذا التراث، و بالتالي الخروج بنتائج لا تصدق على ذلك الوقت أكثر مما تصدق على وقتنا...


2- تحريف التاريخ ليس في اختلاق القصص فقط و لكن أيضا باقتطاعها من سياقاتها و تقديمها في سياق العصر الحديث للإيحاء بشكل مختلف عما يمكن أن توحي به لو قرئت في مكانها... أحد مقاطع اليوتيوب الأجنبية يورد قصة من كتاب الاعتبار عن امرأة إفرنجية سبيت و أهديت لحاكم ثم هربت بعد سنوات و تزوجت اسكافيا إفرنجيا... فأتت تعليقات المعلقين و كأن المسلمين هم من اخترعوا السبي و كأنه أمر بدع في زمانهم... لكن المقتطع من الكتاب لم يذكر عشرات القصص الأخرى التي تحدثت عن هجمات الصليبيين و سبيهم و سرقتهم و حرقهم و قتلهم و قطعهم للطرق... كتاب ابن منقذ بمجموعه يضعك في جو ذلك العصر من قبل جميع الفرق... فيجعلك تفهم كيف كان الحال... و هذا أمر كان من طبيعة حروب ذاك الزمان، أعني استعباد المهزوم... و لذلك تلاحظ استغراب ابن منقذ من هروبها، فهي صارت زوجة حاكم و ابنها حكم من بعده... يعني أنه لم يخطر له ما الذي قد يكون مزعجا في ما حل بها و قد آلت لواقع خير من واقعها كما يراه... بيد أنه و الحق يقال أني بت أشعر بالغثيان من نفاق عصرنا و من ادعاء بأنا صرنا أناسا أكثر تحضرا عما خلا من العصور، و تفاجؤنا المزيف مما كان يجري في تلك الأزمنة... فعلى سبيل المثال لا الحصر، إذ لا حصر لمدى همجية عصرنا، فكرة استعباد المهزوم و تقسيم الناس لعبيد و سادة ما زالت قائمة، بيد أنها اتخذت أشكالا جديدة، إحداها مثلا فكرة جواز السفر التي تقسم البشر على هذه الأرض و طرق التعامل معهم على وفقها إما باحترام أو إذلال و مهانة...


3- لأسامة بن منقذ تصانيف كثيرة كما ذكرت، و لكن المطبوع منها جزء صغير، أشهرها كان كتابه الاعتبار هذا، نظرا لاهتمام المستشرقين به لشهادته على الحروب الصليبية، فقد كان أول من عثر على مخطوطته فحققه هو المستشرق الفرنسي هرتويك ديرنبرج Hartwig Derenbourg و طبعه سنة 1886، ثم قام فيليب حتي في ثلاثينيات القرن المنصرم بتحقيقه، و لابن منقذ مؤلف بعنوان "المنازل و الديار" كان المستشرق الروسي كراتشكوفسكي قد تحدث بتأثر عن قصة التقاءه بهذه المخطوطة في كتابه الرائع الذي أنصح الجميع بقراءته (مع المخطوطات العربية) و خرج بنتيجة حينها أن للمخطوطات مقاديرها، و طبعا هذا مما أدى لنشر المؤلـَف... بالإضافة أيضا لديوان شعر مطبوع لابن منقذ... هذه الأشهر بين كتبه المطبوعة... بيد أني حين بحثت عن (كتاب النوم و الأحلام) الذي ذكره ابن منقذ في معرض حديثه و وددت لو أقرأه لأني أحب القراءة في هذه الموضوعة، لم أعثر على معلومات عنه... و على كل فإن ابن منقذ اكتسب شهرته في عصرنا بكتابه الاعتبار... و هذا يقودني لملاحظة أشمل، أنه يلاحظ كون مصدر شهرة كثير من الكتب في تراثنا أكثر من غيرها، أو علماء اعتني بهم أكثر من غيرهم أو وضعوا في مقام أعلى من آخرين أو حتى قصصا تاريخية برزت أكثر من غيرها هو عناية المستشرقين بهذا كله و إشهارهم له و تقديمهم... و مع الاعتراف بهذا الجهد لهم... لكن ينبغي الانتباه أيضا أن نوعية عنايتهم تنبع عن اهتماماتهم و كلما اقترب الموضوع بأن يكون له صلة فيهم زادت عنايتهم أكثر... و قد ذكر طه عبد الرحمن هذه الملاحظة في معرض حديثه عن ابن رشد... حتى ابن رشد هذا قد اشتهر بما اهتم الغرب به فيه، لأن له جوانب أخرى لا تقل أصالة في شخصه و هي جزء مما شكل رؤياه و فكره، و لكن لم يسلط عليها الضوء كما سلط على باقي جوانبه، فقد كان الرجل فقيها مالكيا له مصنف معروف بالفقه المالكي "بداية المجتهد و نهاية المقتصد"... و هذا ليس جانبا ثانويا و لا تحصيل حاصل و لكنه جزء من تركيبته العلمية... و لا أعني من ملاحظتي أن ما أو من اشتهر لتوه فيه غضاضة ما، و لكن التبعية في الاهتمام بما اهتموا به فقط و عدم النظر بنفس الهمة لباقي نتاج حضارتنا مما له وثيق الصلة بنا، يحرمنا من كثير الفوائد و فهم أجدادنا كما ينبغي و أسباب ظهورهم و بالتالي فهم أنفسنا و لماذا تغير الحال... حتى صار المعيار في المفاضلة في أحيان كثيرة بين عالم و عالم و فكر و فكر و نتاج و آخر في نظرنا لا يعود للنتاج نفسه بقدر ما يعود لعوامل خارجية منفصلة، هي نتيجة الشعور بدونيتنا الحضارية الحالية... و كأنه يفترض لعالم من علمائنا الأوائل أن يحصل على صك اعتراف غربي حتى يصير صالحا للحديث عنه و تحليله و الاستشهاد به من قبل كثير من مثقفينا... و هذا من شأنه أن يوصل الباحث لنتائج غير دقيقة حين تحليله للتراث، و تحميل التاريخ اديلوجيات معاصرة و إنطاقه بما لا ينطقه...
و على كل الأحوال هذا لا يقلل من روعة كتاب ابن منقذ...
 


 

 

--

كتاب الاعتبار

لمؤلفه السوري: أسامة بن منقذ

تحقيق: فيليب حتي

مكتبة الثقافة الدينية



 

سلمى

آب 2014

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali