الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الحدائق الغناء في أخبار النساء

 

 
 

 

الحدائق الغناء في أخبار النساء
تراجم شهيرات النساء في صدر الإسلام

The Lush Gardens of Women Stories

الحدائق الغناء في أخبار النساء


لأبي الحسن علي بن محمد المعافري المالقي ت605 هـ
تحقيق عائدة الطيبي
الدار العربية للكتاب

 

هذا الكتاب كان بمثابة صدمة حضارية حقيقية بالنسبة لي... الكتاب عبارة عن تراجم لبعض النساء البارازات في حقبة الخلافة الراشدية و الأموية، أي في صدر الإسلام كما هو مكتوب... معظمهن كن تابعيات و بنات و حفيدات الصحابة...
من خلاله يتبين لك الحياة الاجتماعية في تلك الفترة و وضع النساء و مكانتهن و تفاعلهن في المجتمع... لم أكن أتخيل أن المجتمع كان منفتحا و متطورا من الناحية الاجتماعية لهذه الدرجة... و لم أكن أعلم أن النساء كن على هذا القدر من البلاغة و القوة و الحكمة و المنطق...
قد بدين قويات مبينات فاعلات في المجتمع معروفات للقاصي و الداني غير مقصيات أو مهمشات أو حتى صامتات منكسرات ضعيفات و لا حتى سخيفات ساذجات... قد كن مختارات و مريدات حتى في أمور لم أفهم لماذا، لكنها كانت جزءا من حياتهن الإجتماعية اللاتي ارتضينها و كما قالت المحققة "أبرز صفة للنساء المترجم لهن في هذا المخطوط أن الواحدة منهن كانت فخورة معتدة بنفسها إلى حد كبير، الأمرالذي حدا بها إلى أن ترضخ لقانون أخلاقي صارم فرضته هي على نفسها..." و في علاقتها مع زوجها لم تكن خانعة و لا مخادعة و لا مستكينة... بل تبذل راغبة لا مكرهة...
فمثلا نائلة بنت القرافصة كانت صبية حين زفت إلى عثمان رضي الله عنه و هو في السبعين... ليس أنها فقط قالت له حين خاف أن تجزع من صلعته "أنا من قوم أحب أزواجهن إليهن السادة الصلع"، بل إنها بعد وفاته روي أنها دقت أسنانها حتى تبقى وفية لذكراه.
لماذا؟ لا أدري...
أو مثلا حين ساعدت حبة ابنة الفضل زوجها و ابن عمها عبد الله بن فضالة و ذلك عندما أمر الخليفة عبد الملك بقتله فسافرت إليه و احتالت حتى تكلمه، و حين أتيح لها ذلك حدثته ببيان و منطق أعجب بهما لدرجة جعلته يعفو عن زوجها، و حين سألها إن كان لعبد الله زوجات غيرها فقالت نعم، فقال لها: "أنا أوليك طلاقها و عتق جواريه. قالت: بل تهنيه نساؤه كما هنأته دمه"! لم أفهم لماذا أيضا...
لكن بعد تفكير رأيت أن عدم فهمي هو أني أحاول تطبيق حياتي و معاييري الاجتماعية على حياتهم و معيارهم... و لذلك لم أفهم، لأني أريد للقصة اقتطاعها من سياقها الزماني و إسقاط زماني عليها... لأني أحاكمها و أنظر إليها من واقعي و أفكار زماني لا من واقعها و أفكار زمانها... لكن و مع ذلك قد أذهلنتي هذه النسوة...
و لا أدري عن من أو من أحدثكم... أعن عفراء التي كان يحبها عروة بن حزام و حين أتاها خبر نعيه رثته بقولها:

ألا أهيا الركب المخبون ويحكم --- أحقا نعيتم عروة بن حزام
فإن كان حقا ما يقولون فاعلموا --- بأن قد نعيتم بدر كل ظلام
فلا نفع الفتيان بعدك لذة --- و لا ما لقوا من صحة و سلام
و بتن الحبالى لا يرجين غائبا --- و لا فرحات بعده بغلام

ثم أقبلت على زوجها، (و زوجها كان يعلم بأن عروة هذا يحبها!) فقالت: يا هناه، إنه قد كان من أمر ذلك الرجل ما قد بلغك. و الله ما كان إلا على الحسن الجميل. و قد بلغني أنه مات قبل أن يصل إلى أهله. فإن رأيت أن تأذن لي فأخرج في نسوة من قومه فنندبه و نبكي عليه. فأذن لها. (و يا للغرابة أنه أذن لها، و هو يعلم بأن الرجل كان يحبها و يقول فيها الشعر!)... و هكذا ظلت تندبه بالأبيات حتى ماتت!
و يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لو أدركت عفراء و عروة جمعت بينهما... هذا عمر ثاني الخلفاء الراشدين... و الشديد في الحق هو الذي يقول هذا... و الله شيء جميل عن جد.

بيد أن عائشة بنت طلحة و آه من عائشة بنت طلحة هذه، قد فتنتني أخبارها و أسكرتني...
عائشة بنت طلحة هي بنت أخت السيدة عائشة رضي الله عنها، كانت سيدة حسناء ذكية معتدة بذاتها و جمالها و مشاكسة حتى... قصصها كثيرة و جميلة... يروى عن أنس بن مالك أنه قال دخلت على عائشة بنت طلحة في حاجة فقلت: إن القوم يريدون أن يدخلوا إليك فينظروا إلى حسنك. قالت: أفلا قلت لي فألبس ثيابي؟
و كانت من أحسن الناس في زمنها، تابعية ثقة، لا تحتجب من الرجال و إنما تجلس و تأذن كما يأذن الرجل...

حتى الصحابة رضوان الله عليهم كان حضورهم الاجتماعي في هذا الكتاب بشكل لم أعتد عليه كثيرا و مكمل لصورة النساء هذه... كل شيء بدا في حياتهم طبيعيا و فطريا، الحب و الغزل و الزواج بل و حتى الطلاق... كل شيء بدا طبيعيا فلا فجاجة و وقاحة و مجاوزة للحد حتى بشكل مرضي و لا خنق و كبت و عقد و أمراض نفسية... مجرد أنه طبيعي و فطري...
من الجميل و المفيد القراءة عن الحياة الاجتماعية لهم، عن الحب و المودة و الفطرية بعيدا عن تلك الرصانة الأبوية و النموذجية التي تقدم لحياتهم بطريقة مدرسية تعليمية أو مثالية...

لكن السؤال الذي راودني بعد قراءة الكتاب، فما الذي حل بعد ذلك؟ ما الذي حل بالمسلمين رجالا و نساء في العصور التي تلت حتى اختفت المرأة من الساحة و لم يعد لها من حضور كالسابق حتى تقزمت و صارت نكرة في المساهمة في إغناء الفكر الديني و الدنيوي و انطبع ذلك على مكانتها في الحياة و مستوى تفكيرها؟ ما الذي حصل؟
أذكر أن رقية العلواني في كتابها "أثر العرف في فهم النصوص" قد تطرقت لهذا الأمر، و ذكرت أن ربما يكون للحروب التي انتكبت بها الأمة الإسلامية السبب في إقصاء النساء خوفا عليهن، حتى صرن مقصيات حقيقة... و أيا ما كان السبب حينها، فلا أجد عذرا لهن الآن لأن يحجمن أنفسهن و يقصين أنفسهن بأنفسهن استسهالا لحياة اللاجدوى...

هذا الكتاب قد اقترحه علي أبو عبادة صاحب المكتبة التي أرتادها حين شاهدني مهتمة بكتاب اسمه (الإماء الشواعر للأصفهاني) و اقترح علي كتابا آخر اسمه (النساء الشواعر للمرزباني) سأقرأه إن شاء الله في قادم الأيام...
كتاب الحدائق الغناء كتاب فريد في بابه، من تأليف أبي الحسن المعافري المالقي الذي كان خطيبا و إماما في المسجد الأقصى في تلك الفترة، و أصل المخطوط التي اعتمدت عليه المحققة موجود في مدينة دبلن بإيرلندة من دون أن يكون له عنوان سوى تراجم شهيرات النساء، و هي التي أطلقت عليه تماشيا مع أسماء كتب ذاك الزمن (الحدائق الغناء في أخبار النساء)...
الكتاب ثمين و جدير بالقراءة...... صحيح أن كثيرا من القصص قد توجد في بطون بعض كتب الأدب الأخرى مثل العقد الفريد و غيره و لكن هذا لا يمنع من أن اجتماعها بهذا الكتاب أعطى صورة بانورامية جميلة... كما أن القصص هنا مروية بأسانيدها و من أسند لك فقد حملك كما يقال، و أيا ما كان وضع هذه الأسانيد فلا يمنع أن تضافر هذه الأخبار يفوح منه عبق رائحة ذكية جدا و غريبة أيضا عن الحياة الاجتماعية التي سادت ذلك العصر... عصر صدر الإسلام...
و أنا ممتنة لهذه الصدمة الحضارية اللذيذة التي سببها لي الكتاب...

 

 

سلمى الهلالي

5/06/2010

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali