الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> أثر العرف في فهم النصوص

 

 

 

أثر العرف في فهم النصوص
(قضايا المرأة أنموذجا)

The Impact of Mores on Understanding Scriptures

(Woman Issues as an Example)


أثر العرف في فهم النصوص

 

لمؤلفته البحرينية
رقية جابر العلواني

Ruqaia Al-Alwani

 

رقية العلواني

دار الفكر
 

هو دراسة عن أثر العرف في فهم النصوص كما هو واضح من العنوان و قد اختارت الباحثة أحكام المرأة كنموذج تطبيقي لهذه الدراسة...
في البداية عمدت رقية إلى استعراض الأوضاع الاجتماعية عبر تاريخ الأمة الإسلامية و أوضاع المرأة فيها ثم كيف أثر ذلك على فهم النصوص و استنباط الأحكام حسب كل مرحلة شيئا فشيئا و خصوصا المراحل التي كثرت فيها الفتن و الحروب و الفساد فجعل الناس يزيدون في حماية النساء مما انعكس ذلك على حجبهن عن الحياة العامة و العلمية... كما أنها بينت في دارستها كيفية تطور الفكر الديني اليهودي و المسيحي و ذلك تنبيها لهذه الأمة مذكرة بحديث لتتبعن سنن من قبلكم... و بما أن الباحثة مختصة بالشريعة فالجميل في الدراسة أنها ناقشت الأمر من ناحية أصولية و تخصصية...
الدراسة قيمة و فيها نقاط ملفتة للنظر و قد جعلت كثيرا من الأفكار ترد على ذهني، أذكر بعضها فقط:

- العرف و طبيعة الزمان لم تؤثر فقط على من سبقوا بل أيضا و تؤثر علينا و الجدل القائم حول المرأة الآن و أحكامها ما هو إلا نتيجة لطبيعة عصرنا و عرفنا، و هو _أي العرف_ بالتأكيد سيؤثر على من سيأتي بعد... فهذه الصفة قرينة البشري... يعني ليس هناك من كلام بشري موضوعي و صحيح بإطلاق و لن يكون... النص الشرعي هو المطلق و الموضوعي و مفاهيم البشر التي تصدر عنه قاصرة لمحدودية أفرادها بزمانهم و مكانهم.. و إنما هي اجتهادهاتم و إفراغ وسعهم في فهم النص المطلق، و لذلك أعجبني احترامها لجهود من سبقوا فهم بذلوا جهدهم بأية حال مع عدم نسيان لفت النظر إلى إنسانية الجهود... و أيضا إلى إنسانية جهودنا...

- الذين يرفضون حاليا بعض النصوص القاطعة الثبوت أو يؤولونها تأويلات لا تتناسب و اللغة العربية و لا مقاصد التشريع و يلوون أعناق النصوص لأنها لا تتناسب و رؤياهم الحالية عن المرأة لا يختلفون كثيرا عن كثيرين سبقوهم أولوها تأويلات غريبة عجيبة و أنكروا بعض النصوص لأنها لم تتفق مع ما يرونه من ضرورة التضييق على المرأة... الأمر سيان (و طرفي التناسب يلتقيان) إذ كلاهما يأتي للنص بأفكار مسبقة يريد استخراج ما يثبتها بأي طريقة بدل أن يعمل على التفكير بالنص نفسه و تدبره و دراسته ابتداء و الاستخراج منه... يعني أنهم يجعلون النص تابعا لفكرتهم لا العكس...

- فرق كبير في وضع المرأة بين عصرالرسالة و بين العصور التي تلت فقد كانت في عصر الرسالة فاعلة جدا و لها أثر واضح في الحياة العامة و العلمية و لكن الملاحظ أن هذا الأثر صار يتضاءل شيئا فشيئا حتى اختفى في العصور اللاحقة...

- نقطة ملفتة للنظر ذكرتها و هي أن من سبقوا قد اعتبروا قبول شهادة المرأة في الدَّين الوارد في الآية هو خارج القياس لأنها واردة على خلاف الأصل إذ الأصل عدم قبول شهادتها في شيء... و هذه نقطة غاية في الأهمية التي ُبنيت عليها أحكام المرأة بمجملها... و هنا خطر لي سؤال أن ما الدليل الذي جعل الأصل كذلك؟ و خصوصا أن التكليف واحد لكل من الجنسين و أيضا أنها كانت الناقلة لكثير من الأحاديث عن رسول الله و لم يرد عدم قبولها لأنوثتها... هذا يجعل المرء يتوقف كثيرا أن الأمر مرده اجتهادي من قبل علماء ذلك الزمان الذين رأوا أن الأصل كذلك نظرا لحالة المرأة الاجتماعية و العلمية المتردية التي كانت سائدة في تلك الفترة... و هذا ما جعلهم يفهمون حديث النقصان الوارد عن رسول الله بأنه تقرير طبيعة و لم يفهموه على أنه تحذير للنساء من الوقوع في النقصان مع أن فهمه كتحذير أقرب للسياق الذي ورد فيه وأقرب لروح الشرع...

 

 

- تحدثت أيضا عن مسألة تخصيص العرف العملي للنص العام عند الحنفية و جمهور المالكية، و هنا خطر سؤال في بالي إن كان العرف لدى أهل زمان أن شهادة المرأة ذات الاختصاص معتبرة في الأمور المالية و مقدمة على غيرها من الرجال و النساء هل يمكن أن يخصص ذلك الشرط الوارد في الآية؟

- تحدثت رقية عن الترك العدمي أو الترك غير المقصود، فكثيرون يتحججون برفض أمر بحجة أن السلف لم يفعلوه أو لم يتحدثوا به و لكنها قالت "
كون أنهم لم يفعلوا الفعل ليس بدليل بل هو عدم دليل، و التحريم أوالمنع لا يكون إلا بدليل أو بورود نص يفيد النهي عن الفعل أو الإنكار" ص 218

هناك نقاط كثيرة و مهمة وملفتة للنظر و خصوصا للدارسين و المهتمين بهذا الشأن، بيد أن الدراسة كما أكدت رقية في أكثر من مرة أنها لا تروم الترجيح بين الأقوال أو الاجتهاد و إنما كل ما ترومه هو إبراز كيفية تأثير العرف و الظروف الاجتماعية في فهم المجتهدين للنصوص الواردة في مسألة ما، و لذلك فإنها لا تجيب عن تساؤلات إلا بقدر ما تفتح الباب و الأفق لمزيد من البحث والدراسة... و شخصيا أعتبر الكتاب الذي يفتح الأفق لمزيد من البحث كتاب ناجح و جدير بالقراءة...
كتاب كهذا يجعلك تعذر من سبقوا و ترى ما الذي جعلهم يخرجون ببعض الآراء المجحفة بحق المرأة... و يحضرني في هذا المقام قول الإمام الرازي بعد تفسيره لأية الشهادة و خصوصا للتعليل الوارد في الآية، فهو قد فسرها بطريقة لو وزنت بعرف هذا الزمان لقيل عنها ذكورية و مجحفة و لا منطقية، لكن الجميل فيه أنه لم يدّع إطلاقا أو يقينا بمقالته و إنما قدم عذره و أنهى مقالته بقوله:

" هذا ما خطر ببالي من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع، و
للنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها و الكتب مشتملة عليها، و الله أعلم." شخص كهذا لو عاش في زمان كزماننا و سمع الأفكار المطروحة على الساحة الفكرية _أو حتى لو أتيح لي مجادلته _ أغلب الظن أن أفكارا أخرا كانت ستخطر على باله...
لكن ما بال أقوام يعيشون في هذا الزمان و لا يخطر على بالهم شيء مختلف إطلاقا و يعيدون نفس الكلام دون حتى أن يدققوا النظر...

أمنية طالما أرددها أن ليت الجيل الجديد الذي يعيش عصره و يعيه تماما يتجه لدارسة الشريعة و اللغة العربية و اصول الفقه و يدرس النصوص الشرعية... إن لم تكونوا أنتم من سيتحرك فمن؟

الحق يقال الباحثة تبدو متمكنة و كتابها جدير بالقراءة...

و بإمكانكم زيارة موقعها هنا

 

سلمى الهلالي

21/ 05/2009

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali