الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> أءكون براكسيماتيكية أو لا أكون؟

 

 
 

 

أءكون براكسيماتيكية أو لا أكون؟

 

البراكسيماتيكية

و رحلة البحث عن معنى

Praxematique

The searching's journey for meaning

 

البراكسيماتيكية

 

لمؤلفيه السعوديين

بندر الهذال و يعقوب الشوردي

Bandar Al-Huthal - Yaqub Al-Shurdi

الناشر المجلة العربية

 

هذا الكتيب ذو الاسم الغريب... شدني مذ قرأت عنوانه.. فالعنوان بدا لي كطلسم و لغز يحتاج لفككة و حل... و من الاسم ابتدأت حكايتي معه.
Praxis تعني الممارسة و الاستخدام، و من هنا أتى مصطلح البراكسيماتيكية، أو ما يسمى بالتيار الدلالي التجريبي.
يقصد بالبراكسيماتيكية في علم اللغة أن المعنى لا يحدد بشكل مسبق و إنما الواقع و ما يفرضه من سياق هو ما يحدد القيمة الدلالية للمفردات بشكل كبير. فالسياق و العوامل الفردية (و ظروف الانتاج و الاستقبال الدلالي) هي التي تساهم في تحليل الخطاب.
فالواقع الملموس المعاش هو أساس مهم في التيار التجريبي في علم اللغة، و بما أن الواقع مختلف من شخص لآخر، فكذلك ممارساتنا اللغوية، فلكل إصدار خطابي زمن و سياق، و ظروفه الخاصة به.
و هذا التيار يدافع عن اللغة بمعناها الاجتماعي الفعلي و الواقعي بالإضافة لاهتمامه بمعناها المعجمي و أيضا لتطورها التاريخي و الثقافي و العوامل التي تؤثر على "التطور الدلالي" و "التوسع الدلالي" أو "الاختفاء الدلالي" لكلمة من الكلمات. فهذا التيار قد أضاف الإنسان كعنصر هام في اللغة.

الكتاب أثر بي كثيرا و أمتعني _رغم ما يبدو على اسمه من كونه كتابا لغويا جافا_ فيه الكثير من الأفكار المهمة التي شحذت ذهني. إذ حقا يتغير المفهوم الدلالي للكلمات من عصر لعصر و من مكان لمكان و من شخص لشخص، و الكلمة تحمل تاريخا طويلا من الاستعمال و تعلق بها كل الممارسات التي استـُخدمت من خلالها، حتى لربما قد يتحول مفهومها الدلالي إلى نقيضه بسبب الاستعمال.
تماهيت مع هذا التيار و كدت أعد نفسي إحدى مناصراته... إذ أني مؤمنة بشدة أنه لا بد حين تحليل خطاب ما من دراسة السياق و دراسة الزمان و المكان الذي أصدرا فيه، و دراسة المتلقي الذي خوطب به. فمثلا حين النظر في كلمات القرآن الكريم، فلا بد من العودة للمفاهيم الدلالية للكلمات زمن نزول الوحي و لأصلها اللغوي، لأنه أريدت بمعناها ذاك، و لا بد من عدم الركون للمعاني المتداولة حاليا في الأفهام، فالكلمة عبر الزمن كما قلنا قد حـُمـّلت مفاهيم ممارسيها، بعضها قد طغى على المعنى الأصلي و نحاه، بل كثير من هذه الممارسات قد أدت إلى تشويه الكلمة بسبب إساءة استخدامها. و لذلك فإن الانتباه للمعنى زمن استخدام الكلام أمر هام جدا ينبغي العناية به حين قراءة النصوص الشرعية و الاستنباط منها.

لكن فجأة فيما أنا منجذبة لهذا التيار و جذلة بما يخبرنيه إذ يعرض في ذهني تساؤل؛ أليس هذا التيار يعطي الشرعية لهذا التوسع و التبدل الدلالي، و يعطي الشرعية للواقع أن يتحكم بالكلمات و يحورها و يتلاعب بها و يغيرها بل و يقضي عليها كما بشاء؟ إن الواقع يفعل ذلك فعلا، و لكني شخصيا أعتبره أمرا لا شرعيا و لا أخلاقيا حتى، و لذلك دائما ينبغي التذكير بالأصل اللغوي التي وضعت له الكلمة و تنظيف الكلمة من حمولتها و إعادتها إلى معناها الدلالي المعجمي... لكن هذا التيار لا يؤمن بالدلالات الثابتة التي يـُرجع إليها، فالبنسة له الواقع هو المرجع... الإنسان هو المرجع... الاستخدام هو المرجع...
و مما زاد التساؤل في ذهني هو أن الكتاب _بناء على هذا التيار_ قد انتقد المعاجم العربية كونها لا تتحدث عن المعاني الدلالية الحالية و إنما هي مقتصرة على دلالات الماضي.
حين روادتني هذه الفكرة، بدا لي الأمر خطيرا، إذ قد يعني هذا تعريض دلالات الكلمات في الأذهان إلى التغيير برمتها و بالتالي إلى نسف اللغة من أصلها، و حينها تصير كتابات الأولين غير مفهومة، يعني ضياع تراث طويل من العلم و المعرفة، _و الذي هو حاصل شيئا ما_ و لكن ما توحي به البراكسيماتيكية هو عدم الاستنكار، و شخصيا أنا أريد أن استنكر الاستخدام الجائر للكلمات، إذ لا يحق للناس أن يستخدموا الكلمات برعونة و كما يعنّ لهم، لأنهم يسيئون للغة، كما أن ذلك يعرض لضياع المقدرة على التواصل مع القرآن و استيعابه كما أريد لنا أن نستوعبه، و إلصاق معان بالكلمات لم يردها الشارع.
لكن من ناحية أخرى اللغة كائن حي، و من الطبيعي أن تستخدم كلماتها بشكل متجدد، و ينبغي فعلا أن يضاف للمعاجم المعاني الجديدة المستخدمة. مثلا كلمة ذاكرة التي توسع معناها الدلالي في العصر الحديث لتشمل الذاكرة الجمعية و الذاكرة الالكترونية الخ. كما أن البراكسيماتيكية جدا مفيدة حين دراسة النصوص، فهي ما ينبه إلى ضرورة الاعتناء بدلالات الكلمات زمن الخطاب، مثلا معاني كلمات القرآن زمن نزول الوحي، لا زمن القارئ كما ذكرت سابقا، و ذلك حتى يستطيع المرء الاستفادة بالشكل الأمثل.
ربما أكون مبالغة في توجسي من فكرة البراكسيماتيكية و ربما هيء لي ذلك التهيؤ، لكن ما أثار ذلك هو عبارة أنهي بها الكتيب أن (اللغة تعرض و لا تفرض)... فهل حقا اللغة كذلك؟
لا أدري، أشعر بأنها ليست تعرض تماما و ليس تفرض تماما أيضا... لا أدري كيف أصف ما في ذهني...
يا ترى هل هذه الإشكالية مرتبطة بالسؤال الجدلي الأول: هل اللغة توقيفية أو وضعية؟ إذ أني من الذين يميلون إلى أنها توقيفية.
فالبراكسيماتيكية تتماهى مع الاستخدام حد جعله المرجعية بشكل كبير، و المقابل (أحسبه السوسري نسبة إلى عالم اللغة دي سوسير) هو عدم الاعتناء إلا بالمعنى المعجمي...و أجد أن الانتباه للسياق و كيفية الاستخدام أمر ضروري جدا جدا حين تحليل الخطاب، و أيضا التمسك بالمعاجم و اعتبارها هي العمدة أمر جدا ضروري للحفاظ على معاني اللغة من أن تلوث. إذ الإنسان يطغى و لو أوتي أن يقلب عالي الدنيا سافلها من دون قيد أو شرط لفعل، فما بالنا بالعبث بالكلمات... ربما لولا القرآن الكريم لملت إلى أن للبشري الحق في أن يفعل ما يشاء بالكلمات، و لكن مع وجود القرآن، فلا، و أجدني متحفظة، إذ أنه يعنيني أن تحافظ الكلمات على معانيها بنفس الزخم الذي وضعت فيه في الأصل اللغوي، و أن تعاد لجادة الصواب المعجمي كلما حاد الاستخدام و حرفها...

و هنا وقعت في حيرة من أمري أءكون براكسياماتيكية أو لا أكون... تلك هي المشكلة؟

ما استطعت تحديد موقفي و لا التعبير عن سبب توجسي، و أغلب الظن أن السبب هو فقري المدقع في هذا الفن الدلالي كوني ما زلت مبتدأة فيه...

هذا الكتاب قرأته أونلاين و لحسن حظي أن المجلة العربية ناشرته قد وضعته للقراء... قد كانت هي تجرتبي الأولى في قراءة كتاب أونلاين... و الحقيقة أن التجربة لم تعجبني كثيرا و ربما إطلاقا _مع أن الكتاب أعجبني كثيرا و جدا_ و ذلك لأن قراءته استغرقتني وقتا طويلا، إذ كنت كلما قرأت مقطعا يحتاج لإعمال عقل كنت أشرد و أهرب بين صفحات النت... لكن رغم ذلك أنا شاكرة للمجلة العربية لأنها أتاحته للقراء.

أسلوب الكتاب سلس و جميل و فيه بعض الرسوم التوضيحية التي تقرب المعنى، و الشكر للباحثين على هذه اللغة السهلة الممتنعة و حتى اللذيذة رغم جفاف الموضوع... قد استمتعت بقراته و جعلني أتأمل طويلا بين فقراته... بل جعلني مهووسة في محاولة تطبيقه على الخطابات من حولي...  
و هنا يحضرني مثال طريف حصل. كلمة (تعا) باللهجة الشامية و التي تعني (تعال)، قد كتبتها في رسالة لأحد الأصدقاء غير الناطقين بالشامية بطريقة عفوية، فعلق عليها ملفتا النظر بأن هذه الكلمة فيها غواية و نعومة مفرطة. هذا الأمر أثار استغرابي جدا، و ذلك لأن كلمة (تعا) في ذهننا _نحن الشوام_ كلمة عادية جدا تستخدم من قبل كافة الشرائح و بكافة الطرق، بحيث أنها لا تحمل ضمنها أي إيحاء شعوري زائد، فبإمكان أي شخص استخدامها ابتداء من امرأة متغنجة و انتهاءا ببائع خضار ينادي على العامل عنده بمنتهى الغلظة و الفظاظة: (تعا يا ولد). فمن أين استمدت الغواية و النعومة و عنصر الصوت الذي يعطي طاقة للكلام معدوم؟ البراكسيماتيكية تخبرنا هنا، أن الاستخدام هو ما يحدد هذه الدلالة و أن علينا عند تحليل الخطاب الانتباه للسياق كله و المتحدث و المتلقي. ما هو السياق الذي وردت فيه، أو كيف أن هذه الكلمة تملك بعدا و طاقة في نفس المتلقي الغير شامي، بشكل مختلف عن الشوام. أو قد يكون المتلقي وحده هو من يشعر كذلك تجاه هذه الكلمة و ذلك جراء تجربة شخصية له معها، أو أن السياق و من صدر عنها الخطاب هو ما أوحى له بذلك... أسباب كثر من الممكن التنقيب وراءها، و البحث بهذه الأمور تحديدا هو ما تعنى به المدرسة التجريبية البراكسماتيكية و تلفت النظر إليه.

كنت كتبت مشاعري الطريفة و المهسترة حول الكتاب في أثناء قراءتي له هنا، بيد أني أود أن أنوه لخطأ ورد في هذياني ذاك، و هو أني كنت أحسب البراكسيماتيكية آتية من البراغماتية فهذا ما توهمته في البداية، ثم حين قرأت أكثر تبين لي أن البراجماتية أو (المقامية) هي مدرسة مختلفة، فهي تهتم بمرحلة ما قبل الخطاب فقط. أما التيار البراكسيماتيكي و رغم استفادته منها، إلا أنه وجد أن الفروق مهمة بين مرحلة ما قبل اصدار الخطاب و مرحلة الاصدار و مرحلة ما بعد الاصدار، كلها تؤثر على الخطاب، و لذلك شملها كلها.

بأية حال، هذا الكتيب الصغير ملأني و كأنه مجلدات و أثر بي بشدة... فقد فتح فيّ بوابة التأمل و الأسئلة على مصراعيها... شحذني برغبة عارمة في أن أظل أقرأ في هذا الفن الدلالي علّي أبصر أكثر و أتعلم و أجد الأجوبة على تساؤلاتي...  و هو يستحق أن أعيد قرءاته ثانية بعد فترة....

و كما قلتها ذات كتاب عن الدلالة و سأظل أعيدها في كل كتاب يداعب هذا الجمال: لك تسلملي الكلمات و المعاني و الدلالات شو حلوين


 

 

سلمى الهلالي

9/04/2010

 

روابط ذات صلة

· المعنى و ظلال المعنى

· كتاب الزينة

· حكايات عن إساءة الفهم

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali