الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> الطير بين العطار و ابن سينا و الغزالي

 

 
 

 

الطير بين العطار و ابن سينا و الغزالي

--------

 

منطق الطير

The Conference of the Birds

لمؤلفها الشاعر الفارسي:

 فريد الدين العطار النيسابوري ت 1220م تقريبا

Farid ud-Din Attar

دراسة و ترجمة بديع محمد جمعة

دار الأندلس

 

منطق الطير
 

منظومة شعرية قصصية فارسية صوفية رمزية من القرن الثاني عشر و الثالث عشر الميلادي، من أشهر المنظومات الصوفية...
حيث اجتمعت الطيور يوما لتقوم برحلة صوب الطائر الأكمل و الأجمل و السلطان المطلق و المسمى "السيمرغ" و انتدبوا الهدهد ليكون رئيسا لهم و مرشدا... فطفقت الطيور تقدم التبريرات المختلفة حتى لا تتكبد مشاق الرحلة و بعضها راحت تسأل عن الطريق شتى الأسئلة... و الهدهد يجيب عن كل هذا و يفند كل الأوهام و يحثهم للتخلي عن كل العلائق و المضي نحو عشق الأكمل من خلال المواعظ و القصص المختلفة و يخبرهم عن الأودية التي سيمرون بها وادي الطلب ثم العشق ثم المعرفة ثم الاستغناء ثم التوحيد ثم الحيرة و أخيرا الفناء و البقاء... و هكذا انطلقوا جميعا و تكبدوا المشاق على أنواعها و مات من مات و فني من فني حتى وصل ثلاثون طائرا إلى الحضرة ليرفع الحجاب و يكتشفوا أن السيمرغ لم يكن إلا انعكاسا لصورتهم!

 

اجتماع الطيور من منطق الطير

The Concourse of the Birds by Habib Allah


المنظومة رمزية كما قلت، و هي ترمز للطريق الذي يسلكه الصوفي حتى يصل للإدراك أو الشهود أو رؤية الخلق بعين الفناء _كما يقول المترجم_... و إنما اقتبس اسمها منطق الطير من قوله تعالى "علمنا منطق الطير" .
في البداية لم أتآلف مع أسلوب المنظومة... فقد بدا لي مسرفا في العواطف و الوصف حد الافراط و هو ما لا أستسغيه كثيرا، بيد أنه من قراءة سابقة لمنظومة فارسية أخرى و هي (يوسف و زليخا) علمت أنه أسلوب كان متبعا في تلك الفترة... و بنفس الوقت فإن غرابة المنظومة تحديدا هي ما جعلني أكملها، لأني لم أقرأ شيئا كهذا من قبل...
و مع أني أميل إلى قراءة شيء من الروح الصوفية، و لذلك أردت قراءتها ابتداء، إلا أني لا أنكر أني لم أستمتع كثيرا بتلك النكهة الصوفية كما كنت أرجو، و ذلك بسبب الأسلوب المبالغ فيه بوفرة أولا، و بسبب الإغراق في الرمزية ثانيا، و هو ما لا أحبه و لا أحبذه في مثل هذه المواضيع، و ذلك لأن الرمزية تعطي الضوء الأخضر للعقل للتأويل إلى ما لا حد له أو قيد في مواضع التبيان و التصريح فيها أولى من الغموض و الطلاسم و خصوصا فيما يتعلق بالعقيدة و التوحيد، ثم بسبب عدد لا بأس به من الشطحات التي لا أتفق معها و لا أراها مقبولة لا شرعا و لا عقلا و لا منطقا ثالثا... و مع أن العطار نفسه قد بين بوضوح منذ بداية المنظومة بقوله "
إن كل ما تقوله و ما تعرفه نابع منك، فتلعرف نفسك فقط، لأن هذا الأمر أكبر مئة مرة منك، و لتعرف الله بالله لا بنفسك، فالطريق إليه منه لا بعقلك، كما أن وصفه لا يليق بالوصافين، حيث لا يليق هذا الأمر بالفضلاء و لا بالسفلة، فالعجز هنا مساو للمعرفة، فما أحاط به شرح، كما تنزه عن أي صفة، و لا نصيب للخلق منه أكثر من الخيال، و معرفة أي خبر عنه ليس أكثر من محال، و ما قيل حسنا كان أم سيئا، قد صدر من نبع الخيال دائما، فهو يسمو على العلم و يخرج عن العيان" ص145 و ذكر بتصريح فيما بعد أنه ليس حلوليا _و الحلولي هو الذي يجعل السالك يصل لمرتبة الألوهية و هذا خروج عن الإسلام طبعا_ و لا ينبغي أن يكون أحد كذلك و حاش لله أن يقول أحد أنه الحق أو يظن نفسه الله _على حد تعبيره_، إلا أنه و كأن الخيال قد شطح به و صاريتحدث برمزية موهمة و غير مفهومة و كأنه يناقض منهجه من الأخذ بمنهج القرآن و السنة، و المترجم قد أوّل ما استطاع تأويله و ما لم يستطعه قد فسره بأن الحال قد أخذه و غلب عليه، فهو "كشاعر لا يعرف لنفسه ضابطا فسرعان ما نجده يورد عبارات كثيرة لا تتفق مع مبدئه، فهو مشتت الفكر متشعبه، و ليس مفكرا دقيقا في تفكيره، و ليس منظما واضحا... و نتيجة لأنه شاعر ثرثار أحيانا لا يعرف كيف يجعل لكلامه حدودا يقف عندها". ص116 - 117
و لذلك لم تأخذني الحال التي أخذته... لأني أثمن العشق الإلهي مع المعرفة بالشريعة... لا يستقيم أحدهما بنظري بعيدا عن الآخر... و المعرفة هي ما يجعل البشري يمسك بزمام عقله و يدرك مهما استبد به الوجد أن له حدودا لا ينبغي أن يتعداها قد ضبطها الخالق نفسه الذي يتعبده و يهيم به...
و بغض النظر عن ما أفسد علي و لم يجعلني أعش تجربة روحية كما كنت أرجو، فالمنظومة جميلة و ممتعة و لا مألوفة بأفكارها و قصصها و أسلوبها، و أحسبها لو كانت بنفَس شعري _كما هي بصيغتها الأصلية الفارسية_ ستكون تحفة جميلة...

جدير بالذكر هنا أن الدراسة التي قدمها المترجم بديع محمد جمعة في المقدمة مفيدة جدا و قيمة و تشرح الكثير، و لأني قد أجلت قراءتها حتى النهاية، فقد وجدت أن المترجم قد توقف عند النقط و الشطحات التي استوقفتني، و قد شرح بعضها و استغرب بعضها مثلي و ذلك لمخالفتها لمنهج العطار الموافق للروح الإسلامية كما قلت... و أسعدني هذا الشرح و أسعدني أكثر أني لم أبتدئ بها، حتى أكوّن فكرتي الخاصة قبلا... و المقدمة قادتني إلى الرغبة بالاطلاع على الرسالة القشيرية حيث فهمت أنها من المصادر المهمة في شرح التصوف المعتدل...

الترجمة جميلة و لكنها ليست شعرية، و هذا ما أفقد المنظومة الكثير من رونقها، بيد أن الترجمة اللاشعرية أحسبها تكون أدق من حيث نقل المعنى... تلك الجدلية التي لا جواب عليها... المعنى أم المبنى حين ترجمة الشعر؟

خذوا هذا كمثال، و الذي فاجأني حين قرأت نظيره بالانكليزية:
ما أن وقع أحد المعشوقين قضاء و قدرا في الماء، حتى أسرع عاشقه و ألقى بنفسه في الماء، و عندما اقترب كل منهما من الآخر، سأل المعشوق العاشق قائلا: أيها الجاهل إذا كنت سقطت أنا في هذا الماء الجاري، فلم ألقيت نفسك في لجته؟ فقال: لقد ألقيت بنفسي في الماء، لأنني لم أعرف نفسي من نفسك، فقد مضى وقت بلا ريب حتى أصبحت أنا أنت، و أنت أنا، و أصبحنا واحدا، فهل أنت أنا، أم أنا أنت؟ و إلام كانت الثنائية؟ فإما أنني أنت، أو أنك أنا، أو أنك أنت أنت، و عندما تكون أنت أنا، و أنا أنت على الدوام، يكون جسدانا واحدا و السلام. و إذا كانت الثنائية بيننا، فالشرك قد أصابك، و إذا انمحت عنا الثنائية، فالتوحيد قد أدركك.


A girl fell in a river--in a flash
Her lover dived in with a mighty splash,
And fought the current till he reached her side.
When they were safe again, the poor girl cried:
"By chance I tumbled in, but why should you
Come after me and hazard your life too?"
He said: "I dived because the difference
Of 'I' and 'you' to lovers makes no sense--
A long time passed when we were separate
But now that we have reached this single state
When you are me and I am wholly you,
What use is it to talk of us as two?"
All talk of two implies plurality--
When two has gone there will be Unity

 

فرق كبير مبنى و معنى... أليس كذلك؟

منطق الطير ليست هي أول من تطرق لرحلة تقوم بها الطيور صوب الملك الأعظم... بل إنها تبدو متأثرة بمن تطرق لهذه الفكرة قبلا، و هما كل من ابن سينا و الغزالي، إذ كتب كل منهما رسالة سماها رسالة الطير، رغم أن نسبة رسالة الطير للغزالي مشكوك بها.. و كل منهما عالجها بطريقته و أسلوبه بما يختلف عن العطار... و لأن كلا الرسالتين قصيرتين و لحسن الحظ أنهما موجودتان أونلاين، فقد قرأتهما...


أما
رسالة الطير لـ ابن سينا فوجدتها بطبعة قديمة كما كتب المصحح (ميكائيل بن يحيى المهرني أنها طبعت في مدينة ليدن المحروسة سنة 1891 المسيحية ) مع رسائل أخرى له و ترجمة فرنسية، و بخط بالكاد يقرأ:
في الرحلة انطلق ابن سينا مع مجموعة من الطيور، فأسرت في أقفاص، و لكنها تدبرت أمرها بالهرب مع بقاء حلقة تطوق أعناقها، فأكملت رحلة شاقة بثمانية من الشواهق لتشتكي للملك الأعظم حتى وصولوا بلاطه و حين كشف عنهم الحجاب تعلقت أفئدتهم به و نسوا شكواهم فـ "
كل كمال بالحقيقة حاصل له و كل نقص و لو بالمجاز منفي عنه"
و حين عاد ابن سينا من الرحلة و قص على الناس قصته لم يصدقوه "
أراك مس عقلك مسا أو ألم بك لمم و لا و الله ما طرت و لكن طار عقلك و ما اقتنصت بل اقتنص لبك، أنى يطير البشر أو ينطق الطير؟ كأن المرارة قد غلب في مزاجك و اليبوسة استولت على دماغك. و سبيلك أن تشرب طبيخ الأفيون و تتعهد الاستحمام بالماء الفاتر العذب و تستنشق دهن النيلوفر"

أما
رسالة الطير لـ الغزالي:
فهي رحلة تقوم بها الطيور أيضا... حيث اجتمعت و قررت أنه لا بد أن يكون لها من مليك، و اتفقوا أنه لا يصلح لهذا الشأن سوى العنقاء. و هكذا انطلقت الطيور و تكبدت مشاق الرحلة و وعورتها...
"
فهلك من كان من بلاد الحر في بلاد البرد. ومات من كان في بلاد البرد في بلاد الحر. وتصرفت فيهم الصواعق. وتحكمت عليهم العواصف، حتى خلصت منهم شرذمة قليلة إلى جزيرة الملك"
و حين وصولوا فسُألوا عن مرادهم فقالوا أنما جئنا إليه ليكون مليكنا، فأجيبوا:
"
أتعبتم أنفسكم. فنحن الملك شئتم أم أبيتم، جئتم أو ذهبتم. لا حاجة بنا إليكم"
و حين أحسوا بالاستغناء و أخذتهم الحيرة، و لما "
عمهم اليأس وضاقت بهم الأنفاس، تداركتهم أنفاس الإيناس، وقيل لهم: هيهات فلا سبيل إلى اليأس، فلا ييأس من روح الله إلا القوم الخاسرون. فإذا كان كمال الغنى يوجب التعزز والرد، فجمال الكرم أوجب السماحة والقبول."

و الملاحظ أن نهاية كل من الرسالتين مختلفة عن نهاية العطار فنهاية العطار رمزية و غير مفهومة كثيرا، بينما نهاية كل من الرسالتين واضحة فالطيور التزمت مقامها العبودي بشكل واضح كما هو... و للحقيقة فإن كلا الرسالتين أعجبتاني أكثر من رحلة العطار أسلوبا و معنى و مقاربة رغم اختصارهما، و هذا لا يعني أن منطق الطير لم تعجبني بقصصها الغريبة و أسلوبها اللامألوف أيضا...

المنظومة لم تتأثر فقط بما سبق، بل قد أثرت فيمن أتى بعد، فمثلا للشاعر الإنكليزي تشوسر الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي قصيدة بعنوان (مجلس الطيور)، و في رسالة الماجستير للباحثة عائشة عفة زكريا، تحدثت فيها عن تأثر تشوسر بالعطار...

بأية حال قد استمتعت بقراءة رحلات الطيور الثلاثة...


 

 

سلمى الهلالي

28/07/2010

 

 

 

 

 

   

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali