الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> ما بعد اللامنتمي

 

 

 

ما بعد اللامنتمي
Beyond The Outsider


ما بعد اللامنتمي


كولن ولسن

لمؤلفه الانكليزي

كولن ولسن
Colin Wilson
ترجمة يوسف شرور و عمر يمق
دار الآداب


 

"يقول: (آ، إنني أشعر بالضجر) لا يدري أن ضجره _الذي يبدو أرخص شيء و أكثره شيوعا في العالم_ قد اشتري بملايين السنين من المجهود، و كسلعة شرائية فهو أغلى من الراديوم" ص108
بهذه الطريقة الممتعة يحلل كولن ولسن الفلسفة و الفكر الغربي و كيف وصل للوجودية التشاؤمية التي آل إليها حال الإنسان الغربي ثم يقترح فلسفة جديدة....
كل فكرة الكتاب تقوم على أن الفلاسفة بعد ديكارت ابتدأوا بالشك بفكرة الإله ثم نفيها... و وصل الأمر إلى اللايقين بكل شيء، و انعدمت الأرض الصلبة، و أن على المرء مواجهة هذا الأمر... و الإنسان حين نفى الدين نفى معه الهدف الشخصي لوجود كل فرد بعينه، و بات يشعر أنه بلا معنى لأن وجوده أشبه بحبة رمل على الشاطئ... انعدام اللامعنى الفردي أدى للخواء و اللاهدف...
لا أنكر أن كثيرا من الأفكار التي كان يحللها لفلاسفة و علماء طبيعة لم أعرفها و ذلك جعلني أشبه "بالأطرش في الزفة" في كثير من الفقرات لكن الأمر لم يفسد علي تماما، فأنا لست مهتمة بما قاله الفلاسفة حقيقة لأني أوافق نيتشة على قوله الغاضب: "إن الفلسفة عبارة عن سيرة الفلاسفة أنفسهم" ص99 و حين تكون أناك ذات صوت عال فلا يهمك حينها حقيقة سوى سيرتك... للاسف أو لسوء الحظ، لا أدري...


على كل ما شدني للكتاب هو تحليل ولسن النافذ و أسلوبه الشيق و الجذاب و السلس... كولن ولسون بعد تحليله يقترح فلسفة جديدة، لم أستبنها تماما و لكنها تدور بمعظمها حول العمل و زرع وجود هدف أسمى داخل الفرد، فالحضارة الغربية قد أفسدت أفرادها بدلالهم، و خواءهم... السؤال هنا الذي ظهر في دماغي و أنا أقرأ ما يقوله، أن أي هدف سام ذاك الذي ينبغي علي أن أسعى له إن كان وجودي طارئا أو لنقل فقط نقطة عبور لتطور الإنسان حتى يصير متفوقا أو لبنة في التاريخ أو الدولة _كما تقول الماركسية مثلا_... أنا أريد أن أكون موجودة لـ كوني أنا... ليس لأني وسيلة لتطور سلسلة بشر أو حجرة في تاريخ أو لا أدري ماذا... و إنما لأني سلمى... مرادة شخصيا بعجرها و بجرها بأن تكون في هذا الزمان و المكان... و لذلك لم أشعر بأن فلسفته يمكن أن تفيد شخصا نافرا مثلي للاستمساك بالحياة...


ولسن لم يقترح الدين كحل _مع أنه يقر بكونه الوحيد الذي يعطي للمرء معنى وجوده الفردي_ لأن الدين يجعل المرء سلبيا و ليس له دور في الحياة، مجرد متفرج أو عبد سلبي... و لم أفهم لماذا يظنه أنه يجعله كذلك... إذ ما أظنه أن الدنيا وجدت لأجل أن يحيا بها البشري و يعمل بها و يعمرها... و إلا إن كان يُفترض أن يكون به سلبيا فلماذا وجد ابتداء... الأمر ليس بلا معنى لمجرد تسلية إلهية، فالبشري عبر الحياة بما فيها و ما يعرض له منها و ما يعمل به يتعلم و يتطور... و يدرك... و الإله قد قصد كل بشري بذاته ليوجد... هذا الشعور بالأهمية الفردية و أنه مقصود بذاته يعطي شعورا للبشري بجدواه في الحياة... حتى لو كان عمله لا مشاهد من قبل الناس أو لم يسمع به أحد أو كان تافها أو داخليا بحتا... هو مهم، لأنه قد أدى الغرض من وجوده و الإله قد شهده... و فقدان هذا الشعور بالأهمية الذاتية هو ما يجعل المرء خاويا... و ربما هذا ما يجعل المرء يقوم بأشياء مجنونة لأجل الشهرة أو لفت النظر...


أمر آخر كنت أفكر فيه حين تحدث عن اللايقين كنهاية كما وصلت إليها الوجودية التشاؤمية، و أن على البشري مواجهة الأمر و يكون شجاعا... و السؤال هنا طالما أنه لايقين فعلى أي أساس عليّ أن أتيقن بأنها النهاية و أنه ليس سوى اللايقين كقدر للبشري؟ أليس هذه الدعوة تحمل نقيضها في داخلها؟ أعني اللايقين يقتضي بالشك في كل شيء حتى في إمكانية عدم وجود يقين، أما أن يتيقن من عدم اليقين فهذا يقين و ليس لايقينا...
من وصل حقا للايقين ينبغي أن يبق في ذهنه احتمال وجود يقين لم يعثر عليه بعد... يعني اليقين باللايقين مناف لللايقين... ليس الغرض من كلامي هو السفسطة و إنما تبيان أنه طالما أن المرء يقول بعدم اليقين فلا ينبغي أن يعتبره يقينا يعيش على وفقه، بل يبقي دائما الباب مورابا... يبقى عائما كالريشة في الهواء... مستعدا و غير مستعد... متوقعا و غير متوقع... ذلك أصدق و أقرب لللايقين... أما أن يخترع أرضا صلبة بحجة أنه لا أرض صلبة فهو التناقض بعينه...


تحدث أيضا عن تجربته مع المخدر... لم يكن مدمنا... و إنما جربه ليعيش تجربة "الإدراك"... كان هذا جزءا من ثقافة شباب الستينات و السبعينات في أوروبا كما يبدو... كان الفصل ظريفا و أعجبني...
المخدر أو المسكر قد يجعل الرؤية أوضح، إذ تسكن القشرة الخارجية أو القناع ليعود للأصل... و لكن الخطأ أنه محفز خارجي و ليس إدراكا نابعا من الذات... و لذلك انتقده ولسون... و أذكر أيضا في هذا المقام حديث هرمان هسه عن الأمر أيضا في سيرته الذاتية، و انتقاده للمحفزات الخارجية... و أيضا حديث الأستاذ الغريب الذي التقيت به و حدثني ذات مرة عن ما كانوا يسموه بـ "الرحلة" و ذلك عبر عقار LSD حيث يعيش الواحد رحلة روحية.. ثم أخبرني أنه ليس من داع لذلك... الإنسان يستطيع أن يصل لهذا النوع من الإدراك بشكل ذاتي و من دون محفزات خارجية، عن طريق التدبر و التأمل... و طريقة الحياة التي يعيشها...
حسنا أستطيع تخيل ذلك... إذ أني ألاحظ حين أتأمل أن المخدر أو المسكر أو العقاقير أو أي نوع من أنواع الملهيات و الإدمان و الشراهة كل ذلك يتوهم أنه طريق أسهل من تغيير نوعية الحياة بشكل جذري... فالحضارة حولتنا لمخلوقات داجنة و جبانة... للأسف... لكن نتائجه أفدح، و مع الزمن يعتادها المرء و تصير غير مجدية... ليبحث عن مسكن آخر...
فهلا عوضا عن ذلك رمى كل هذا و قفز تلك القفزة حين تتاح له؟
فكّر بالأمر ما هو أسوأ من القاع؟ قاع آخر مثلا؟
حين تعتاد الظلمة فلن يختلف قاع عن قاع... و حين تكون مكسورا فلن يكسرك شيء آخر... لذلك قفزة أخرى لن تضر... و من يدري قد يكون كل الخوف منها متوهم... و تلك القفزة قد تفتح أفقا لا نهاية لها... و إن كنت تسأل أي قفزة... فلا تستعجل، حين تأتيك ستعرفها... و لكنك ستكون خائفا منها... لذلك كل ما عليك أن تكونه هو أن تكون مستعدا دائما... و حين تأتي تلك اللحظة تذكر كلامي و تشجع و اقفز...
و إن كنت تظن أني أتعاطى شيئا بكلامي هذا... فإني أطمئنك بأني لا أتعاطى سوى التفكر ...


اللطيف بالأمر أن المترجم "يوسف شرور" كان صديقا لولسن و قد تحدث أيضا عن تجربته مع المخدر بعد أن أقنعه ولسن بتجربته... و لكن النتيجة كانت مخيفة في حالته إذ أنه انتحر دون أن يشعر... و حينها ابتسمت من طرافة الموقف، فكيف يحدثنا و يكتب و هو منتحر ... و لكنه أكمل قوله أن مدبرة منزله قد شاهدته و أسعفته... كل هذا و هو غير واع...


قد مضى على الكتاب أكثر من 40 عاما... و لكنه جميل... و ما زال مناسبا فهو يعري الواقع بعين نافذة...
كولن ولسن شخص متفائل و يؤمن بجدوى العمل و لذلك يشن هجومه على التشاؤم و الخواء و اللاهدف للفلسفة الغربية... مثلا يقول : "إن كانت ثقافتنا مريضة، فلا يتحتم علينا أن نرجم السياسيين و رجال الأعمال باللوم العنيف، بل عينا أن نرجم أيضا مفكري و فناني المائتي سنة الماضيات لأنهم يشاركون في التخريب، إذ أن بعضهم كان مخربا يخلخل الأرض تحت أقدام الناس، كشوبنهور و دي ساد." ص52
و هو شخص ذكي و فاهم لما يجري حوله و للتشاؤم تحديدا... على عكس المتفائلين البسيطين عادة... و كأنه كان مكتويا بالتشاؤم حتى وجد منفذا و مهربا منه... و لذلك أتت تحاليله ذات معنى و تعابيره جميلة و ذات عمق...هذه المرة الثانية التي أقرأ له... فـ اللامنتمي كانت تجربتي الأولى معه و كان كتابا جميلا للغاية و ذا عمق و بصيرة نافذة، تجربة لا تنسى... ففي الكتاب يرصد شخصية اللامنتمي في الأدبيات الغربية، و يعتبر بحد ذاته فهرسا مرجعيا للعديد من الروايات و الأشعار و الكتب الغربية التي تتحدث عن اللامنتمي أو المتوحد أو المغترب في مجتمعه... و أعتبره واحدا من أجمل الكتب التي قرأتها... لذلك أحسبني سأحاول قراءة أعمال له أيضا...


إن كولن ولسن بأسلوبه يجعلني أشعر بأن الفكر و الكتابة أمر سلس و سهل... أمر في متناول يدي... في منتهى البساطة... من دون التفكير بـ حول ماذا... إذ جزء من الموضوع أنه بلا موضوع... جزء من الخطة أنه بلا خطة... قد حسدته... لأنه ثرثار و يستطرد و يكتب ما شاء له أن يكتب... لأنه لا يشعر بأنه يحتاج لمن يفجر زناده ليكتب... مجرد أن يريد أن يكتب فيكتب... هكذا بكل بساطة... حسدته مع أني لا أحسد أحدا عادة إلا الموتى، و هذا ربما سبب آخر جدير بجعلي أحسده...
بما أنه ميت فلا ضير من حسيدته قليلا... فلن تزول عنه نعماؤه... فلا أحد مات و عاد للحياة ...


يقال عن ولسن أنه يكرر نفسه و يدور حول فكرة واحدة و فلسفة واحدة في كتبه... وجدت الانتقاد سخيفا... إذ من هو الفيلسوف أو الكاتب الذي يملك أكثر من فكرة ليدور حولها... روح البشري واحدة، و أي عمل يكتبه فإن روحه تحوم حولها شاء أم أبى... كل ما يفعله الكتاب و الفلاسفة أنهم يغيرون القوالب و يلونونها و يشكلونها و لكنهم يصبون فيها نفس الروح... روحهم مع بعض التطور و التغيير بفعل تقادم الأيام... و لكنها تبقى هي... أخبروني عن بشري يملك القدرة على الخروج من نفسه و ما يعتمل بها؟ حتى حين يدعي أنه خرج من نفسه... فهذا تحديدا نفسه و دعوته و التي هي النفس التي تظن أنها خرجت من نفسها لاضفاء لمسة من تفوق لابشرية عليها... لكن ما لا ينتبه له من يقول ذلك أنا كلنا نحسبنا بشرا متفوقين و لسنا كالآخرين و خارج أنفسنا... التي ما زلنا كلنا عالقين بها كالآخرين أيضا تماما...


أعلم أني تحدثت كثيرا... بل إني كدت أؤلف كتابا من جراء قراءتي لكتابه... لولا شعوري بأني لو فعلت فسيكون كتابا باردا كبرود مشاعر مؤلفته و خاويا كخواء قلبها ... فالشعور هو ما يعطي لأي عمل نكهته... و عمل من دون رغبة أو عاطفة مثل الكوسى المسلوقة... مثل الدواء المر.. مثل الشعر بلا موسيقى... مثل المدينة بلا قطط و أشجار وهواء عذب... مثل الدنيا بلا ألوان... كلها تُزدرد بلا لذة... مثل الحياة بلا حب
و أنا أربأ بنفسي أن ألصق بها شيئا كهذا بلا طعم...

 

سلمى الهلالي

2009

 

 
 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali