|
إلى كل اللامنتمين أجيبوا بـ "نعم" أو "لا"
فيما أنا غارقة في كتاب اللامنتمي لكولن
ويلسون حتى أذني...
استوقفني الفصل الذي يتحدث فيه عن مشكلة
اللامنتمي و هي بالاختيار بين (نعم) النهائية
و (لا) النهائية...
و يقصد بـ(لا) النهائية هو الشعور بتفاهة
الحياة و عبثيتها و التشاؤم و برعب مبهم من
الوجود بحيث قد يودي إلى الانتحار الجسدي
فعلا، أو العقلي كالعدمية المنكرة للحياة
انكارا تاما "كلن ينتهي الشقاء" و "لا شيء
يستحق بذل أي مجهود"
أما (نعم) النهائية فهي أن يؤكد الإنسان على
الأشياء و يثبتها و أن يقول نعم دائما و أن
يشكر دائما و أن يكون مدركا لأسوأ ما في (لا)
النهائية، فاهما لكل ما يترتب عليها و أن يظل
في الوقت نفسه على إيجابيته بالنسبة للحياة
مريدا لها... "إن أعظم ما يستطيع الإنسان أن
يفعله هو أن يشكر رغم كل شيء"
و قد ألحق المؤلف سارتر بمن قال (لا) و أما
هسه و نيتشة بمن قال (نعم)
إلا أن قول (نعم) لكل ما يأتي من الحياة ليس
بتلك السهولة و خصوصا بالنسبة لشديدي الإحساس
ذوي الأمزجة المتقلبة...
فنيتشة مثلا كان ضجرا من بندول ذاته الذي
يتراقص بين (لا) و (نعم) و من السعادة التي
تجعل الشقاء يلوح عديم الأهمية و من الشقاء
الذي يجعل السعادة تلوح وهما...
و تساءل نيتشة عن إمكانية وجود ذاك الإنسان
الذي يتقبل كل شيء... و هذا كان أساس فلسفته
عن الانسان المتفوق (السوبرمان)...
ربما قد يبدو للوهلة الأولى هذا الكلام عن
الاختيار بين (لا) و (نعم) _بل حتى الكتاب
بأكمله_ ضربا من الهراء لمن لا يحس بمشكلة
اللامنتمي (أو ذاك الشخص مفرط الحساسية الذي
يرى أعمق مما يراه من حوله...) في تقبل الحياة
كما هي رغم كل ما فيها و رغم حتى عدم احساسه
بها أو اشتهائها أو بحثه عن ما لا يدري ما
هو...
إلا أن هذا الإلحاح، هذا الاختيار هو الشهيق و
الزفير اليومي لذاك الذي يستشعر الاغتراب (أو
اللاانتماء)...
لكن هذه الأفكار ليست بالجديدة لو أني أعدت
صياغتها بطريقة أخرى...
المشكلة باختصار تتلخص بين أن يرفض المرء قدره
بالحياة أو يرضى به كما هو... و هذا الاختيار
يعرض على كل البشر في لحظات معينة من حياتهم
كوقت الأزمات و المصائب حين تتبدى لهم وهمية
الحياة الدنيا الآنية... و لكنها بالنسبة
للشخص المفرط الحساسية متقلب المزاج المتأمل
تبدو كخيار يومي بما أنه يستشعر وهميتها أكثر
من غيره...
و ربما ما بحث عنه نيتشة في الانسان الذي
يتقبل كل شيء موجود في قول رسول الله (عجبا
لأمر المؤمن، إن أمره كله خير. إن أصابته سراء
شكر فكان خيرا له و إن أصابته ضراء صبر فكان
خيرا له.) أو _كما قال رسول الله_
لكن برأيي قول نعم و الرضا ليست كلمة تقال و
إنما تتبدى باسلوب الحياة... إذ لا تجتمع نعم
حقيقة من جهة و المرارة و الندم و الشعور
بالخيبة من الحياة و من الوجود بحد ذاته من
جهة ثانية...
أما بالنسبة لي فأنا أيضا يلح علي السؤال
المرهق (لا) أو (نعم)... و مؤشري يتراقص بشكل
جنوني بين السوداوية و القنوط أو بين السعادة
و الرضا التي تجعلني أقول لو لم يكن في الوجود
سوى هذه اللحظة لكفاه سببا... و لكني إلى الآن
ما زلت أقول نعم حتى آخر بقية باقية من عقلي و
حتى لو خرجت بصوت مرتعش و خافت، و الشكر رغم
كل شيء...
و رغم أني ما زلت _نظريا_ في بداية حياتي و لا
يمكن أن يعتد حقيقة بجوابي بـ(نعم) أو (لا) إذ
أن العبرة بالخاتمة... و لكني يقينة من أمر
واحد و هو أني طالما أملك زمامي عقلي فلن أقول
_بعونه فقط_ إلا نعم... أما ما وراء ذلك فعساه
أن لا يحاسبني فيما يملك و لا أملك...
و عادة حين يعييني الصراع بين (لا) و (نعم)
أجدني دائما فجأة أسأل نفسي و ما الذي سيتغير
في الحياة لو أني أجبت بلا أو نعم، لو أني
اخترت الاعتراض أو القبول... في الواقع لا
شيء...
حينها أجدني أختار (نعم، مع الشكر على الوجود)
إذ أن الاعتراض على ما لا قدرة لي عليه و
تسفيهه لا معنى له و إضاعة لإمكانية تعلم شيء
ما... أم الرضا به فهو يفتح آفاقا أوسع و أرحب
إذ يعطيني فرصة للتأمل و التفكير بهدوء و
سكينة فيما حصل و محاولة التعلم منه... و
المدهش في الأمر أني دائما ما أعثر _بعد مدة_
على ما يجعلني أوقن بأنه لو عاد الزمان و
المكان و ملكت الخيار لما اخترت أن يكون إلا
كما كان تماما...
و بغض النظر عن جوابي اللفظي الآني أو جوابكم
أعزائي اللامنتمين _أيا ما كان_... لندع حياة
كل منا هي التي تجيب، فهي الجواب الحقيقي...
و كان الله في العون...
سلمى الهلالي
15/4/2006
انظر قصيدتي:
The Absolute 'Yes'
|