|
|
الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> ملاحظتان على كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم |
||||
|
ملاحظتان على كتاب التحقيق في كلمات القرآن الكريم
كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) لحسن المصطفوي، كتاب ضخم يقع في 14 مجلدا، كرسه صاحبه لتأصيل كلمات القرآن الكريم، حيث يبدأ بذكر معاني الكلمة في أشهر المعاجم العربية واشتقاقاتها واستعمالاتها المتعددة، ثم بعد ذلك تأتي فقرة التحقيق لكل كلمة والتي تقوم على إرجاع كل الكلمات ذات الجذر الواحد لمعنى واحد هو الأصل الذي تعود إليه، ثم بعد ذلك يعمد على تطبيق هذا المعنى الأصل على مختلف موارد الاستعمال في القرآن... كما يذكر أيضا أوجه الاختلاف الدقيقة بين الكلمات الأخرى التي لها نفس المعنى...
وحسن المصطفوي هو عالم إيراني معاصر توفي قبل أكثر من عشر سنوات...
وأول طبعة للكتاب كانت في السبعينيات...
الكتاب كنت أقرأه بالتزامن مع كتاب (المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن
الكريم) لمؤلفه المصري محمد حسن حسن جبل... حرفا بحرف، شهر لحرف من
المصطفوي، ثم الشهر الذي يليه لنفس الحرف من كتاب جبل... مع كثير من
التقاعس بين حين وآخر مما جعلني أستغرق عدة سنوات حتى أنهيتهما وأخيرا ولله
الحمد... ولن أخوض في كتاب جبل هنا لأني سأخصص الكلام عنه لموضوع آخر إن
شاء الله، لكن من سوء حظ كتاب المصطفوي أن هذه القراءة المقارنة جعلتني
أنحاز لمعجم جبل وأجعله كتابي المفضل على الإطلاق، فقد برز وضوح الفكرة عند
جبل وقوته في التأصيل مع ضبطه لمعجمه بصرامة واتساقه المبهر وقدرته على
الاستفادة من المعنى المحوري في فهم الآية ضمن سياقها مقارنة بكتاب
المصطفوي الذي بدا أضعف منه بمراحل... ولذلك جعلت قراءتي للحرف عند جبل بعد
المصطفوي ليضبطه...
2- الملاحظة الثانية هي أنه بعد أن يذكر المعنى الأصل الذي
يراه للجذر، وحين يريد تطبيقه على موارد الاستعمال في القرآن الكريم فإنه
كثيرا ما ينقل الكلمات القرآنية إلى معنى معنوي كما يسميه، أو معنى روحاني
ما في مقابل معنى ظاهري، أو قل إن شئت معنى باطني... وتصير الكلمات المفسرة
بهذه الطريقة غريبة عن سياق الآية... والأمر أثار غرابتي كثيرا... إذ أنه
يفضي إلى غموض الكلام وجعله فضفاضا وليس توضيحه، وحينها لا أشعر من جدوى
لهذا المعنى المحوري سوى إبهام الكلام أكثر، وما الذي استفدته من الفروق
اللغوية الدقيقة التي ذكرها سابقا... وهو عكس مراد تأليف الكتاب لضبط
التأويل بإظهار المعنى الحقيقي للكلمات كما قال! سأذكر مثالا من أمثلة لا حصر لها: في كلمة كشط وبعد أن ذكر لنا أن الأصل الواحد في المادة هو (تنحية شيء وكشفه عما أحاط به، ماديا أو معنويا) ثم وضع الفروق بينها وبين كلمات شبيهة مثل الكشح والكشر والكشع والكشء والقشط... كل هذا جميل حتى الآن، لكن نأتي الآن حين يريد تطبيقها على آية {وإذا السماء كشطت} فيقول: (يراد من السماء معناها الروحاني ، فإنّ السماء المادّيّة قد ذكرت في ابتداء السورة بتكوير الشمس وانكدار النجوم ، وتحوّلها مقدّمة الى التوجّه بالسماء المعنويّة ونشر الصحف وتسعير جهنّم وإزلاف الجنّة وحصول العلم والمعرفة بما أحضرت. فانّ هذه الأمور الحادثة إنّما تناسب لطافة عالم الآخرة ، حتّى يمكن للنفس شهود ما أحضرت من الأفكار والصفات النفسانيّة وما بقيت في النفس من آثار الأعمال بالصور المتناسبة اللطيفة. وأمّا التنحّي والانكشاف بانطواء السماء : فإنّ المراتب العالية الروحانيّة قد صارت مغطية ومحيطة علينا ، ونحن محجوبون ومستورون بها ، ولا يمكن لنا شهود ما ورائها والاطّلاع عمّا فوقها ، فانّ كلّ مرتبة حاجبة عمّا فوقها ، وإن كانت بالنسبة إليه محجوبة ، فلا يمكن لنا الوصول الى المراتب العالية إلّا بالتدريج والترتيب ، درجة بعد درجة [...] وأمّا السير في هذا العالم النوراني الروحاني وكشف ما فيه : فهو غير متناه بعده ، وغير محدود علمه وشهوده. {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام : 59] فظهر إجمال حقيقة كشط السماء ، حتّى يتيسّر علم النفس بما أحضرت.) انتهى كلامه... الآن من كل هذا الكلام، أين باتت تلك الصورة البيانية المهيبة في الآية "وإذا السماء كشطت"، وما الذي زاده معرفة أصل الواحد لمادة الكلمة أو الفروق اللغوية الدقيقة التي ذكرها لكلمة كشط عن أخواتها في زيادة تذوق الصورة... بل ما معنى كل هذا الكلام!!! وللتوضيح ما كنت لأستشكل هذه النوعية من التأملات الروحانية _حتى لو أنها لا تروق لي_ لو أنها بقيت في خانة التأملات الذاتية والخطرات الشاعرية التي ليس بالضرورة أن تكون لها علاقة أو صلة بالآية التي حرضتها، وأن يكون الشخص مدركا لهذا... لكن استشكالي أن يجعل هذه التأملات الذاتية شرحا للآية... وأن يكون هذا الغموض نتيجة تطبيق معرفة المعنى اللغوي الأصل للكلمة على موارد الاستعمال في القرآن... وأن كتابا لغويا في المقام الأول يفترض به أن يزيد قدرتي على تذوق الكلمات وفهم الصور يفضي بي لتشوش الصورة...
لكن برأيي الاشكالية في هذا النوع من النظرية أنها تفضي لأن لا يكون لشيء معنى بشكل فعلي أو يؤدي إلى نتيجة عملية يمكن البناء عليها أو القياس عليها... فكل شيء يتحول إلى عالم يسبح في المجردات الذهنية والروحانيات غير المفهومة والنورانيات البعيدة، واللغة كلها تبدو بغير ذات جدوى، سيما أن السياق وتركيب الجمل والمعهود من كلام العرب لم يعد له دور أو جدوى في فهم المعنى... مما يؤدي إلى تعطيل النص والتشريع، فحتى الأوامر والنواهي تتحول إلى معاني مجردة... وهذا أمر مشكل جدا، وحتى لو أن المصطفوي لم يكن معطلا هكذا، إلا أن هذا مؤدى هذه النظرية... بل اللغة كلها تخرج عن الفائدة... إذ يبدو في نهاية المطاف أن لا فرق بين كلمة وأخرى، فما افتراق السنا "الروحاني" عن النور "الروحاني" عن السماء "الروحانية" عن النجم "الروحاني" في الجملة! ولا يبدو أن استخدام هذه الكلمة في النص كان سيفترق عنه فيما لو استخدم أي كلمة أخرى... إذ كلها ستفضي بالنهاية لمعنى روحاني كلي ما لا أحد يدري معناه ولا حتى من يدعي تفسيره به...
وللمعلومية فإن حيدر حب الله نفسه ذكر أن نظرية المصطفوي مشكلة خاصة فيما يتعلق بالتشريع... ولكنه لم يفصل في الأمر أكثر...
في نهاية المطاف أود أن أقول أن الكتاب يفيد الباحثين، لكنه
غير كاف، إذ اتضح لي أنه ليس أفضل ما في بابه، كما أنه يحتاج لتنقيح وضبط
أكثر، فالمؤلف إنما كتبه من دون تسويد كما أخبرنا... رحم الله كلا من المصطفوي وجبل... وابن فارس معهما...
--- (يبحث عن الأصل الواحد في كل كلمة وتطور تطبيقه على مختلف موارد الاستعمال في كلماته تعالى) لمؤلفه الإيراني: حسن المصطفوي
دار الكتب العلمية/ بيروت/ 2009
-- سلمى 16 آب 2018
|
|
|||
|
|
||||
|
|