الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >> فكرة صغيرة عن الكلمة والمعنى والسياق

 

 

فكرة صغيرة عن الكلمة والمعنى والسياق

 

 

 

 

كتاب محمد محمد يونس علي الذي صدر من عدة أشهر (تحليل الخطاب وتجاوز المعنى: نحو بناء نظرية المسالك والغايات) هو _رغم صغر حجمه_ فاتحة مشروع مهم، و ها أنا أعيد قراءته للمرة الثالثة على التوالي، و هو أمر لم أفعله مسبقا مع أي كتاب، و أحسبني سأظل أعيد قراءته إلى أن أتشرب كثيرا من فقراته و أمتلك أدواته التي يقدمها... فما حصل أنه قد رتب كثيرا من الأفكار في ذهني و حل كثيرا من المسائل المتشابكة و المعلقة في نفسي فيما يتعلق بتفسير النص... و جعلني أقبض على التوصيف المناسب لمسائل كنت أشعر بها من دون قدرة على الإحاطة بها... فضلا عن أنه يؤسس نظرية لسانية منضبطة لمواجهة موجة التأويلات الحداثية اللامنهجية التي تفسد الجدوى من التخاطب... إلا أني رغم كل هذا لست أريد الحديث عنه في هذا المقام... و إنما أريد الحديث عن إحدى تطبيقاته في محاولة حلي لبعض تلك الاشكالات... فمثلا جعلني أقترب من وضع يدي على الخلل المنهجي الذي أشعر به في كتاب التحقيق في كلمات القرآن للمصطفوي من دون أن أستطيع تحديده...
و لأبدأ الحكاية من البداية... كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) لحسن المصطفوي، كتاب ضخم كرسه صاحبه لاستخراج الاشتقاقات للكلمات القرآنية، و إرجاع الكلمات ذات الجذر الواحد لمعنى محوري واحد تدور حوله و كيفية تطبيقها على مختلف موارد الاستعمال في القرآن... و قد ذكر في المقدمة اهتمامه بتوضيح المعنى الحقيقي للكلمة لأن هذا الأصل الذي يـُبنى عليه فهم القرآن فلا يذهب كل قوم بتأويله كيف يشاؤون... و الكاتب التزم بمنهجه هذا في كثير من المواضع، إلا أني كنت أنتبه أنه في مواضع أخرى ينقلب استخراجه لأصل دلالات الألفاظ إلى تفسير الآية فيما بعد بمعنى معنوي _كما يسميه_، أو بتعبير آخر، بذكر معنى باطني لها في مقابل معنى ظاهري... و كنت أفكر أن كيف حصل هذا، ألا يفترض بالمعنى اللغوي للكلمة أن يساهم في ضبط التفسير فلا يجعل الكلام عاما هلاميا على هذه الشاكلة؟
فكرت أن ربما الأمر سببه في منهجه في استخراج المعنى الاشتقاقي حيث أنه عموما يختار أن يكون المعنى المحوري للجذر معنى عاما و مجردا، أي كليا، و يدخل فيه المعنى المادي و المعنوي، أي المجاز... بشكل مختلف عما يفعله محمد حسن حسن جبل في كتابه (المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن) _و الذي أقرأه بالتوازي مع كتاب المصطفوي ويتصدى لنفس الموضوع_، فجبل في معجمه الاشتقاقي لم يقع في التأويلات الباطنية، و هو قد ذكر في بداية كتابه أنه لجأ إلى استخراج المعنى المحوري من الاستعمالات الحسية الخاصة للكلمة، لأنها أوضح معنى و أقل هلامية و أثبت و أوضح في استخلاص المعنى، و منها ينتقل للمجاز و المجردات بعد ذلك... و لكن لم أجد السبب كافيا... أعني حتى جبل لديه من المعاني الاشتقاقية ما هو مجرد، و لكنه لم يقع في فخ التأويلات الباطنية... فلا بد أن هناك سبب إضافي...
 

ثم فكرت أنه ربما السبب في تطبيق المعنى الكلي العام للكلمة كما هو على الآية... و قد تأكد عندي هذا الخاطر بعد أن مرت معي هذه الفقرة المهمة عن الفرق بين المعنى و المقصد في النصوص التخاطبية في كتاب محمد علي، يقول:
(المعنى هو مدلول الألفاظ على مستوى التجريد، و هو مدلول افتراضي؛ لأن تصوره يقتضي عزله عن سياق التخاطب و العودة إلى مرجعيته الوضعية لتحديد مضمونه، و هذا يؤول إلى القول بأن الفرق الجوهري بين المعاني و المقاصد أن المعاني تفهم من المواضعات اللغوية، في حين أنه لا بد لاستنباط المقاصد من الوقوف على القرائن اللفظية و المعنوية و الاستعانة بالقدرات الاستنتاجية و التأمل في الأصول التخاطبية.)
بمعنى آخر لو طبقت هذا الكلام على ما يفعله المصطفوي في بعض المواضع، فأراه قد جعل المعنى الاشتقاقي المجرد الكلي ذا المدلول الافتراضي لكلمة حاكما على السياق برمته، بدل أن يكون السياق هو الحكم على المعنى الكلي لاختيار منه معنى محدد يتناسب معه من بين المعاني الممكنة... و هكذا يأخذ الكلمة بمعناها المحوري العام المجرد، ثم ينزله على الآية كما هو و يخرجه باسم المعنى الباطن، بإزاء معنى ظاهر تدل عليه اللفظة في اللغة و الاستخدام كما يوضحها السياق...
و لقد شبه محمد علي لفهم آلية تأثير السياق على الكلمة، بأن الكلمة كالحرباء التي تملك إمكانات معينة تبرز في موضعها المناسب في النص... لكن ما فعله المصطفوي حين تحدث عن المعنى الباطن، أنه ألغى تأثير السياق، و كأنه لا وجود له، و كأنه يتحدث عن كلمات في فضاء مجرد...
و لأضرب مثالين على هذا من كتاب المصطفوي، يقول:
(- السلسل: هو استطالة في أجزاء أو ارتباط حلقات مع انتظام والتواء و سلاسة
إنا أعتدنا للكافرين سلاسل: شعب مستطيلة مرتبطة في أنفسها تكون متعلقة للإنسان تجره و تحركه إلى ما تريد... هذا بحسب الظاهر. و أما بحسب الباطن و الحقيقة الواسعة: فالسلاسل عبارة عن الشهوات
و التمايلات النفسانية و البرنامج المادي الدنيوي المنبسط في شعب متنوعة حيوانية، فتكون سلاسل لصاحبها تمنع عن السير إلى خلافها و السلوك إلى سبيل الحق و الفلاح.
- سنا: الأصل الواحد في هذه المادة هو انتشار شعاع من مقام رفيع، و الشعاع أعم من أن يكون ضوءا أو شرفا أو خلقا أو رحمة أو سقاية أو ما يشابهها.
و قوله تعالى ينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء و يصرفه عمن يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار: أي البرق المتحصل من الاصطكاكات التي في جريان السحب و البرد، فالبرق: هو اللمعان المخصوص بشدة و ضغط. والسنا: جريان ذاك البرق وشعاعه... هذا إذا أريدت من الكلمات معانيها الظاهرية المادية. أما إذا أريدت منها مفاهيم عامة شاملة للمعاني المعنوية أيضا، فنقول في تفسير الآية الكريمة: ينزل الله تعالى من الأسماء الإلهية من جبال السحب النورانية ومن مقام العظمة والنور إفاضات روحانية وكشفيات وحقائق شهودية وتجليات إلهية وجذبات ذوقية...)

 

و كما نرى، فإن فقرة المعاني العامة الشاملة لم تعد تحقيقا لكلمات القرآن الكريم، و إنما تأويلا باطنيا... و إشكالية التأويل الباطني أنه ليس محاولة لتفسير المراد من النص عبر دراسة ألفاظه و مرجعياته في بنيته، و إنما هو بناء نص جديد مختلف على النص الأصلي، و يمكن أن أستعير بعض جمل محمد علي من كون هذا الأمر عملية توليدية جديدة و شروع جديد في التأليف و ليس امتدادا للتلقي. و لهذا اعتبرته خروجا عن موضوع الكتاب الذي كرسه مؤلفه له لتحقيق المعاني الحقيقية لكلمات القرآن... و ما يسميه بالمعنى الباطن ما هو إلا تأملات ذاتية أدبية منه، و ليست معنى للكلام... لكنه هو اعتبرها جزءا من موضوع الكتاب و من اللغة و من المعنى، و هذا ما استوقفني... مع أنه في أماكن أخرى ذكر تأملات كهذه ثم استدرك بأنها ليست من ضمن صلب موضوع الكتاب و ليس هذا مقامها و ما هي إلا فتوحات خطرت له...
فضلا عن أنه لا يوجد حتى منهج منضبط في انتقاء الكلمات التي يقترح لها معنى باطن بإزاء الظاهر، حيث يبدو الأمر اعتباطيا و عائدا للخواطر الأدبية و ليس لقرينة معينة...
و سأستعير في هذا المقام جملة محمد يونس علي في كلامه أوردها عن مفهوم المحايثة (و هو عزل النص و التخلص من كل السياقات المحيطة به)، و سأطبقها على التأويل الباطني هذا أيضا، من كونه يتوجه
(نحو تجريد الجزئيات والنهج نحو الكليات. ومن ثم إلغاء الواقعي لصالح إغناء الذهني، ويؤول هذا الأمر إلى خلق عالم ذهني بديلا للواقع الحقيقي؛ لأن الموجود الحقيقي إنما هو الجزئي، أما الكلي فلا يوجد إلا في الذهن. وربما كان من أهم أسباب ذلك التوجه نحو الكلي الذهني تلك القطيعة التعسفية الناشئة عن عزل النص عن سياقاته المرجعية المقارنة له. و هي التي يناط بها عادة الكشف عن مرادات المخاطب.)
 

هذا ما خطر لي لمحاولة فهم كيف انتقل المصطفوي من المعنوى اللغوي الظاهر لآخر يسميه بالباطني... لكن أيضا هناك من لفت نظري، إلى ما ذكره الجابري في كتابه (بنية العقل العربي) عن التأويل العرفاني و علاقته بالتشبيه التمثيليanalogy ، و عن الآلية الذهنية المتبعة فيه و هي: (المماثلة بين معان و آراء جاهزة لديهم تشكل قوام مذهبهم، و بين المعنى الظاهر الذي تعطيه عبارة النص، مماثلة في قوامها النظير يذكر بالنظير)، حيث تقوم هذه المماثلة على المشابهة بين بنيتين في الشكل، و ليس يوجد رابط منطقي بينهما... و بدل الاكتفاء بالتمثيل كوسيلة إيضاح كما يفترض بالتشبيه، فهو يتحول لمنهج استنباط و تفسير...
مثال عليه سنا البرق الذي ذكرته، فكما ينتشر شعاع البرق، فكذلك تنتشر الفيوض الروحانية... فالربط كان عبر وجود فكرة الانتشار في كل، فأعطى هذا مبررا لتفسير هذه بتلك، و كأنهما مترادفتان...
و يضيف الجابري أيضا اعتماد العرفانيين على تعدد الدلالة للكلمة الواحدة ليقيموا هذا النوع من التوازنات و التمثيلات... و أستطيع أن أقول أنه في حالة المصطفوي استثمر المعنى العام الكلي المجرد للاشتقاق الذي يشمل كلمات و استخدامات كثيرة للكلمة، و جعله حاكما على السياق، فلم يعد هناك حضور للسياق...
 

حسنا، يبدو فيما قاله الجابري سبب وجيه أيضا... و فيه بيان للبنية الإجمالية المتبعة في التأويل الباطني... لكني ما زلت أجد فيما ذكره محمد علي شرحا للآلية التفصيلية المستخدمة... كيف صار المدخل اللغوي سببا للخروج بتأويل باطني، من دون وجود قرائن و لا منهج منضبط يخبرنا عن سبب اقتراح باطن بإزاء ظاهر...
 

و جدير بالذكر هنا أنه ربما في كل ما ذكرته مثال تطبيقي على ما يتعرض له محمد علي في كتابه (تحليل الخطاب وتجاوز المعنى) حيث أنه يدور حول: إعادة النظر في قصر عملية الدلالة على ثنائية اللفظ و المعنى، و النظر للخطاب بوصفه بنية معرفية معقدة و مركبة من الإحالات المرجعية التي ينبغي مراعاتها حين النظر فيه...
 

و بعيدا عن فكرة المعنى المعنوي الباطن للمصطفوي التي لم أجد وجها لدخولها في الكتاب، فكتابه التحقيق جيد جدا، و فيه الكثير من الفوائد اللغوية القيمة... و أنا أقرأه بالتوازي مع كتاب المعجم الاشتقاقي لجبل... و إن كنت لا أخفي أني بعد عدة مباحث، قد انحزت إلى كتاب المعجم الاشتقاقي لجبل، فهو أقوى تأصيلا و أضبط منهجا و الفكرة لديه أوضح، و يهتم بسياق الآيات و لا يخرج عن موضوع الكتاب...

 

و أعود لما ابتدأت به و هو قول أن كتاب محمد محمد يونس علي الجديد (تحليل الخطاب وتجاوز المعنى: نحو بناء نظرية المسالك والغايات)، كتاب عظيم، و سيكون لي معه وقفات أخرى آتية إن شاء الله...
 

و بما أني ما زلت أقرأ في هذه الكتب و لم أنته منها بعد، فهذه كانت أفكارا مبدأية...

 

 

--

 

سلمى

21 حزيران 2016

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali