الرئيسية >> كتب بنكهات متنوعة... >>  الدخول في اللعبة؛ قصة النساء الغربيات في الجزيرة العربية

 

 

الدخول في اللعبة؛ قصة النساء الغربيات في الجزيرة العربية

 

     

 

 

هذا الكتاب الممتع يتتبع أثرا صامتا في التاريخ الحديث، إنه عن الغربيات اللواتي أتين الشرق في الفترة الإمبريالية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وعن دورهن الناعم والخفي والمهم في إعادة تشكيل الشرق ضمن المشروع الاستعماري. الكتاب لا يتحدث فقط عن حفنة الشهيرات منهن اللواتي عرفت أسماؤهن كغيرترود بيل، ولكنه يطال زوجات الضباط والمبشرات وبعض الرحالات المستقلات...
لم تكن هذه النسوة شيئا واحدا ولا يحملن فكرا متشابها، فقد تراوحن بين زوجات الموظفين الاستعماريين المحافظات التقليديات البريطانيات، وبين المبشرات البروتستنيات الأمريكيات المتحمسات، وبين الموظفات الاستعماريات المباشرات، وبين الرحالات الصحفيات المستقلات، وإن كان بالكاد يمكن ذكر اسمين أو ثلاثة من الفئتين الأخيرتين، فالأغلب كن الزوجات والمبشرات... أقول رغم الفروقات الفكرية بين هذه النسوة، ما بين التقليدية المحافظة ذات الاهتمامات الأسرية للمرأة وشغلها للأدوار العطوفة الاجتماعية الجانبية، إلى الجامحات المغامرات الكاتبات، إلى الموظفات المنخرطات بشكل مباشر اللواتي يستتفهن الأدوار الأنثوية النمطية، وبين المتدينات ومحاولتهن نشر المسيحية وحمل مهمة صليبية لاختراق جزيرة العرب إلى اللادينيات... رغم كل هذه التباينات إلا أنهن كلهن أخذن دورا ضمن المشروع الاستعماري لتلك المنطقة، واشتركن بالإيمان بالمهمة الغربية ذات الغايات التحضيرية لشعوب المنطقة، وبمركزيتهن وحضارتهن وبالتالي ضرورة إعادة تشكيل الشعوب الأخرى "المتخلفة" بما يوافق مفهومهن عن التحضر! وكلهن ساهمن في رسم سياسة المنطقة والتغيير الاجتماعي فيها... مع التناقضات بينهن في تفسير كل واحدة منهن لهذه المهمة...
ورغم الخلاف في سياسة كل من بريطانيا وأمريكا حول التغلغل الاجتماعي إلى شعوب المنطقة، من تحفظ الأولى وامتعاضها من اندفاع الثانية، إلا أن النسوة كن هن السبيل للانسياب والتأثير داخل مناطق عصية على الرجال، إلى المرأة والأسرة في البلاد الإسلامية. وكان هذا الانسياب بمعظمه منظما وموجها، كالمدارس والمراكز الطبية التي كانت أحد أهم مفاتيح ا
لتبشير، وقد انتبهت المشاريع التبشريرية الأمريكية إلى أهمية انخراط النساء فيها
(لعدة أسباب، على رأسها الحاجة الملحة إلى النساء للقيام "بعمل نسائي" أو بمعنى آخر للعمل مع النساء المحليات، خاصة اللواتي يعشن في بيئة منعزلة داخل بيوتهن خاصة في البلاد الإسلامية، فالبيوت تعد هناك حصنا منيعا، لا يمكن للرجال اختراقه. فضلا عن ذلك، تضفي النساء على منظر "الجيوش" التبشيرية عاملا ملطفا، مما قد يساعد في ترك انطباع لدى الناس معناه "النية الصافية" عوضا عن التعنت والتطاول. وأخيرا وليس آخرا، ستعطي النساء عند مرافقتهن لأزواجهن أو زملائهن من الذكور مثالا حيا على الحداثة، والتناغم الغربي المسيحي في المنزل.) ص139
كما وجمعهن أمر آخر مهم، وهو أنهن كلهن قد عثرن على أنفسهن في مقارنتهن بالمرأة العربية اللواتي نظرن إليها كأدنى "مرتبة وحظا"، وفي شعورهن بالتفوق عليها! لقد كان الشرق بالنسبة لهن المكان الذي وجدن قوتهن فيه، حتى المتحفظات منهن اللواتي التزمن بالأدوار الأنثوية التقليدية التي يحددها النظام الاستعماري البريطاني بنظرته الذكورية، كن في نهاية المطاف نساء غربيات في الشرق، أي نساء متمايزات أعلى مقاما! وكان الشرق فرصة لكثيرات منهن للخروج عن أدوارهن التقليدية ومواجهة ومنافسة الرجال وتحدي مجتمعهن، واكتساب بعض المناصب العليا، وهو ما لم يكن متوافرا لهن في وطنهن، لقد
(كن مستعدات للتهجم على سيطرة الرجل في ثقافات أخرى أو "أقل مكانة"). إنما تعززت مكانتهن في المشروع الاستعماري وفي المجتمع المحلي الشرقي! مما جعلهن كلهن ينسجمن مع هذا المشروع، سواء آمنّ به بثبات أم اتخذنه كوسيلة لتحقيق أحلامهن والهروب من قيود مجتمعاتهن...
 

ومن الفصول الممتعة كثيرا، فصل (نساء يـُدعين جامحات)، عن المغامرات الرحالات اللواتي لم يكن يلتزمن بالتعليمات الرسمية الغربية ويحاولن اختراقها، بل يحاولن الوصول لأماكن خطرة أو ممنوعة على الأجانب، وكن يجدن متعة في هذا. أبرزهن الصحفية والرحالة روزيتا فوربس التي أجابت على محاولات ثنيها عن رحلة عزمت عليها للربع الخالي، بعد أن لاقت رحلتها لصحراء ليبيا شهرة: (أستطيع أن أرتدي أي زي تنكري. أستطيع أن ألون جلدي بأي لون. أستطيع التظاهر أنني امرأة مسلمة. سأسافر وحدي، أستطيع القول أنني الزوجة الثانية لأحد الشيوخ).ص272 ورغم امتعاض الجهات الرسمية من جموحهن، إلا أن ثمرة هذا الاندفاع كانت تستغل أفضل استغلال فيما بعد... وجدير بالذكر أن عنوان الفصل هذا قد استمدته من كتاب لروزيتا فوربس يحمل نفس العنوان ونشرته عام 1935، عن قصص نساء منوعة وغريبة قابلتهن خلال ترحالها الطويل...

 

روزيتا فوربس على ظهر جمل


لم يهتم التأريخ الرسمي في الحديث عن هذه النسوة رغم أهمية ما كن يفعلنه، ولذلك فلن تجد المصادر المباشرة تتطرق لهن _اللهم إلا الشهيرات منهن_، وهذا مكمن الجمال في هذا الكتاب، أن المؤلفة استقت مادة بحثها وأبرزت هذه الصورة الخفية من المصادر الجانبية الأرشيفية المهجورة، من المراسلات السرية للحكومة والطلبات والأذونات والمعاملات والمهمات والملاحظات والبرقيات السريعة، وحتى الالتماسات المرفوضة، بالإضافة إلى المراسلات الشخصية للعاملين في الشرق لأهاليهم ومذكراتهم، ومن كثير مما يتواجد في الأرشيف من أوراق ولا ينشر عادة، فالمؤلفة بينولوب توسن _وهي مؤرخة بريطانية قد عملت في أرشيف المكتبة البريطانية قيّمة على أرشيف الشرق الأوسط في مجموعات وزارة الهند والاستشراق_ قد استغربت من كمية هذه المادة البحثية التي لم يلتفت إليها الباحثون والمؤرخون ليكتبوا عنها، فكان أن بادرت وألفت هذا الكتاب الرائع، بهذه الدقة البحثية، والتحليل المتبصر... فالكتاب ليس مادة ثرية بمصادرها فحسب، بل أيضا للانتباه للتفاصيل ولطريقة التحليل ولأسلوب قراءة الأحداث ولأسلوب العرض... ومن الجميل معرفة أن لها كتبا أخرى حول نفس الموضوع، عن نساء غربيات سافرن للشرق، وسأكون سعيدة لو قرأت لها ثانية...

 

وكما قلت في موضوع آخر حين تحدثت عن كتاب وقف المرأة في عالم الإسلام، بأنه بات من الواضح لدي أن النساء يظهرن أكثر في المصادر الأخرى غير التاريخ المدون المباشر، لأن ما يجذب التأريخ الرسمي المباشر هو الأحداث الكبرى والاستثنائية، دون تفصيلات الحياة العملية التي كانت تسيّر الحياة، ولا القوى الناعمة التي كانت تنساب بهدوء تحت السطح محدثة التغيير ببطء، وفي تلك التفصيلات المتوارية ستجد النساء...


الكتاب قرأته قبل أشهر وكان يفترض بي الكتابة عنه لأني استمتعت بالكتاب كثيرا حينها، إذ كان له من القوة على إعادتي للقراءة في فترة ملل من القراءة ومن كل شيء... لكني كالعادة رميت الأمر للغد، فعلقت في لانهائية الغد... فكل يوم يأت يصير اسمه يوما ويبقى الغد غدا لا يأت، ويا للعجب! وفي صحوة من ضمير على غير عادة، قلت لماذا لا أكتب اليوم بدل الغد؟ وهكذا قفزت من دوامة الغد إلى اليوم... وبما أن اليوم هو اليوم _ويا للمصادفة!_ فجلست وكتبت... وكان هذا الموضوع...

على أمل أن تنتقل بقية المواضيع المؤجلة والكتب المركونة والمشاريع المسوفة إلى اليوم! وما أضيق الحياة لولا فسحة الأمل...
 

والشكر لصديقتي الجميلة القارئة النهمة التي أهدتني إياه، إذ حين شاهدته قالت هذا لسلمى...

 

بيرسي كوكس الوكيل السياسي في مسقط وزوجته ميلا مع حاكم مسقط سيد تيمور آل سعيد مع وجهاء مسقط، 1903

---

 

 

دوروثي فان إس ومعلمات أخريات في مدرسة البصرة الثانوية للبنات، 1916

---

 

إيميلي لوريمر زوجة الوكيل السياسي في البحرين في غرفة معيشتها في البحرين 1911

---

 

دورا زوجة الضابط والرحالة فيليبي المعروف بالشيخ عبد الله، الكويت 1935

---

 

المبشران الطبيب ستانلي ميلري وزوجته بيسي في لباس عربي 1915

---

عائلة فيلبي مع روزيتا فوربس وبيرتام توماس في البتراء 1923

---

 

 

--

الدخول في اللعبة؛ قصة النساء الغربيات في الجزيرة العربية

لمؤلفته الانكليزية: بينيلوب توسن

ترجمة: عبد الله جرادات

مراجعة: أحمد خريس

دار كلمة، أبو ظبي، ط1، 2010

 

سلمى

كانون الأول 2018

ربيع الثاني 1440

 

 

 

 

 

 

 

 

 

CopyRight & Designed By Salma Al-Helali